بتاريخ 21 يونيو2017 ، أصدر المستشار عبد الوهاب عبد الرزاق رئيس المحكمة الدستورية العليا "أمراً وقتياً" بوقف جميع الأحكام القضائية الصادرة عن جهتي القضاء الإداري والعادي بشأن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية، الموقعة بين البلدين بتاريخ 8 أبريل 2016 فى القاهرة.

الأحكام التى شملها الأمر الوقتي بوقف التنفيذ هي:

  • حكم محكمة القضاء الإداري الصادر بتاريخ 21 يونيه 2016 والقاضي ببطلان اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية، المعروفة إعلاميا بقضية "تيران وصنافير"، والمؤيد بالحكم الصادر من دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا رقم 74236 لسنة 62 قضائية عليا بتاريخ 16 يناير 2017.
  • حكم محكمة القاهرة للأمور المستعجلة فى الدعوى رقم 121 لسنة 2017 مستعجل القاهرة، المؤيد بالحكم الصادر من محكمة مستأنف تنفيذ موضوعي جنوب القاهرة، بوقف تنفيذ حكم محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة ببطلان الاتفاقية .                                                     

فما هو السند القانونى للأمر الوقتي الصادر من رئيس المحكمة الدستورية، وما هي مبرراته لإصدار هذا الأمر، وما هي الآفاق المستقبلية للصراع الخفي بين السلطات بشأن اتفاقية تيران وصنافير؟ نحاول الإجابة على هذه التساؤلات فى ضوء الأمر الصادر من المحكمة الدستورية فى السطور التالية:                                     

أولا: الأساس القانونى للأمر الوقتى                          

بعد صدور الأحكام المتناقضة من جهتى القضاء الإدارى والقضاء العادى بشأن اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، واستنادا لنص المادة 25 (ثالثا) من قانون المحكمة الدستورية العليا، التي تحدد اختصاص المحكمة دون غيرها ب "الفصل فى النزاع الذى يقوم بشأن حكمين نهائيين متناقضين صادر أحدهما من أية جهة من جهات القضاء أو هيئة ذات اختصاص قضائى والآخر من جهة أخرى منها"، قامت الحكومة المصرية، ممثلة بهيئة قضايا الدولة، برفع منازعتي تنفيذ أمام المحكمة الدستورية العليا بالدعوى رقم 12 لسنة 39 قضائية "تنازع"، للفصل فى النزاع بشان الحكم الواجب التنفيذ من بين الحكمين المتناقضين. وتقدمت هيئة قضايا الدولة بطلب عاجل بوقف تنفيذ الحكمين لحين الفصل فى موضوع دعوى التنازع.                      

وأصدرت هيئة مفوضي المحكمة الدستورية تقريرا بالرأي القانوني فى الطلب العاجل، انتهى إلى التوصية بالاستجابة لطلب الحكومة وقف تنفيذ الحكمين، وقد بررت ذلك بأن ركن الاستعجال مناطه الافتئات على اختصاص السلطتين التنفيذية والتشريعية المنوط بهما الموافقة والتصديق على الاتفاقيات الدولية، على النحو الذى عينته المادة 151 من دستور 2014، وكذلك شبهة العدوان على الاختصاص المنفرد للمحكمة الدستورية العليا. كما رأت أن ركن الجدية يفصح عنه ظاهر أوراق دعوى التنازع من رجحان أن تقضي المحكمة الدستورية بعدم الاعتداد بالحكمين المتناقضين، حال أنهما خالفا قواعد الاختصاص الولائى على ما سنبينه لاحقا.                                                  

وقد أصدر رئيس المحكمة الدستورية العليا الأمر الوقتى بوقف تنفيذ الحكمين بالإتفاق مع هذا الرأي. وقد برر قراره بالتحديد على النحو الآتي:                                                      

