بتاريخ 17 يونيه 2017 أصدرت المحكمة الإدارية العليا، برئاسة المستشار الدكتور محمد ماهر أبو العينين، حكماً يرسم للبرلمان ضوابط تنظيم قانوني لموضوع الإضراب في مجال الوظيفة العامة، بعد صدور عدة أحكام متضاربة، بعضها اعتبر الإضراب جريمة جنائية وتأديبية. ونشير في عجالة إلى النصوص القانونية الحالية، والسوابق القضائية في الموضوع، قبل أن نستعرض الحكم الحالي وأسانيده، وما يقرره من ضوابط لتنظيم الحق في الإضراب السلمي.

أولاً: التنظيم القانوني الحالي لموضوع الإضراب:

كانت المادة 124 من قانون العقوبات تعاقب على الإضراب الذي يقع من الموظفين أو المستخدمين العموميين بالحبس والغرامة  كعقوبة أصلية والعزل من الوظيفة أو الخدمة كعقوبة تكميلية وجوبية. وبعد أحداث يناير 1977 صدر القرار بقانون رقم 2 لسنة 1977 الذي عاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة الموظفين الذين يضربون عن عملهم عمداً، متفقين في ذلك أو مختلفين في تحقيق غرض مشترك، أيا كان الغرض. ونظراً لما شاب هذا التجريم من مخالفة للدستور بسبب عباراته غير المنضبطة وخروجه عن أصول الصياغة القانونية للنص الجنائي، فقد تم إلغاؤه بالقرار بقانون رقم 194 لسنة 1983.

 ولم يكن قانون العاملين المدنيين في الدولة رقم 47 لسنة 1978 يتعرض لموضوع الإضراب بالتنظيم القانوني. وبعد ثورة 25 يناير 2011، أصدر المجلس العسكري المرسوم بقانون رقم 34 لسنة 2011 بتجريم الإعتداء على حرية العمل. ولم يتغير الوضع بعد صدور قانون الخدمة المدنية الجديد رقم 81 لسنة 2016 الذي لم يتناول وضع الضوابط القانونية لإضراب الموظفين العموميين إضراباً سلمياً. لذلك يظل إضراب الموظفين العموميين عن العمل في حاجة إلى تنظيم قانوني، طبقاً لنص المادة 15 من الدستور الحالي، وهو ما دعت إليه الأحكام القضائية الصادرة منذ صدور دستور 2014.

أما قانون العمل رقم 12 لسنة 2003، المعدل بالقانون رقم 102 لسنة 2008، فقد وضع تنظيماً لحق الإضراب السلمي عن العمل في القطاع الخاص. فتنص المادة 192 من هذا القانون على أن للعمال حق الإضراب السلمي ويكون إعلانه وتنظيمه من خلال منظماتهم النقابية دفاعاً عن مصالحهم المهنية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك في الحدود وطبقاً للضوابط والإجراءات المقررة في هذا القانون. ونصت المواد 193 وما بعدها من قانون العمل على ضوابط الإضراب التي يعاقب تأديبياً على مخالفتها.

لكن موضوع الإضراب في مصر لا يحكمه فقط القانون الداخلي، في الحدود التي تصدى فيها لموضوع الإضراب، لكن ينظمه أيضاً العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي صدقت عليه مصر بتاريخ 8 ديسمبر1981 ونشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 8 أبريل 1982 ، ليتحول إلى قانون من قوانين الدولة المصرية اعتباراً من 14 أبريل 1982. فطبقاً للدستور المصري الجديد في مادته 93 تكون للاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية التي تصدق عليها مصر قوة القانون بعد نشرها في الجريدة الرسمية.  وقد نصت المادة (8) من هذا العهد على ما يلي: "تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بكفالة ما يلي: .... (د) حق الإضراب، شريطة ممارسته وفقاً لقوانين البلد المعني ...". هذا النص مؤداه أن الدولة المصرية ملزمة بمنح العاملين الحق في الإضراب السلمي الذي ينظمه القانون الوطني بوضع شروطه وإجراءاته، شريطة ألا يترتب على القانون الذي ينظم ممارسة حق الإضراب تقييد الحق بغرض الانتقاض منه أو تجريده من فاعليته طبقاً لنص المادة 92 من الدستور المصري.

