بتاريخ 16/6/2017، أقرّ المجلس النيابي اللبناني قانون انتخاب جديداً لأعضائه، تبعا لتوافق القوى السياسية الكبرى على أحكامه. وأهم ما تضمنه القانون هو الإنتقال من النظام الإنتخابي الأكثري إلى النظام النسبي، للمرة الأولى في تاريخ لبنان. وقد ردّ القانون في خضم هذا الإنتقال مطالب مدنية عدة: منها المطلب بتجاوز الطائفية أو بتمكين الناخبين من تحديد المقاعد النيابية العائدة لمرشّحين من خارج القيد الطائفي، أو المطلب الآيل إلى ضمان وصول نسبة معينة من النساء إلى المجلس النيابي (كوتا). كما ردّ المطلب الآيل إلى تكريس النسبية على دائرة واحدة أو دوائر كبرى، فجاء النظام النسبي المعتمد على أساس دوائر صغيرة، الأمر الذي دفع البعض إلى حدّ وصفه بأنه أكثري مقنع.

إلا أنه ورغم أهمية الإعتراضات على درجة النسبية المعتمدة، يجدر التوقف قليلاً عند النظام الأكثريّ المعمول به سابقاً لإدراك أهمية تجاوزه. فالنظام الأكثري الملغى كان نظاماً متعدد المقاعد، تجري الإنتخابات بموجبه على دورة واحدة بحيث يفوز المرشحون الحائزون على أعلى نسبة من الأصوات، حتى ولو لم تتوفر لديهم الأكثرية المطلقة. وما فاقم هذا النظام سوءاً هو تحويل الدوائر إلى دوائر نفوذ للزعماء، على نحو مكّن هؤلاء من حصد جميع مقاعد الدوائر التابعة لنفوذهم وحوّل في غالب الأحيان العملية الإنتخابية إلى استعراض للمحادل. وقد أدّى هذا النّظام عملياً إلى نسف التنافسية الإنتخابية وشكّل دعامة كبيرة لنظام الزعماء، بما فيه من استقطاب داخل كل دائرة وتقاسم للدوائر الإنتخابية (وتاليا للسلطة) فيما بينهم.

وعليه، ومن دون التقليل من أهمية الإعتراضات على النظام النسبي المعتمد، يبقى أنه لا يجوز التقليل من أهمية الحدث المتمثل في تجاوز النظام الأكثري المذكور والذي يؤمل أن يشكّل منعطفاً أساسياً في تاريخ الدولة اللبنانية، هذا إذا نجحت القوى الديمقراطية في التعامل معه.

وعليه، سأسعى في هذا المقال إلى إجراء تقييم سريع للنظام المعتمد من زاويا عدة.

القوى من خارج الحكم: حظوظ خجولة للنجاح

بالطبع، من ميزات النظام النسبي أنه يسمح للقوى والتيارات السياسية أن تتمثل في البرلمان، وفق نسبة تأييدها لدى الناخبين، من دون أن تكون حائزة بالضرورة على تأييد غالبيتهم. وعليه، تشكل النسبية من حيث المبدأ وصفة لاحترام التعددية وتعزيزها، وفي الوقت نفسه حائلا دون سواد الزبونية ومشاريع الهيمنة. وفيما يؤدي النظام المعتمد إلى شيء من هذا، إلا أن القوى السياسية الكبرى عمدت إلى التخفيف من آثاره، من خلال أمرين اثنين:

  • تصغير الدوائر الإنتخابية مع ما يستتبع ذلك من تخفيض لعدد المقاعد التي يقتضي توزيعها وفق القاعدة النسبية. فهي تقوم على دوائر صغيرة (15) يتراوح عدد مقاعدها بين 5 و13 مقعداً، علما أن عدد المقاعد لا يتجاوز 8 في 9 منها،
  • جعل عتبة التأهيل للفوز متساوية للحاصل الإنتخابي الذي يكون مرتفعا بقدر ما يكون عدد المقاعد متدنيا. وعليه، تتراوح عتبة التأهيل للفوز وفق النظام المعتمد بين 20% و7% علماً أنه لا يقل عن 12.5% في 9 منها. ومن شأن هذا الأمر أن يؤدي إلى تهميش أي من التيارات السياسية الحاصلة على نسبة أقل في دائرة معينة وحرمانها من أن تتمثل في البرلمان، في هذه الدائرة،
     

ومن شأن هذا الأمر أن يخفف من إمكانية القوى السياسية من خارج الحكم حديثة النشأة في غالبها، من حيازة مقاعد كثيرة: فهي إما تكون لوائحها منفردة فتتضاءل حظوظها في الحصول على عتبة التأهيل، وإما تسعى إلى تكوين لوائح مشتركة مع قوى سياسية أخرى بهدف تعزيز هذه الحظوظ، مع ما يستتبع ذلك من تمييع لتمايزها السياسي وإضعاف لتماسك اللوائح المكونة على هذا الوجه.

