منذ فترة، تشهد المحاكم ظاهرة جديدة تتمثل في تقديم عدد من الأشخاص دعاوى لإعادة تسجيلهم في خانة الطائفة التي كانوا طلبوا شطبهم منها. ويجدر التذكير أن عدداً من اللبنانيين قاموا بشطب قيدهم الطائفي من سجلات الأحوال الشخصية، عملا بالتعميم الصادر بتاريخ 6 شباط 2009، عن وزير الداخلية آنذاك زياد بارود. وإذ برّر هؤلاء خطوتهم برغبتهم بعدم التصريح عن أي انتماء طائفي أملا ببناء مجتمع مدني متحرر من الطائفية والمذهبية، عادوا واصطدموا بعوائق وصعوبات تتصل بحياتهم اليومية لا سيما في موضوع الزواج والإرث والدخول إلى الوظائف العامة. وهذا ما دفع العديد منهم إلى مراجعة قرارهم بشطب القيد الطائفي والمطالبة بإعادة قيدهم في خانات الطوائف. ومن اللافت أن هذه المطالبة أخذت طابعاً قضائياً بخلاف طلبهم بشطب القيد الذي تمت معالجته إدارياً. وبالنظر إلى أهمية هذا الموضوع، استحصلنا على عدد من القرارات التي سيعمل هذا المقال على تبيان فحواها وتحليلها، علما أن العديد من الطلبات ما تزال ما تزال عالقة أمام المحاكم.

خلاصة عن قضايا إعادة القيد الطائفي

بمراجعة محكمتي بيروت وجديدة المتن، تبيّن لنا أنه تمّ تقديم 3 طلبات في المحكمة الأولى و4 طلبات في الثانية خلال سنتي 2016-2017. كما حصلنا على قرارين من بيروت، وهما القراران الصادران بعد 2014، وحصلنا على 4 قرارات في جديدة المتن، وهي مجموع القرارات الصادرة منذ 2012 في تلك المحكمة.

وبالتدقيق في هذه القرارات، نسجل الملاحظات الآتية:

  • أن المستدعين الذين انقسموا مناصفة بين ذكور وإناث، أبرزوا في القضايا الست مستندين أساسيين لإثبات انتمائهم الطائفي من جهة وقبول قيمين في الطائفة لعودتهم إليها. وهذان المستندان هما من جهة بيان القيد العائلي الذي يثبت الطائفة التي تنتمي إليها عائلة الشخص الذي يطلب إعادة قيده فيها، ومن جهة أخرى إفادة صادرة عن المرجع الروحي المختص (المطرانية، الدير البطريركي، دار الإفتاء الجعفري، دار الإفتاء في الجمهورية اللبنانية). وبالإضافة إلى هذه المستندات، يسجل إبراز مستندات أخرى من قبل عدد من طالبي إعادة القيد الطائفي، أبرزها المعاملة التي جرى شطب المذهب بموجبها أو وثيقة ولادة أو شهادة معمودية أو بيان قيد عائلي للجدّ. واللافت في إحدى القضايا هو مبادرة طالب القيد إلى إبراز سجله العدلي وكأنه يتعين عليه إثبات حسن سلوكه للعودة إلى الطوائف.
  • بعض القرارات فقط تضمنت معلومات حول الأسباب التي دفعت هؤلاء لشطب قيدهم الطائفي أو للمطالبة بإعادته، على نحو يضيئ على المعوقات القانونيّة والسياسيّة أمام التحرّر من الطوائف.

ومن أهم ما ورد في القرارات في هذا الشأن، تصريح طالب إعادة القيد "بالصعوبات التي اعترضته لإكمال مسيرة حياته كلبناني ومنها مشاكل إجرائية والمشاكل في التعيينات الإدارية والإرث". كما سرد الحكم نقلا عن طالب إعادة القيد "أن خطوة شطب القيد الطائفي (تبقى) "خطوة غير مكتملة من جوانب عديدة ويترتب عليها أضرار جمة على الشخص الذي قام بهذه الخطوة" وأنه اقتنع "رغم تعدد الطوائف والمذاهب (أن) التمسّك بلبنانية الفرد وانتمائه لوطنه واحترام كافة الطوائف والمذاهب بعضها البعض (يبقى) واجبا أخلاقيا".

