منذ بدء العهد الجديد، بدأت القوى السياسية تتطاحن حول طرق إجراء الإنتخابات النيابية القادمة. وقد نجحت هذه القوى عموماً في السطو على الخطاب العامّ بهذا الشأن، فانحصرت التدخلات من خارج هذه القوى في التعليق على مقترحاتها أو نقدها من دون أن تبلور تصورات جديدة. في ظلّ كل ذلك، تميزت مبادرة واحدة، هي المبادرة التي أطلقها حزب "مواطنون ومواطنات في دولة" وأيدتها المفكرة القانونية وتحوّلت إلى حملةٍ لإنجاز عريضة تحت تسمية الدولة المدنيّة. وهذه المبادرة تتمثل في فكرة قوامها تحديد عدد المقاعد الموزعة خارج القيد الطائفي أو طائفيا بموجب استفتاء يجري بالتزامن مع الإنتخابات؛ وهي تهدف باختصار إلى وضع خارطة طريق لتحقيق الطموح الدستوريّ بالإنتقال مرحليا، وبموجب استفتاءات شعبية متلاحقة، إلى إلغاء الطائفية السياسية.

شرح النظام المقترح

النظام المقترح يقوم على ثلاثة أمور:

  • دعوة المرشحين إلى التصريح فيما إذا كانوا يترشحون من خارج القيد الطائفي أو على أساس طائفي، 
  • دعوة الناخبين إلى التصريح عند ممارسة حقهم بالإقتراع إذا كانوا يرغبون بإعطاء أصواتهم لمرشحين خارج القيد الطائفي أو لمرشحين على أساس طائفي.
  • تقسيم المقاعد إلى فئتين: مقاعد موزعة على أساس طائفي ومقاعد موزعة خارج القيد الطائفي، على أن يحدد عدد مقاعد كلا من الفئتين على ضوء خيارات الناخبين. فمثلا، تبلغ نسبة المقاعد الموزعة خارج القيد الطائفي 30% من مجموع المقاعد في حال اختار 30% من مجموع الناخبين إنتخاب مرشحين خارج هذا القيد. وفي هذه الحالة، توزع 70% من المقاعد المتبقية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين عملا بمبدأ المناصفة، ومع مراعاة المعادلات الطائفية القائمة.
     

أسناد النظام المقترح الدستورية

يستند هذا النظام على ثلاثة أسناد دستورية:

الأول، طبيعة النظام الدستوري الحالي
بمعاينة الدستور اللبناني، نلحظ منذ 1926 أن إعمال معادلات طاائفية في توزيع مقاعد المجلس النيابي أو التوظيف لا يقوم على أساس المحاصصة بين الطوائف أو الإعتراف بحقوق ثابتة لها، بل على أساس الحرص على العدالة. وهذا ما نقرؤه بوضوح كلي في المادة 95 من الدستور قبل تعديلها والتي نصت على أن الطوائف تمثل بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة بصورة مؤقتة والتماسا للعدل والتوافق دون أن يؤول ذلك إلى الإضرار بمصلحة الدولة". وهذا الأمر يعني أن الهدف الأساسي من هذه المعادلات هو الحؤول دون استغلال الطوائف الكبرى أكثريتها العددية لتهميش الطوائف الصغرى وبالنتيجة ضمان المساواة بين المواطنين (وهو الشرط الأساسي لأي ديمقراطية) أيّا يكن حجم الطوائف التي ينتمون إليها. وعليه، هذه المادة لا تُشكّل استثناءً على قواعد الديمقراطية، إنما تصحيحاً لها بهدف حماية المساواة والديمقراطية في ظل ضرورات اجتماعية. فلا تؤدي قاعدة الحكم الأكثري إلى إفراز أكثريات دائمة تميل تدريجيا إلى التسلط وأقليات دائمة تميل تدريجيا إلى التمرد أو الهجرة أو التهميش الذاتي. وبالطبع، الحاجة إلى هذا التصحيح ليست أبدية ولا دائمة، إنما تبقى مرتبطة بالظرف الإجتماعي، وتحديداً بمدى حدة الإنقسام الطائفي الحاصل في لبنان، وعملياً بمدى تأثر الناخب بانتمائه الطائفي عند ممارسة حقه بالإقتراع أو بشكل أعم عند تحديد خياراته السياسية. فتقوى الحاجة إلى التصحيح بقدر ما تزيد حدة الإنقسام الطائفي وتنحسر الحاجة إليه بقدر ما تتراجع حدة هذا الإنقسام. وتبعا لذلك، لا يشكل التصحيح (توزيع المقاعد على أساس طائفي) اتفاقاً أبديّاً بين الطوائف، إنما هو شرط ضروريّ يهدف إلى صون الديمقراطية وتعزيزها، وهو ظرفي ومؤقت ومتغير بطبيعته لارتباطه بعامل متغيّر هو حدّة الإنقسام الطائفي. وعليه، يصحّ القول أن المبدأ هو أن المقاعد النيابية غير موزعة على أساس طائفي وأنها تصبح كذلك فقط لتمكين الدولة اللبنانية من حماية ديمقراطيتها في ظل الإنقسام الطائفي وبالقدر الضروري الذي تحتاج إليه هذه الدولة لتحقيق ذلك. وبكلام آخر، تكون المساواة بين المرشحين والناخبين هي المبدأ، فيما يكون توزيع المقاعد على أساس طائفي وما يتيحه من تمييز هو الإستثناء الذي يبقى محصورا بما تفرضه الضرورة. وبذلك، نكون أمام قاعدة معروفة في الديمقراطيات قوامها أن لا مجال لتقييد أي من الحقوق أو الحريات الأساسية إلا بقدر الضرورة وعملا بمبدأ التناسب بين المصلحة المتوخاة والتدبير المتخذ.

