بجلسة 24 ديسمبر 2016، أصدرت المحكمة الإدارية العليا في مصر حكماً يتعلق بتفعيل استحقاق دستوري قررته المادة 78 من دستور 2014، جوهره التزام الدولة بوضع خطة قومية شاملة لمواجهة مشكلة العشوائيات. وقبل أن نعرض منطوق الحكم وأسبابه والدروس المستفادة منه، نعرض وقائع المنازعة التي صدر فيها. وهي بذلك ردّت الطعن على حكم محكمة القضاء الإداري الصادر بتاريخ 15 فبراير 2005 مرفوعاً من وزير الكهرباء ومحافظ القاهرة ورئيس حي حلوان بصفاتهم ضد أحد المواطنين المحكوم لصالحه.

أولاً: وقائع الدعوى

تتلخص وقائع المنازعة، التي صدر فيها حكم محكمة القضاء الإداري، في أن أحد سكان المناطق العشوائية، التابعة لحي حلوان بالقاهرة، أقام دعواه أمام المحكمة بتاريخ 10 مايو 2004، طالباً الحكم بوقف القرار السلبي لجهة الإدارة بالامتناع عن توصيل الكهرباء إلى منزله الكائن شمال محطة كهرباء جنوب حلوان. وكانت إدارة كهرباء حلوان قد رفضت توصيل التيار الكهربائي إلى مسكن المدعي، استناداً إلى أن المنطقة التي يقع بها عقاره هي منطقة عشوائية، لا يستخرج لها تراخيص بناء. ونعى المدعى على القرار الإداري السلبي المطعون فيه مخالفته للقانون، لأن توصيل الكهرباء للمناطق العشوائية لا يتوقف على تراخيص البناء، ولا سيما أن المنطقة يسكنها أكثر من 150 ألف نسمة يعيشون بلا كهرباء خلال عام كامل. وطلب بصفة عاجلة وقف تنفيذ القرار السلبي.

أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها المطعون فيه بإجابة المدعي إلى طلبه العاجل، وهو وقف تنفيذ قرار إدارة كهرباء حلوان مع ما يترتب على ذلك من آثار. وأسست المحكمة قضاءها على أن المدعي قد قام بالبناء تحت سمع جهة الإدارة وسط تجمع سكاني أصبح واقعاً، وأن الجهة الإدارية أصدرت قرارات بوقف وإزالة العقار المخالف، أوقفت تنفيذها محكمة القضاء الإداري. وهو ما يجعل قرار إدارة الكهرباء بالامتناع عن توصيل التيار الكهربائي – وبحسب الظاهر من المستندات المقدمة – قد افتقد السبب الذي يبرره، مما يجعله مرجح الإلغاء. ويتحقق بذلك ركن الجدية إلى جانب ركن الاستعجال، حيث يقيم المدعي في العقار، وعدم دخول الكهرباء للعقار يعوق إقامته، وهو ما تترتب عليه نتائج يتعذر تداركها.

وطعنت الجهة الإدارية على حكم محكمة القضاء الإداري أمام المحكمة الإدارية العليا، ناعية عليه أنه خالف القانون وأخطأ في تطبيقه وتأويله، تأسيساً على أن المنطقة التي شيّد بها المطعون عقاره المطلوب إيصال التيار الكهربائي له من المناطق العشوائية التي لم يعتمد لها تقسيم عمراني، وأن المادة (17) من قانون توجيه وتنظيم أعمال البناء رقم 106 لسنة 1976 (الساري في حينه) تحظر على الجهات القائمة على شؤون المرافق تزويد العقارات المبنية أو أي من وحداتها بخدماتها إلا بعد تقديم صاحب الشأن شهادة من الجهة الإدارية المختصة بشؤون التنظيم، تفيد صدور ترخيص بالمباني المقامة ومطابقتها لشروط الترخيص ولأحكام هذا القانون ولائحته التنفيذية.

ثانياً: منطوق حكم المحكمة الإدارية العليا وأسبابه

صدر حكم المحكمة الإدارية العليا في الموضوع برفض الطعن وتأييد حكم محكمة القضاء الإداري، فيما انتهى إليه من إلغاء القرار السلبي لإدارة كهرباء حلوان بالإمتناع عن توصيل التيار الكهربائي لمسكن المطعون ضده.

وأسست المحكمة الإدارية العليا قضاءها برفض الطعن على حكم محكمة القضاء الإداري بأنه قد أصاب وجه الحق في قضائه وصادف صحيح حكم القانون، للأسباب التالية:

أ- أن حق الجهة الإدارية المختصة بشؤون التنظيم في رفض إصدار شهادة تفيد صدور ترخيص بالمباني المقامة ومطابقتها لشروط الترخيص أو الامتناع عن ذلك، لا يكفي لممارسته مجرد تحرير مخالفات بشأن العقار المطلوب تزويده بالمرافق، بل يلزم أن تكون المخالفات ثابتة في حق صاحب الشأن بأحكام قضائية صادرة بالإدانة. وهو ما يتطلب بعد تحرير محاضر المخالفات، نهوض جهة الإدارة المختصة لوقف الأعمال المخالفة فعلاً والحيلولة دون إتمامها وشغلها بالسكان. أما إذا تقاعست جهة الإدارة عن اتخاذ الإجراءات التي تطلبها القانون لمواجهة المخالفات حتى اكتمل البناء المخالف وشغل بالسكان واستقرت به أوضاعهم، فلا جدوى من امتناع الجهة الإدارية عن توصيل المرافق، طالما أن المبنى المقام لا يهدد بحال أمن وسلامة شاغليه أو الغير، ومن ثم لا يصلح سنداً للإمتناع عن توصيل التيار الكهربائي.