وفي قضية أخرى، بيّن أحد طالبي القيد أن الرغبة في شطب القيد الطائفي نبعت من رغبته "بعقد زواج مدني في لبنان "وأنه لم يعد من مبرّر لذلك بعدما رفضت وزارة الداخلية تسجيل هذا النوع من العقود".

وتاليا، نتبيّن أنّ الاعتبارات التي دعت هؤلاء إلى العودة إلى الطوائف، لا تتمثل بخيار حرّ منهم بإعادة قيدهم على طائفة أهلهم، بل باصطدامهم بمعوقات واقعية وقانونية أدت إلى حرمانهم من حقوق معينة تبعا لشطب قيدهم الطائفي. والطابع الإضطراري للعودة إلى الطوائف إنما يأخذ كل أبعاده حين نقارنه بالخروج الحر منها رغبة بتحقيق فهم معين من المواطنة.

  • أن بعض القرارات تضمنت إشارة صريحة إلى موقف المديرية العامة للأحوال الشخصية التي لم ترَ مانعا من إجابة طلب الإستدعاء.
  • أن القضاة الذين نظروا في هذه الطلبات، استندوا في القرارات الستة على نفس الأسس القانونية لقبول الطلب. فبعدما تثبّتوا من انتماء المستدعي إلى المذهب المراد إضافته من خلال التدقيق بانتمائه السابق وبانتماء أهله الحالي إليه، خلصوا إلى القول بأن القيد الحالي للمستدعي "بخلوه من ذكر المذهب لا يعكس حقيقة واقع اعتناقه الدين". وهذا ما سنسعى إلى تحليله في الفقرة الآتية.

 

شطب القيد، خطأ يقتضي تصحيحه قضائيا

يجدر التذكير هنا أن الأشخاص الذين قدّموا الطلبات اضطروا للجوء إلى القضاء لإعادة قيدهم في خانة الطائفة، فيما أنهم توصلوا إلى شطب قيدهم بطلب تقدموا به إلى إدارة شؤون الأحوال الشخصية عملا بتعميم بارود[1]. ولإدراك مغزى هذا الأمر، لا بد من الإشارة إلى أن تصحيح القيود الشخصية يتطلب محكمة فقط بالنسبة إلى الأحوال غير القابلة للتغيير. أما فيما عدا ذلك، أي بشأن الأحوال القابلة للتغيير، فيجري التصحيح من قبل دوائر النفوس دون ما حاجة إلى حكم محكمة، كل ذلك وفق المادة 21 من المرسوم 8837 تاريخ 1 كانون الثاني 1932. وهذا الأمر إنما يعني أمرين:

الأول، ومفاده أن بارود اعتبر في تعميمه أن طلب الشطب يشكل تصحيحا للقيد الشخصي بشأن حال قابلة للتغيير، وأنه يهدف تالياً إلى تغيير في هذه الحال. ويتأكد ذلك من خلال الأسنادالتي ارتكز إليها التعميم ومن أهمها حرية المعتقد وتحديدا حرية الإنتماء أو اللاإنتماء إلى طائفة وحرية التصريح أو اللاتصريح عن هذا الإنتماء. بكلمة اخرى، وفق هذا التعميم، نسب الفرد إلى طائفة لا يعود أمراً حتمياً طالما أن له أن يعلن في أي حين عن عدم رغبته بهذا الإنتماء أو أيضا عن رغبته بكتمه،