الدستور المصري الجديد خصص مادة وحيدة تقرر حق الإضراب السلمي وتفوض القانون في تنظيمه، وهي مادة قد يراها البعض مقتضبة في كلماتها، لكنها تقرر حقاً دستورياً وتلزم مجلس النواب بإصدار القانون الذي ينظم حق الإضراب. وقبل صدور هذا القانون، يكون الإضراب حقاً مشروعاً للعاملين في الدولة لا يتقيد بأي قيد، سوى ما تقضي به القواعد العامة من عدم جواز التعسف فى استعمال الحقوق كافة، تطبيقاً لقاعدة أن الأصل في الأشياء الإباحة. وقد جاء حكم المحكمة الإدارية العليا الحالي بعد عدة أحكام، بعضها قرر أن الإضراب محظور على العاملين بالدولة، ليستنهض البرلمان للوفاء بالتزامه الدستوري في سن التشريع الذي ينظم حق الإضراب السلمي بما لا يمس أصله وجوهره.

ثانياً: الموقف القضائي المتردد من الإضراب:

في سنة 1986 نظم سائقو قطارات السكة الحديد في منطقة القاهرة الكبرى إضراباً عن العمل، مطالبين بمطالب مهنية مشروعة تتعلق بحقوقهم وضمانات ممارستهم لأعمالهم. لكن نظراً لاقتصار الإضراب على سائقي القطارات فى منطقة القاهرة الكبرى فقط، جرى فضه سريعاً، وقدم بعض المضربين إلى محكمة أمن الدولة العليا "طوارئ" بالقاهرة، بتهمة الإضراب عن العمل.

لكن محكمة جنايات القاهرة (منعقدة في هيئة محكمة أمن الدولة العليا طوارئ) أصدرت حكماً تاريخياً ببراءة جميع المتهمين في القضية، استناداً إلى أن العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية قد تحول إلى تشريع مصري بعد تصديق الدولة المصرية عليه ونشره في الجريدة الرسمية طبقاً لنص المادة 151 من دستور 1971. واعتبرت محكمة أمن الدولة العليا طوارئ أن نص المادة 8/د من العهد الدولي، وقد جاء لاحقاً على نص المادة 124 من قانون العقوبات، يكون قد ألغى ضمناً هذا النص السابق على تاريخ صيرورة العهد الدولي قانوناً نافذاً في مصر. وفي هذا الحكم قررت المحكمة نصاً: "وحيث أنه تطبيقاً لنص المادة 151 من الدستور (1971) ولما استقر عليه الفقه والقضاء، فإن المعاهدات الدولية التي صدرت وفقاً للأصول الدستورية المقررة ونشرت في الجريدة الرسمية تعد قانوناً من قوانين الدولة يتعين على القضاء الوطني تطبيقها باعتبارها كذلك. وما دامت لاحقة لقانون العقوبات، فإنه يتعين اعتبار المادة 124 قد ألغيت بالمادة 8 فقرة (د) من الاتفاقية المشار إليها عملاً بنص المادة الثانية من القانون المدني ..." ([1]).

وعلى الرغم من صدور هذا الحكم في سنة 1986 وفي ظل حالة الطوارئ من محكمة جنائية، إلا أن المحكمة الإدارية العليا لم تنحُ هذا المنحى الحقوقي في حكمها الصادر من الدائرة الرابعة بتاريخ 18 أبريل 2015، حيث أنكرت حق العاملين في الإضراب المقرر في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والدستور المصري، وقررت مجازاة من قاموا بالإضراب، تأسيسا على أحكام الشريعة الإسلامية، التي اعتبرها الحكم قيداً على الحقوق التي تقررها المواثيق الدولية، فالشريعة، وفقا للحكم، لا تجيز تعطيل مصالح العباد عن طريق الامتناع عن العمل. وانتهت المحكمة إلى أن الإضراب يعد جريمة جنائية وجريمة تأديبية، وعاقبت الموظفين الذي أضربوا عن العمل بعد ثبوت صحة تحقيقات النيابة الإدارية بشأن إضرابهم عن العمل وتعطيل سير المرفق العام عن أداء مصالح المواطنين.

ويلاحظ على هذا الحكم أنه لم يشر من قريب أو بعيد في حيثياته إلى المادة 15 من دستور 2014 التي أقرت حق الإضراب. كما أن الحكم استند إلى قواعد فقهية إسلامية لا يمكن اعتبارها من أحكام الشريعة الإسلامية، وكذلك نلاحظ أن هذا الحكم لا يقيم وزناً للاتفاقيات الدولية التي التزمت بها الدولة المصرية، حيث لا يعفيها من هذا الالتزام التحفظ في وثيقة التصديق بعدم تعارض أحكام الاتفاقية مع الشريعة الإسلامية، وهي التي لم تنظم أحكامها مسألة الإضراب بنصوص صريحة قطعية الثبوت والدلالة، فلم يرد له ذكر في آيات القرآن أو السنة تحريماً أو تجريماً. ولا يفوتنا أن نسجل ما ورد في هذا الحكم من توجيه سياسي، غير مألوف فى الأحكام القضائية، للموظف العام الذي يلتزم بأن يكون مسلكه كاشفاً عن ولائه للدولة ولنظام الحكم القائم، والقدر الأدنى في هذا الأمر يتمثل في عدم مهاجمة نظام الدولة وفلسفتها الاجتماعية ... وعدم القيام بأي تصرف يسئ إلى سمعة الدولة، أو أي تصرف يكون من شأنه النيل من سلامة النظام أو تجريحه.