ب- أن القانون حظر إنشاء المباني إلا بعد الحصول على ترخيص من الجهة الإدارية المختصة بشؤون التنظيم، وخولها سلطة إصدار قرار بإيقاف الأعمال المخالفة وإحالة المخالفين إلى المحكمة الجنائية. وأجاز للمحافظ المختص أو من يفوضه إزالة أو تصحيح المخالفات. وقد أراد المشرع بهذه الإجراءات تنظيم عملية البناء حرصاً على سلامة المواطنين وتوخياً للبناء السليم كمظهر من مظاهر الثروة العقارية. فإن أغلفت الجهة الإدارية هذه الإجراءات أو تراخت في اتخاذها، تعذر إعادة الأوضاع إلى سابق عهدها وصحيح نصابها، مما لا مبرر معه لحرمان السكان من المرافق العامة.

ج – أن المناطق العشوائية التي أقيمت على أرض غير مقسمة وبدون ترخيص بناء لا ينصرف إليها حكم المادة 17 من قانون توجيه وتنظيم أعمال البناء، التي تتطلب لتزويد العقارات المبنية بالمرافق العامة تقديم شهادة من الجهة الإدارية بالبناء بترخيص وبالمطابقة للترخيص، لعدم وجود تراخيص أصلاً. ذلك أن اشتراط تقديم تلك الشهادة يؤدي إلى استحالة تزويد تلك العقارات بالمرافق العامة استحالة مادية ملموسة، وهي التي تعد ضرورة حيوية من ضرورات الحياة لجمهور تلك العقارات، التي أقيمت في الأصل على مرأى ومسمع من الجهة الإدارية، وصارت تشكل أحياء سكنية متكاملة، وأصبحت واقعاً لا يجوز للدولة تجاهله. بل يجب العمل على تطويرها وتقنينها حماية للبسطاء حسنى النية الذين يحلمون بالمسكن الملائم الذي يجد فيه الإنسان سكينته ويحفظ عليه آدميته.

د – أن الاعتبارات العملية لهذه التجمعات السكنية التي أوجدتها البيئة، نظراً لأزمة الإسكان، تفرض على جهة الإدارة أن تواجه علاج ظاهرة المناطق العشوائية التي تعد من أخطر المشكلات التي تواجه سكانها، مما يؤدي إلى تشكيل بيئة متردية وسيئة، بدلاً من اللجوء لحيل قانونية قد تسعفها على حساب معيشة المواطنين. هذه المناطق العشوائية تستحق الإهتمام من الدولة، مما تستنهض معه المحكمة همة الحكومة في تفعيل قرار رئيس الجمهورية لسنة 2008 بشأن إنشاء صندوق تطوير المناطق العشوائية، بغية حصر المناطق العشوائية وتطويرها وتنميتها، ووضع الخطة اللازمة لتخطيطها عمرانياً، وإمدادها بالمرافق الأساسية، من مياه وصرف صحي وكهرباء، للقضاء على تلك الظاهرة في مهدها.

ثالثاً: الدروس المستفادة من الحكم

يؤكد هذا الحكم وغيره من الأحكام التي يصدرها القضاء الإداري ما سبق أن سجلناه عن الدور الاجتماعي والإنساني الخلاق للقاضي الإداري([1]). وتبدو أهمية هذا الحكم إذا أدركنا حجم ظاهرة المناطق العشوائية الخطرة وغير الآمنة التى هى بحاجة عاجلة للتطوير، ويبلغ عددها نحو 351 منطقة، أغلبها في إقليم القاهرة الكبرى، ويعيش فيها ما يقرب من مليون شخص، طبقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

حكم المحكمة الإدارية العليا يستنهض همة الدولة وسلطاتها، لتفعيل التزام دستوري فرضته المادة 78 من دستور 2014، ونصه " تكفل الدولة للمواطنين الحق فى المسكن الملائم والآمن والصحى، بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويحقق العدالة الاجتماعية ... كما تلتزم الدولة بوضع خطة قومية شاملة لمواجهة مشكلة العشوائيات، تشمل إعادة التخطيط وتوفير البنية الأساسية والمرافق، وتحسين نوعية الحياة والصحة العامة، كما تكفل توفير الموارد اللازمة للتنفيذ خلال مدة زمنية محددة". كما أن المادة 46 من الدستور تؤكد حقاً من حقوق الإنسان عندما تنص على أن " لكل شخص الحق في بيئة صحية سليمة....".