والأمر الثاني، ومفاده أن القضاة الذين أصدروا الأحكام موضوع التعليق اعتبروا أن طلب إعادة القيد لا يهدف إلى تغيير في حال الطالب، إنما إلى إعادة مطابقة القيد لحاله الذي يعتبر أنه لم يتغير رغم الشطب. وعليه، اتجه القضاة عند النظر في الطلب إلى التعامل مع عملية الشطب، ليس على أنها عملية إرادية قام بها شخص ما، بل على أنها "خطأ" عاد هذا الفرد ليطالب بتصحيحه. وهذا الخطأ المفترض هو مزدوج: فهو خطأ لا يتصل فقط بالطلب، إنما أيضا بقبول الطلب من قبل الإدارة التي تبدو هنا وكأنها غرّرت من خلال تساهلها وتسامحها به. وبالطبع، إفتراض الخطأ على هذا الوجه إنما يعني في عمقه أن اللبناني ملزم بالإنتماء إلى طائفة وبقيد إنتمائه هذا. وفي حال شطب القيد لسبب من الأسباب، فذلك لا يعني أنه لم يعد منتميا إلى الطائفة، إنما يعني فقط أن ثمة خطأ يرتقب تصحيحه عاجلاً أم آجلاً. وبالطبع، قراءة مماثلة تشكل مخالفة صريحة لمبدأ حرية المعتقد وللقرار 60 ل/ر الذي أجاز صراحة لمن يرغب من اللبنانيين أن لا ينتمي إلى أي طائفة، مما ينفي بشكل قاطع حتمية الإنتماء الطائفي.

أجنحة التغيير وجاذبية النظام السائد

الفكرة الأساسية التي تردّدت في الحملة الهادفة إلى شطب القيد الطائفي، هي الضغط على الدولة للقيام بواجبها بوضع قانون مدني ينظم شؤون الذين لا ينتمون إلى أي طائفة طبقا لأحكام القرار 60 ل/ر. فقد رأى القيمون على الحملة أنّ تجاوب عدد كبير من المواطنين مع دعوتهم لشطب الطائفة كفيل بتحقيق هذا الضغط. وقد شكّل نجاح الحملة اللاحق في تسجيل أول زواج مدني على الأراضي اللبنانية عامل ضغط إضافياً، ولا سيما بعدما أقدم العشرات على إبرام زواج مماثل.

وفي المقابل، تبيّن الأحكام موضوع هذا التعليق أنّ من شأن المنظومة القانونية والواقعية التي ما تزال تربط التمتّع بعدد كبير من الحقوق بالإنتماء الطائفي أن تضعف هذه الجهود وأن تجرّدها من الكثير من فعاليتها. فعدا عن أن هذه المنظومة ثنت وتثني الكثيرين عن شطب قيدهم، فها هي تفرض على بعض شاطبي القيد العودة إلى الطوائف، وهي عودة مكلفة لا تتم إلا بتوسل الطوائف أنفسها ومن ثم القضاء. وهذه العودة تشبه في عمقها اضطرار كثير من المتزوجين مدنيا في لبنان على إبرام زواج ديني فيه أو زواج مدني آخر خارج لبنان بعدما رفضت الإدارة تسجيل زواجهم الأول[2].

ومع تدوين هذه الصعوبات، تجدر الإشارة إلى أن عدد طالبي إعادة القيد ما يزال محدوداً وأن نسبتهم قد لا تتجاوز نسبة الذين يقررون إجمالا الإنسحاب من أي معركة صعبة وقاسية. ويؤمل طبعا أن تنتصر أجنحة التغيير على جاذبية النظام السائد.

نشر هذا المقال في العدد 50 من مجلة المفكرة القانونية
 


 [1] :" 1- قبول عدم تصريح صاحب العلاقة عن القيد الطائفي وقبول طلبات شطب القيد الطائفي من سجلات النفوس، كما ترد إلى رؤساء النفوس دونما حاجة إلى أي إجراء إضافي. 2ـــــ وفي حال عدم التصريح عن القيد أو طلب شطبه، تدوين إشارة «/» في الخانة المخصصة للمذهب في قيود الأحوال الشخصية العائدة لصاحب العلاقة".
[2] الهام برجس،"الأزواج غير المعترف بهم يلجؤون إلى القضاء ...وإلا إلى قبرص: تمسّك بالمواطنة يعكّره هاجس الولادات"، المفكرة القانونية، العدد 35، كانون الثاني 2016.