وفي ظل غياب التنظيم التشريعي لإضراب العاملين المدنيين بالدولة، تتعدد وتتضارب اجتهادات المحاكم التأديبية والإدارية العليا وقسم الفتوى والتشريع بمجلس الدولة في خصوص مشروعية الإضراب. ففي حكم أصدرته المحكمة الإدارية العليا حديثا، قضت فيه بفصل عدد من موظفي مجلس الدولة فصلاً نهائياً من عملهم، بسبب إضرابهم عن العمل وقيامهم بقطع التيار الكهربائي عن بعض قاعات المحاكم، مما تسبب في إعاقة العمل. وجاء فى فتوى أصدرتها الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع حول مدى مشروعية قيام الأطباء بالإضراب إن مرفق الصحة يقدم خدمات حيوية للمواطنين، وهو ما يفرض على ممارسة الإضراب فيه قيوداً أكثر صرامة من تلك التي تفرض على غيره من المرافق قد تصل أحياناً إلى حد الحظر التام.

كذلك أصدرت المحكمة الإدارية العليا برئاسة المستشار لبيب حليم حكماً في 25 يوليه 2015، قررت فيه أن قوانين الخدمة المدنية التي تسري على الوظائف العامة الحكومية لا تبيح الإضراب الذي يتعارض ودوام سير المرافق العامة. وفي هذا الحكم، أنكرت المحكمة الوضعية القانونية للاتفاقات الدولية التي حددها الدستور ذاته، فقررت أنه لا يكفي لمباشرة الحق في الإضراب أن ينص عليه في اتفاقية دولية دون أن يصدر قانون يضع القيود والضوابط التي تبين كيفية استعماله، حتى لا يساء استعمال هذا الحق على نحو يغدو فيه أداة هدم ومعول دمار وتخريب للاقتصاد القومي. وهو ما يعني أن غياب القانون المنظم يجعل الإضراب محظوراً حسب الأصل، وهو ما يخالف المبادئ العامة التى تفرض إباحة ما ليس محظورا قانونا.

وفي ظل هذا الإغفال التشريعي لتنظيم الإضراب في قانون الخدمة المدنية الجديد، يكون على مجلس النواب تنظيم حق الإضراب السلمي بتعديل هذا القانون أو في قانون خاص، مستلهماً تجارب الدول الديمقراطية، والمبادئ التي قررتها أحكام المحاكم المصرية، وبما لا يتعارض مع التزامات مصر الدولية ودستورها الذي أقر حق الإضراب. وفي هذا الإطار يكون حكم المحكمة الإدارية العليا محل التعليق بمثابة خارطة طريق، ترسي ضوابط تنظيم حق الإضراب لتكون تحت بصر النواب حال تصديهم لوضع التنظيم القانوني للحق المكرس دستوريا.

ثالثاً: حكم المحكمة الإدارية العليا الجديد:

أرسى حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر في 17 يونيه 2017 مبدأً قضائياً هاماً، أكد فيه أن الإضراب حق، لا يجوز العقاب على استعماله، ولو لم ينظمه المشرع. وتطبيقاً لهذا المبدأ أصدرت المحكمة حكمها ببراءة 17 موظفاً بمكتب بريد مدينة أشمون بمحافظة المنوفية من تهمة الإضراب عن العمل في فبراير 2014. واستندت المحكمة في حيثيات حكمها لاستخلاص المبدأ الجديد إلى الأسانيد التالية:

1- أن حق الإضراب نص عليه الدستور في المادة (15) وأوجب على المشرع تنظيم هذا الحق، إلا أنه لم يتدخل لتنظيم الإضراب في المرافق العامة أو في نطاق الوظيفة العامة بصفة عامة.