وعليه، يفترض أن يتوفر في هذا الإستثناء أمران:

  • الأول، أن يكون مبررا بضرورة موضوعية مما يفرض علينا قياس حدة الانقسام الطائفي عند كل استحقاق،
  • والثاني أن يتم العمل به بحدود ما تفرضه هذه الضرورة، بمعنى أن يحدّد عدد المقاعد الموزعة طائفيا على أساس النتائج التي يتوصل إليها قياس حدة الإنقسام الطائفي من دون أي زيادة أو نقصان. فلا يزيد ولا ينقص عدد المقاعد الموزعة طائفيا على ما يفرضه هذا الإنقسام. كما لا يزول هذا الإستثناء إلا عند تراجع حدة هذا الإنقسام أو تضاؤله إلى درجة ينحسر فيها تأثيره على ممارسة الديمقراطية وتنتفي ضرورته.

وهذا الأمر إنما يبرز ميزة النظام المقترح من "مواطنون ومواطنات في دولة". فبخلاف جميع الإقتراحات المطروحة حاليا أو سابقا، هو النظام الوحيد الذي ينطلق من مبدأ أن توزيع المقاعد هو في الأصل غير طائفي وأن تحديد عدد المقاعد الموزعة طائفيا لا يتم وفق معادلات متفق عليها مسبقا، إنما فقط بحدود الضرورة التي تفرضها حدة الإنقسام الطائفي. وهذا الإقتراح لا يتميز بالواقع فقط من خلال انسجامه مع مقتضيات الدستور الحاضرة، إنما أيضا مع مقتضياته المستقبلية، وتحديدا مع طموحه بالإنتقال إلى إلغاء الطائفية السياسية وفق المادة 95 من الدستور. 

الثاني، الطموح الدستوري
بخلاف معظم دساتير العالم إن لم يكن معظمها، يعلن الدستور اللبناني عن عدم رضاه عن نظام الحكم فيه، وتحديداً عن اضطراره لوضع قواعد خاصة مراعاة للواقع الطائفي. ويبرز عدم الرضى هذا في المادة 95 منه التي تفرض على الدولة العمل لإيجاد الظروف الضامنة لتجاوز الطائفية السياسية. كما أن الدستور ينص في مادتيه 22 و24 عن تصور معين لنظام الحكم بعد انتخاب أول مجلس نيابي على أساس غير طائفي. ففي هذه الحالة، ينشأ مجلس شيوخ مكوّن على أساس طائفي على أن تنحصر صلاحياته في النظر في القضايا المصيرية. ولكن يبقى الدستور صامتا بشأن كيفية الإنتقال إلى هذا النظام الجديد أو المسار الذي يتعين سلوكه للوصول إليه، مكتفيا بوضع إجراءات شكلية قوامها "تكليف المجلس النيابي العمل على إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية ومع الإستعانة بهيئة وطنية يتولى تشكيلها...".