  1.  مخالفة الحكمين لقواعد الاختصاص الولائي لكل منهما. فحكم محكمة القضاء الإداري انتهى إلى اختصاص القضاء الإداري بنظر صحة توقيع ممثل الدولة المصرية على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، حال كونه ممنوعا من ذلك، بحسبان التوقيع على المعاهدات الدولية من أعمال السيادة الخارجة عن رقابة القضاء الإدارى، طبقا للمادة 11 من قانون مجلس الدولة، ونصها "لاتختص محاكم مجلس الدولة بالنظر فى الطلبات المتعلقة بأعمال السيادة". أما حكم محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، فقد قضى فى منازعة تنفيذ موضوعية، بعدم الاعتداد بحكم صادر من جهة القضاء الإداري، وهو الأمر المحظور عليه دستوريا بنص المادة 190 من الدستور التى تحدد اختصاص مجلس الدولة دون غيره "بالفصل فى المنازعات الإدارية ومنازعات التنفيذ المتعلقة بجميع أحكامه " .                                                                               
  2. أن المشرع حظر على القضاء النظر فى أعمال السيادة، سواء فى ذلك القضاء العادى، الممنوع من ذلك طبقا للمادة 17 من قانون السلطة القضائية، التى تنص على أنه "ليس للمحاكم أن تنظر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة فى أعمال السيادة"، أو القضاء الإدارى، طبقا لنص المادة 11 من قانون مجلس الدولة الفائت ذكرها. وفى هذا الخصوص ذكر تقرير هيئة المفوضين أن التطبيقات القضائية فى مصر وفرنسا استقرت على أن الاتفاقيات والمعاهدات الدولية تعد من أبرز الأمثلة على أعمال السيادة.                                                                   
  3. أن المحكمة هى المختصة بإصدار الأمر الوقتى بناء على الطلب العاجل فى دعوى وقف تنفيذ الأحكام محل النزاع لحين الفصل فى الدعوى. وقد صدر الأمر محمولا على ما ورد بتقرير هيئة المفوضين من توافر ركنى الجدية والاستعجال فى الطلب. وركن الجدية تفصح عنه ظاهر أوراق الدعوى، ويرجح معه "أن تقضى المحكمة الدستورية بعدم الاعتداد بالحكمين المتناقضين" للأسباب السابقة.             .                                    
  4. تغول الحكمان على الاختصاص الدستورى للسلطتين التنفيذية والتشريعية على النحو الذى حددته المادة 151 من الدستور، حيث تختص الأولى بإبرام الاتفاقية، فى حين تختص الثانية بمراقبة وتقييم أعمال وإجراءات إبرام الاتفاقية وموضوعها. يضاف إلى ذلك شبهة العدوان على الاختصاص المنفرد للمحكمة الدستورية العليا بالرقابة القضائية على الاتفاقيات الدولية، بعد إقرارها والتصديق عليها وإصدارها ونشرها، بحسبان هذه الرقابة دستورية وليست رقابة مشروعية.                                                             

ثانيا: مستقبل الصراع بين سلطات الدولة بشأن قضية تيران وصنافير

 الأمر الوقتى الصادر من المحكمة الدستورية العليا هو إجراء وقتى، يخص الشق المستعجل من دعوى التنازع. لذلك فأثره ينحصر فى وقف تنفيذ الأحكام المتناقضة الصادرة بشأن الاتفاقية لحين الفصل فى الدعوى الموضوعية من قبل المحكمة الدستورية، سواء بسريانها أو بطلانها، والهدف منه ألا ينفذ أحد الحكمين جبرا فى مواجهة من يعترض عليه، ويكون من شأن تنفيذه إلحاق مخاطر جسيمة يتعذر تداركها بالمصالح التى يدعيها المتضرر من التنفيذ أي "الحكومة". وهذا الأمر الوقتى لايجوز الطعن فيه، ولا يجوز النظر إليه باعتباره محددا أو مرشحا لقضاء المحكمة الدستورية العليا فى النزاع حول التناقض، أى الحكم فى الشق الموضوعى، على حد تعبير هيئة المفوضين فى تقريرها. ويترتب على قرار رئيس المحكمة بوقف تنفيذ الحكمين طوال فترة نفاذه المنع من القيام بأى عمل يناقض فحواه، وهو ما يعني امتناع القيام بأى عمل تنفيذى للاتفاقية.                              

ونظرا لأن المشرع لم يحدد أعمال السيادة المحظور على القضاء الإدارى والعادى النظر فيها، فإن تقديرها تتولاه الجهة القضائية لتحديد اختصاصها أو عدم اختصاصها بالنظر فى النزاع المعروض عليها، وذلك تحت رقابة المحكمة الدستورية العليا. بيد أن المحكمة الدستورية سبق لها أن فسرت أعمال السيادة فى العديد من أحكامها، مقررة أنها الأعمال التى لا يتهيأ للقضاء النظر فيها، لأن الحكومة تمارسها باعتبارها سلطة حكم وليس سلطة إدارة. ومن ثم فلا يتصور أن تنظر تلك الأعمال أمام ساحات المحاكم ومن سلطة القضاة باعتبارهم غير مختصين ولائيا بذلك، فهو عمل محظور النظر فيه أمام القضاء. وقد سبق للمحكمة الدستورية العليا رفض الدعوى بعدم دستورية نص المادة 17 من قانون السلطة القضائية فيما تضمنه من عدم جواز النظر قضائيا فى أعمال السيادة، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مقررة أن ضوابط ومعايير الفصل فى مشروعية هذه الأعمال لا تتهيأ للسلطة القضائية بكل أفرعها(1). وقضت بعدم اختصاصها بالطعن على قرار رئيس الجمهورية رقم1337 لسنة 1967 بإعلان حالة الطوارئ باعتباره عملا من أعمال السيادة(2). كما قضت بعدم اختصاصها بالطعن على اتفاقية تنظيم إقامة الجيوش العربية باعتبارها من أعمال السيادة التى ينبغى أن تنحسر عنها الرقابة القضائية الدستورية (3).