لذلك يقع على عاتق الحكومة التزام دستوري بوضع خطة حكومية شاملة لتطوير العشوائيات، بدلاً من حرمانها من المرافق الأساسية للحياة بعد أن تركتها تنمو وتنتشر، فتتحول تلك المناطق إلى بيئات متردية سيئة، تعرض حياة سكانها للخطر، وتعرض المجتمع بأكمله لتحمل مخاطر ما تفرزه المناطق العشوائية من أنماط سلوكية غير سوية، عندما تتحول إلى بؤر خطرة لتفريخ الخارجين على القانون.

قد يرى البعض أن الحكم بإلزام الجهة الإدارية بتوصيل المرافق الحياتية الضرورية للمناطق العشوائية، غير المقسمة وغير المخططة، من شأنه أن يشجع على البناء المخالف للقانون، الذي صار ظاهرة تنذر بعواقب وخيمة على المرافق الأساسية وعلى أمن وسلامة الأفراد. وقد تبدت بعض مظاهرها فى الإسكندرية وغيرها من مدن مصر وقراها فى الأيام الأخيرة، سواء في ذلك البناء المخالف في المدن بدون ترخيص أو بمخالفة قيود الترخيص، أو في القرى حيث يؤدي إلى تآكل الرقعة الزراعية المحدودة أصلاً. لكن الحكم تحسب لذلك عندما أقر بحق والتزام الجهة الإدارية المختصة بشؤون التنظيم أن "تبادر إلى وأد هذه المخالفات في مهدها" كما سبق بيانه. وبهذا يكون الحكم قد وجه جهة الإدارة لما يتوجب عليها القيام به، لوأد المخالفة في مهدها أو لمنع استمرارها أو للحيلولة دون استفادة المخالف منها.

يقتضي الإنصاف أن نسجل بالتقدير تعهد رئيس الدولة شخصياً بإخلاء جميع المناطق العشوائية "الخطرة وغير الآمنة"، ومنح سكانها وحدات سكنية جديدة على مدى ثلاث سنوات. كما نثمن مطالبته الحكومة بالعمل على منع ظهور مناطق عشوائية جديدة. وبالفعل فقد بدأت الدولة مؤخرا بتطوير بعض المناطق العشوائية، وعددها 45 منطقة بنطاق محافظتي القاهرة والجيزة وحلوان، وذلك ضمن بروتوكول التعاون مع صندوق تطوير المناطق العشوائيات واتحاد بنوك مصر والمجتمع المدني. كما قامت الدولة بإنشاء حي الأسمرات 1، 2 بمنطقة القطامية، وتنتهى مرحلته الثالثة قبل نهاية 2017 ، لنقل سكان العشوائيات من الدويقة ومنشية ناصر بالقاهرة. ويدخل في هذا الإطار مشروع بشاير الخير (1) بمنطقة غيط العنب بالإسكندرية، الذي يشمل حياً سكنياً متكاملاً، تم تخطيطه وتنفيذه وتمويله كاملاً بالتنسيق بين القوات المسلحة ومحافظة الإسكندرية ومؤسسات المجتمع المدني، دون تحميل ميزانية الدولة بأي أعباء مالية.

لا شك في أن حكم المحكمة الإدارية العليا محل التعليق قد وازن بين ضرورات تنظيم عملية البناء، حرصاً على سلامة المواطنين وأمنهم، وتوخياً للبناء السليم كمظهر من مظاهر الثروة العقارية من ناحية، وبين حق الإنسان في الحصول على المرافق العامة الحياتية التي تعد ضرورة حيوية من ضرورات الحياة لا غنى عنها من ناحية أخرى.

يؤكد هذا الحكم وغيره من أحكام القضاء الإداري، المبدع الخلاق الذى تعد أحكامه مصدرا من مصادر القانون الإداري، أن هذا القضاء درج منذ إنشائه على إقرار وتكريس القيم والمبادئ التي لا غنى عنها لحياة الأفراد وارتقاء المجتمع، سواء في ذلك القيم السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية، وهي قيم ومبادئ أرساها الدستور أو يستخلصها القضاء الإداري من المبادئ القانونية العامة وقواعد العدالة . لذلك نجد هذا الحكم لم يقتصر على خصوصية الحالة التي يمثلها امتناع الجهة الإدارية عن تمكين المواطن من الاستفادة من خدمات مرفق عام حيوي، بل انتقل من خصوصية الحالة إلى عموم المبدأ الذي ينتظمها، وهو مبدأ دستوري منصوص عليه صراحة، يلزم الدولة بتطوير المناطق العشوائية تفادياً لخلق بيئة متردية سيئة، ولا نشك في أن أولى خطوات التطوير تتمثل في تزويد هذه المناطق بالمرافق الحياتية التي لا غنى عنها للحياة الإنسانية الكريمة، انتظاراً لتطويرها تطويرا شاملاً.

 


([1]) راجع المفكرة القانونية بتاريخ 5 يونيه 2017 مقال بعنوان "قرار قضائي بحظر نقل نصب شهداء الوطن من ميادين مصر".