2- أنه تبين من الأوراق أن الموظفين المتهمين لم يتجاوزوا حدود استعمال حق الإضراب، وقاموا بالإضراب لمطالب وظيفية مشروعة منها زيادة البدلات والحوافز، وقد استجابت لهم جهة الإدارة فعلاً وقامت بزيادة الحوافز واحتسبت أيام الإضراب إجازة اعتيادية من رصيد إجازاتهم، فلا يمكن مجازاتهم عن استعمال حق قرره الدستور وهو حق الإضراب.

3- لم يثبت إساءة استعمال الموظفين لحق الإضراب. فقد ثبت أن الإضراب كان جزئياً، وكانت أعمال مكتب البريد تسير بصورة عادية، وشهدت الإدارة أن الإضراب كان مهنياً، ولم يكن له علاقة بأي تنظيم سياسي، وعليه فلا وجه لمساءلتهم تأديبياً عنه.

4- لا يجوز القول بأنه ما دام المشرع لم ينظم هذا الحق الذي أباحه الدستور، تعين وقف استعماله، لأن في ذلك مصادرة لحق نص عليه الدستور، وهذا لا يجوز.

وناشدت المحكمة المشرع التدخل لتنظيم الإضراب، حيث تضمن قانون العمل تنظيماً لحق الإضراب، فأصبح واجباً على المشرع التدخل لتنظيم هذا الحق في نطاق الخدمة المدنية، على نحو يضمن التوازن بين هذا الحق وعدم إساءة استعماله أو الانتقاص منه من ناحية، ودوام سير المرافق العامة بانتظام واضطراد من ناحية أخرى.

ولم تغفل المحكمة عن دورها الاجتماعي الريادي في ظل غياب التنظيم التشريعي، فوضعت أمام البرلمان الضوابط التي ارتأتها أساسية للإضراب السلمي كى يكون غير معاقب عليه، وهي تدور حول عدة قواعد منها:

أ- أن تكون المطالب التي نظم الإضراب من أجلها مطالب مشروعة، ترتبط بالوظيفة العامة، وليست لها صبغة سياسية.

ب- أن يلجأ الموظف إلى جهة الإدارة أولاً بالوسائل القانونية المشروعة، كالتظلم ومخاطبة السلطات العامة، لتنفيذ هذه المطالب، وأن تتم المفاوضة حولها.

ج- أن يتم إخطار الجهة الإدارية بالإضراب قبل الشروع فيه بوقت كاف، وأن تعطي الجهة الإدارية مهلة لبحث المطالب والرد عليها.

د- أن يبدأ الإضراب بصورة متدرجة، بأن يكون جزئياً قبل أن يكون إضراباً شاملاً.

هـ- أن تكون هناك بدائل لمعالجة الحالات المستعجلة التي لا يجوز تجاهلها بالإضراب، حتى لا تتعطل مصالح المواطنين. وللمشرع أن يحدد الوظائف التي يمتنع فيها الإضراب لمساسها بسير المرافق العامة وبمصالح المواطنين مساساً مباشراً.

و – ألا يرتبط الإضراب بأي نوع من أنواع العنف ليكون إضرابا سلميا.

خلاصة القول أن هذا الحكم الهام يضع خارطة طريق للبرلمان، توجهه نحو تنظيم الحق الدستوري في الإضراب السلمي، تنظيماً لا ينطوي على مصادرة له، وترشده إلى الضوابط والقواعد التي يتعين عليه توخيها، للحيلولة دون إساءة استعمال حق الإضراب أو تجريده من مضمونه مما يعرضه للطعن عليه بعدم الدستورية.

 وانتظاراً لصدور التشريع المنظم للحق فى الإضراب السلمى من البرلمان، يكون هذا الإضراب مباحاً بوصفه حقا دستوريا، لا عقاب عليه تأديبيا أو جنائيا، متى التزم القائمون به بالضوابط العامة لعدم إساءة استعمال الحق. وعدم العقاب الجنائي يجد سنده فى المادة 60 من قانون العقوبات المصري ونصها " لا تسري أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتكب بنية سليمة عملاً بحق مقرر بمقتضى الشريعة"، والشريعة ( loi   (يقصد بها فى هذا النص كافة التشريعات التي تقرر حقوقاً للأفراد، سواء تمثلت في نصوص دستورية أو قانونية أو لائحية. أما انعدام العقاب التأديبي فسنده أن استعمال حق الإضراب، وفقاً للضوابط التي رسمها القضاء، في غياب النص التشريعي المنظم، أو قررها التشريع حال صدوره، لا يمثل إخلالاً من الموظف بواجبات الوظيفة، ولا يشكل بالتالي جريمة تأديبية تستوجب العقاب.

 


([1]) المادة الثانية من التقنين المدني المصري خاصة بإلغاء التشريع إلغاءً صريحاً أو ضمنياً.