وقد أكد تقرير هيئة المفوضين "أن الدساتير فى جميع البلاد دأبت عل منح القائمين على إجراءات أعمال السيادة، سلطة تقديرية واسعة، حيث إن خروج أعمال السيادة عن ولاية القضاء هو أحد صور التطبيق الأمثل للمفهوم الصحيح لمبدأ الفصل بين السلطات، الذى يوجب إقامة توازن دقيق بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، بحيث تتولى كل هذه السلطات صلاحياتها التى خلعها عليه الدستور، وفى الحدود التى رسمها دون افتئات من إحداها على الأخرى".                                          

نعتقد أن موقف المحكمة الدستورية العليا من الرقابة القضائية على الاتفاقيات الدولية باعتبارها من أعمال السيادة هو مؤشر على قرب نهاية الحسم لقضية تيران وصنافير. ففى ظل ما أثبته تقرير هيئة المفوضين من رجحان أن تقضى المحكمة الدستورية بعدم الاعتداد بالحكمين المتناقضين، وهو ما استندت إليه المحكمة لإصدار أمرها الوقتي بوقف التنفيذ للحكمين، صار متوقعا أن القضية ستحسم يوم 30 يوليه، عندما تفصل المحكمة فى موضوع دعوى التنازع، وتقضى- حسب الراجح- بحكم نهائى لا يقبل طعنا بعدم الاعتداد بالحكمين المتناقضين، للأسباب ذاتها التى سطرتها دعما للأمر الوقتى وتضمنها تقرير هيئة المفوضين. وفى هذه الحالة يكون مجلس النواب قد وافق على الاتفاقية، ولا يبقى لنفاذها سوى تصديق رئيس الدولة وهو لن يتأخر كثيرا بعد الأمر الوقتى، ثم نشرها فى الجريدة الرسمية، لتنتقل السيادة على جزيرتى تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية.

في ضوء هذا الاحتمال الذى أضحى حقيقة بعدما كان خيالا، نستطيع أن نفهم مغزى ترحيب مجلس النواب، ممثلا برئيسه، بقرار وقف تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة فى شأن الاتفاقية، حين قرر مزهوا أن المحكمة الدستورية العليا قد أنصفت البرلمان، وأن "الأغلبية" كانت على حق. ولا نرى أى غرابة فى رد فعل رئيس مجلس النواب، وهو الذى صرح أثناء مناقشة المجلس للاتفاقية أنه لايعترف بأحكام القضاء الصادرة فى شأن الاتفاقية وأنها والعدم سواء بالنسبة له. وفى السياق ذاته صرح وزير شؤون مجلس النواب أن المحكمة الدستورية العليا هى الحكم بين المحاكم القضائية، وأنها بهذا القرار أعادت الأمور إلى نصابها الصحيح وأكدت الحدود الفاصلة بين السلطات.                                                                            

لا نشك فى أن الأمر الوقتى هدفه تهدئة النفوس ووقف الاشتباك الدائر بين سلطات الدولة الثلاث بشان اتفاقية ترسيم الحدود. لكن فى ضوء القضاء السابق للمحكمة الدستورية العليا بعدم جواز نظر المحاكم فى أعمال السيادة، واعتبارها الاتفاقيات الدولية من صميم أعمال السيادة ونموذجها الأبرز، تلوح فى الأفق معالم الحكم المنتظر فى دعوى التنازع الموضوعية المحدد لنظرها جلسة 30 يوليه 2017.                  

صحيح أن توقع الأمور السيئة ربما يكون محبطا على الرغم من واقعيتها، لكن الإحباط لايغير من القدر شيئا، ولايمنع الإحتمال فى ضوء المعطيات الثابتة. فالإحتمال ليس رجما بالغيب، بل هو توقع نتيجة مستقبلية غير معروفة من عوامل ومقدمات معلومة سلفا.                          .                                                                                 

 

---------------------------------------------------------------------------------

(1) الدعوى رقم 39 لسنة 17 ق دستورية بجلسة 6 يونيه 1998
(2)الدعوى رقم 22 لسنة 6 ق دستورية بجلسة 5 فبراير 1977
(3) الدعوى رقم 48 لسنة4 ق دستورية بتاريخ 21 يناير 1984