وهنا تكمن الميزة الثانية للمشروع المقترح. فهو لا يضع آلية واضحة لهذا المسار وحسب، إنما يضع آلية تتلاءم تماما مع مقتضيات الدستور الحالي المشار إليها أعلاه. وهذا ما نتبينه بوضوح من الأمور الآتية:

  • أن الإنتقال، في حال حصوله، لا يتم بموجب خيار إيديولوجي أو فوقي تتخذه قوى سياسية غالبة في زمن معين، إنما هو يتم بخيار شعبي من خلال صناديق الإقتراع، وتاليا على نحو يراعي تماما هواجس المواطنين وتصوراتهم. وعليه، يحصل هذا الإنتقال بشكل ديمقراطي ومع مراعاة كاملة لمقتضيات الديمقراطية،  
  • أن الإنتقال، في حال حصوله، لا يتم بموجب خيار آني يقطع مع الطائفية السياسية كما قد نستنتج من ظاهر الدستور، إنما بشكل تدريجي وتبعا لمجموعة من الإستفتاءات الدورية تشير إلى تنامي حجم الإرادة الاجتماعية في تجاوز الطائفية السياسية. ومن شأن هذا الأمر أن يسمح للمواطنين وللقوى الاجتماعية على اختلافها في تحديد مواقفهم على ضوء التجارب الانتخابية ومدى نجاح المجتمع اللبناني في استيعاب انتخاب عدد متزايد من النواب من خارج القيد الطائفي. وعليه، من شأن هذا الإقتراح أن يوضح غموض الأحكام الدستورية بشأن مسار التحوّل وأن يتمم أحكامها. فلا ننتقل بين الليلة وضحاها من مجلس نيابي جميع مقاعده موزعة على أساس طائفي إلى مجلس تكون جميع مقاعده موزعة على أساس غير طائفي، إنما يحصل هذا الأمر تدريجيا من خلال زيادة مطردة لعدد هذه المقاعد. ولا ننتقل بين الليلة وضحاها من تحكيم القوى الطائفية في الشاردة والواردة في الحياة العامة إلى حصر صلاحياتها بالقضايا المصيرية، إنما يتم ذلك من خلال انحسار هيمنتها على الحياة العامة تدريجيا إلى أن تصبح الظروف الاجتماعية ناضجة في حصر دورها في القضايا المصيرية. فعندئذ وفقط عندئذ يصبح إنشاء مجلس الشيوخ ممكنا، بمعنى أنه يأتي ليكلل مسارا اجتماعيا في التحرر التدريجي من الهاجس الطائفي وليس كبداية له.

بقي أن نوضح أنه كما أن أبدية النظام الطائفي ليست حتمية، كذلك هو الأمر بالنسبة إلى إلغائه. فالأمور تبقى محكومة بكيفية تطور المجتمع اللبناني وتحديدا في كيفية تطور حدة الإنقسام الطائفي فيه، والذي من المعقول أن لا يحصل في اتجاه ثابت واحد. فلا شيء يضمن أن تزيد نسبة الناخبين الراغبين بالإقتراع خارج القيد الطائفي من استحقاق انتخابي إلى آخر، بل ربما تتراجع لتعود لتتراجع أو تزيد في الإستحقاق التالي. ولكن يبقى من المؤكد أن الإقتراح يفتح الباب لمسار تحول ديمقراطي، قد يكون المسار الديمقراطي الأكثر ملاءمة، بمعزل عما قد يسفر عنه من نتائج. ففي أحسن الأحوال، ينجح هذا المسار وننتقل إلى إلغاء الطائفية السياسية. وفي أسوأ الأحوال، يؤدي هذا الإقتراح إلى حصر عدد المقاعد الطائفية بما هو ضروري في مجتمع ديمقراطي للحفاظ على ديمقراطيته، من دون أي زيادة أو نقصان، كما سبق بيانه.

الثالث، حرية المعتقد والمساواة بين المواطنين بمعزل عن معتقدهم
بقي أن نشير إلى ميزة ثالثة للإقتراح، وقوامها مراعاة حرية المعتقد طبقا لما تفرضه المادة 9 من الدستور. فلا يكون الراغب في الحصول على تفويض شعبي محكوما بالإنتساب إلى طائفة على نحو قد يخالف معتقداته. ولا يكون الناخب محكوما بالإقتراع لمرشحين على أساس طائفي لا يمثل أي منهم حقيقة معتقداته.

نشر هذا المقال في العدد 50 من مجلة المفكرة القانونية