في غضون الأسابيع الماضية، تبلّغ عدد من القضاة تعميماً صادراً عن مجلس القضاء الأعلى للخروج من مجموعة الواتساب المحصورة بقضاة لبنان تحت طائلة الملاحقة التأديبية. وقد تمّ إبلاغ التعميم المذكور ضمن غلاف كتب عليه سرّي جداً، بواسطة رؤساء عدد من محاكم الإستئناف. وكان القضاة أنشأوا في نيسان 2017، وعلى خلفية ما اعتبروه تعرضا لحقوقهم في مشروعي قانون سلسلة الرتب والرواتب ومصادر تمويلها، مجموعة الواتساب هذه، ضماناً للتواصل فيما بينهم. وتبعاً لصدور هذا التعميم، وإذ أذعن عدد من القضاة للتعميم، أصرّ آخرون على البقاء في المجموعة رغماً عنه. وبفعل ذلك، يعود إلى الواجهة النقاش القديم الجديد حول أخلاقيات القضاة، وخصوصاً بما يتصل بحريتي التعبير والتجمع. فمن جهة، موقف السّلطة ممثلة بمجلس القضاء الأعلى وقوامه أن موجب التحفظ هو الأصل وأن من شأنه أن يجرّد القضاة من هاتين الحريتين، فلا يمارسون منها إلا ما يسمح به المجلس صراحة. ومن جهة ثانية، موقف التيّار الإصلاحيّ داخل القضاء الذي يرى أن المبدأ هو الحرية التي تشكل ممارستها شرطاً لتعزيز التضامن بين القضاة وتالياً منعتهم إزاء مختلف أشكال التدخل والتهميش والإستفراد. وهذه هي الوقفة التي سنحاول إبرازها في هذا المحل.

ظروف صدور التعميم

كما سبق بيانه، نشأت مجموعة الواتساب لقضاة لبنان بمناسبة الدعوة لجلسة مجلس النواب بشأن سلسلة الرتب والرواتب وكيفية تمويلها. وقد هدف منشؤوها إلى تعزيز التواصل بين القضاة لمواجهة ما اعتبروه آنذاك تعرّضاً للقضاء ومسّاً باستقلاليته المالية. وقد انقسمت هذه المجموعة إلى اثنتين لأسباب تقنية قوامها عدم إمكان استيعاب جميع القضاة في مجموعة واحدة. وإذ نجحت هذه المجموعة في إنجاح الإضراب الحاصل في نيسان 2017، بدأت فور عودة القضاة إلى العمل إفساحا لمجال المفاوضات، ضغوط عدة لوقفها.

وبعد فترة هدوء، عادت المجموعة لتنشط مجدداً تبعا لأحداث مؤثرة في القضاء. فمن جهة، توالي أحداث اعتبرها بعض أعضاء المجموعة تعرضا للقضاء، وأبرزها تدخل وزير العدل سليم جريصاتي في قضية الحاجة خديجة. ومن جهة ثانية، فشل المساعي غير الرسمية التي بادر إليها مجلس القضاء الأعلى مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري بشأن المطالب المالية للقضاة. وعلى خلفية هذه الأحداث، بادر بعض قضاة المجموعة بالتنسيق مع الرئيس الأول في بيروت طنوس مشلب لدعوة زملائهم في مجموعة الواتساب، لاجتماع في قاعة محكمة الإستئناف في قصر العدل في بيروت، للتباحث في مختلف الشؤون القضائية بتاريخ 11/5/2017. وكردة فعل أولى على هذا الإجتماع، عقد مجلس القضاء الأعلى اجتماعاً موازياً عبّر خلاله القيّمون عليه عن رفضهم لأيّ تحرك أو اجتماع عامّ للقضاة لا يحظى بموافقته. ورغم تسرب أخبار عن مناقشات برز فيها اختلاف في وجهات النظر بين الأعضاء، تم تضمين محضر الجلسة موافقة على توجيه تعميم للقضاة بالخروج من مجموعة الواتساب كما سبق بيانه. فعلام نص هذا التعميم؟

موجب تحفظ أم موجب صمت وطاعة؟

ليست المرّة الأولى التي يعبر فيها مجلس القضاء الأعلى عن رفضه لحرية التعبير والتواصل بين القضاة. لكنها المرّة الأولى التي يكون فيها موقفه بهذا الوضوح وهذه الصرامة. وبالتدقيق في نص التعميم، نلحظ أنه يضع خطان أحمران على الأقلّ:

الخطّ الأحمر الأول، هو منع أي تواصل بين مجموع قضاة لبنان من خارج جبّة مجلس القضاء الأعلى. فبعدما اعتبر التعميم أنّ إنشاء مجموعتي التواصل الواتساب اللتين تضمّان قضاة من كل لبنان، يشكل خروجاً عن موجب التحفظ، عاد وأوضح أن بإمكان القضاة إنشاء مجموعات واتساب على صعيد المحافظات فقط وبشروط نوضحها أدناه. ويُفهم من ذلك أن الخروج عن التحفظ بالنسبة إلى المجلس لا يرتبط بالضرورة بمضمون التواصل بين القضاة (أي بما قد يقولونه أو يفعلونه)، إنما بفعل التواصل بحد ذاته، كلما كان هؤلاء يعملون في محافظات مختلفة. وبالواقع، يصعب فهم معيار التمييز الحاصل على أساس مكان العمل: فالإشتراك في الوظيفة القضائية يولد حاجات وهموما مشتركة، أقلها ما يقتضيه الدفاع عن استقلالية القضاءـ غالبا ما تكون أكبر من الحاجات والهموم التي يولدها اشتراك القضاة في مكان العمل.

وبالواقع، لا نجد تفسيراً لهذا التمييز إلا بالعودة إلى ظروف صدور التعميم. فالمجلس الذي لم يخفِ تبرمه إزاء توجيه دعوة إلى جميع القضاة من دون الرجوع إليه، لجأ إلى فرض هذا الخط الأحمر القاسم بين القضاة. فاجتماعات المحافظات تقتصر على القضاة العاملين فيها وتبقى تاليا محدودة من حيث قدرتها. أما انعقاد جمعيات عمومية لمجموع القضاة فله أبعاد أكثر أهمية وخطورة ولا يجوز حصوله إلا بدعوة من المجلس. وإذ ينبع موقفه هذا عن نفس الإعتبارات لإنكار حرية القضاة في إنشاء جمعية أو نادٍ، فإنه يعكس درجة أعلى من التخوّف والحذر إزاء أي تواصل قد يؤدي إلى نشوء قوى قضائية منافسة له أو من شأنها أن تضعف سلطته في التحكّم في القضاء. ومن هذه الزاوية، يصبح "التحفظ" مرادفاً للإمتناع عن أي عمل من شأنه إنشاء حركة قضائية متحررة عن توجيهات مجلس القضاء الأعلى، من دون أن يكون مُرتبطاً بحال من الأحوال بمقتضيات الوظيفة القضائية وما تفترضه من حماية لثقة المتقاضين.

الخطّ الأحمر الثاني يتصل بمضمون التواصل. فما أن أكّد التعميم السماح بالتواصل بين القضاة العاملين في المحافظة نفسها، حتى سارع إلى تضييق مواضيع التواصل الممكنة والتي يجب أن "تقتصر على الأمور الإدارية وحسب المرتبطة بعمل الرئيس الأول الاستئنافي في المحافظة ضماناً للإلتزام بموجب التحفظ". وبذلك، حصر المجلس حرية التواصل في هذا المجال بالمسائل اللوجستية المتصلة بحاجات المحاكم، في موازاة حظر التطرق إلى أي مسألة أخرى، كالتدخل في القضاء مثلا. فهذه المسائل، تماما كالمسائل العامة للقضاة، تبقى من صلاحية مجلس القضاء الأعلى الحصرية الذي له وحده كلمة الأمر والفصل.

وما يعزز الطابع السلطوي للتعميم، هو أنه لم يكتفِ بلفت نظر القضاة إلى ما يراه المجلس موجباً أخلاقياً، إنما جاء بصيغة الأمر بحيث تستوجب أي مخالفة له الملاحقة التأديبية. وأشد ما يسترعي الإنتباه هنا هو الفارق الشاسع بين هذه الصيغة الآمرة الواضحة والصيغة الملتبسة المتأنية حين يكون موضوع النقاش هو تواصل القضاة مع السياسيين وزياراتهم المنتظمة إليهم. ففيما يتدخل المجلس بكل قوة لمنع التواصل بين القضاة (وهو أمر قد يعزز منعتهم واستقلاليتهم)، تراه يتردد في اتخاذ أي موقف إزاء تواصلهم مع السياسيين، على الرغم مما تثيره من شكوك بشأن استقلاليتهم وحياديتهم. وهذا ما يتحصل من المقابلة التي أجرتها "المفكرة" مع رئيس مجلس القضاء الأعلى جان فهد في أواخر 2015 حيث رفض اتخاذ موقف مبدئي ضد الزيارات الدورية التي يقوم بها قضاة لمراجع سياسية، على خلفية أنه "قد تجمع بين عدد من القضاة وبعض السياسيين علاقات صداقة"[1].

وفي الإتجاه نفسه، يلحظ أنه تم توجيه التعميم من دون أي تباحث أو تشاور مسبقين، ومن دون الإستناد إلى أي تعريف لموجب التحفظ. وعليه، تعامل المجلس مع هذا الموجب مرة أخرى على أنه حمّال لكل ما يريده من معانٍ تخدم مصالحه، من دون أن يكبد نفسه عناء إعطاء أي تعريف له. وبالعودة إلى المقارنة المشار إليها أعلاه، نسأل: "هل موجب التحفظ يفرض التحفظ عما قد يعزز الإستقلالية أم على العكس من ذلك، عما قد يولد شكوكا حول الاستقلالية أو الحيادية؟" السؤال برسم مجلس القضاء الأعلى، ليس فقط من باب المساجلة بل من باب المساهمة في توضيح المفاهيم وتعميقها. فكما لا يليق بقاض أن يطلق أحكامه على عواهنها من دون تفكير، لا يليق من باب أولى بمجلس القضاء الأعلى أن يفعل ذلك.     

رفض القضاة الإنسحاب وآثاره: هذا التمرد الجميل   

رغم إبلاغ التعميم للقضاة، فإن المواقف إزاءه جاءت متفاوتة. ففيما انسحب منه نصفهم تقريباً إتقاءً للمشاكل، عبّر كثيرون أن المجلس هو في معرض اتّخاذ مواقف سلطوية تنتقص إلى الحدّ الأدنى من المشروعية، رافضين الإستجابة لمضمون التعميم. وما أسهم بذلك هو موقف بعض رؤساء المحاكم الإستئنافية ممن امتنع حتى الآن عن توجيه التعميم إلى القضاة العاملين فيها. ويؤمل طبعاً أن يستمرّ هؤلاء في صمودهم الجميل هذا، أملا بإعادة تكوين علاقة سليمة بين القضاة ومجلس القضاء الأعلى، علاقة تكون فيها الغاية الأولى للمجلس ضمان استقلال القضاة إزاء أي تدخّل، بما فيها تدخّله. ففيهم تكمن السلطة القضائية، أما هو فمجرد ضمانة لتحقيق هذا الإستقلال.  

نشر هذا المقال في العدد 50 من مجلة المفكرة القانونية


[1]  مقابلة مع رئيس مجلس القضاء الأعلى جان فهد في 16 و 17/12/2015، المفكرة القانونية، العدد 36، شباط 2016.