وبفعل ذلك، بالإمكان تصوّر السيناريو الإنتخابيّ الآتي: لوائح ذات طابع طائفي واثقة من تأييد جمهور واسع لها بفعل وضوح القوى الناظمة لها وتماسكها، ولوائح تحفّ بالتناقضات بفعل حداثة الجهات المكونة لها وتعدّدها. وإذ يخفف هذا الأمر من حظوظ القوى من خارج الحكم للفوز بمقاعد، إلا أنه يبقي النوافذ مفتوحة، ولو بشكل خجول أمام ذلك. ويكفي في هذا الصدد النظر في نسبة الأصوات التي كان يقتضي الحصول عليها للفوز في الأكثري لإدراك أهمية التحول الحاصل في القانون الجديد.

هذا فضلا عن أنه يبقى من الممكن أن ينقلب السيناريو المشار إليه أعلاه رأسا على عقب في حال نجحت القوى المدنية في استيلاد مزاج شعبي ناقم على قوى السلطة أو مؤيد لها بدرجة أو بأخرى كما حصل أثناء حراك صيف 2015 أو أيضا في بيروت وعدد آخر من المناطق في خضم الانتخابات النيابية.  

قانون يخفف من العصبية؟

السؤال الثاني الذي يقتضي طرحه هو إلى أي مدى يؤدي هذا القانون إلى التخفيف من العصبية. وهنا، أمكن إعطاء إجابات ثلاث:

الأولى، أن مجرد إعتماد النسبية يؤدي عمليا إلى تمكين جميع القوى السياسية التي تحظى بدرجة من الدعم السياسي من الحصول على مقاعد، وإن بقيت حظوظ القوى الديمقراطية أو التجديدية محدودة بفعل كل ما  سبق بيانه. ويؤمل أن تنجح القوى المدنية في حال خرقها للنوافذ المفتوحة، في إدخال عناصر تجديدية في الحياة السياسية والمؤسساتية بشكل خاص، عناصر من شأنها تدريجيا إضعاف نظام الزعماء والمحاصصة. وما نقصده بالقوى المدنية القوى الداعمة لأيّ توجه من شأنه تعزيز الحياة المدنية المشتركة بين جميع المواطنين. وهي تتميز عن قوى الإستقطاب التي هي تدعم التوجهات االتي من شأنها تعزيز الحياة القطبية والتي غالبا ما تأخذ شكلاً طائفياً.

الثاني، أن تقسيم الدوائر تمّ في أحيان كثيرة على أساس طائفي من دون أي تخالط أو مع ضمان لون طائفي طاغٍ. فالدوائر الطائفية الخالصة يصل عددها إلى 3 فيما يصل عدد الدوائر ذات اللون الطائفي الطاغي إلى 6. ولا تزيد الدوائر التي تعرف تخالطاً متكافئاً أو شبه متكافئ بدرجة أو بأخرى عن 6. ويعيد هذا التقسيم إلى الأذهان بدرجة ما مشروع القانون الأرثوذكسي أو المشاريع التأهيلية على صعيد الطوائف والتي تم طرحها تكرارا قبل الوصول إلى صيغة القانون الحالية. ويذكر أن هذه المشاريع كانت تقوم على فكرة أن يتم انتخاب المرشحين أو تأهيلهم لدورة ثانية من قبل ناخبين ينتمون إلى طوائفهم حصراً. فكأنما الناخب المسيحي معنيّ فقط بتقييم المرشح المسيحي ولا صفة أو مصلحة له بتقييم المرشح المسلم، مع ما يفترض ذلك من تجميد للحياة العامة والحؤول دون تطورها.

الثالث، هو اعتماد الصوت التفضيلي. فيكون للناخب علاوة على اختيار اللائحة التي يفضلها، أن يدلي بصوت تفضيلي لأحد المرشحين على هذه اللائحة. وعليه، عند تقسيم المقاعد العائدة للائحة معينة على أعضائها، يُعطى الحائز على العدد الأكبر من الأصوات التفضيلية أولوية على زملائه فيها. ويُخشى طبعا أن يشكل هذا الصوت التفضيلي أداة لإبراز الهوية الطائفية أو أي شكل من أشكال العصبية. وهذا ما يحصل من خلال توجه الناخبين إلى إعطاء أصواتهم الإنتخابية لزعيم الطائفة أو المنطقة التي ينتمون إليها، أو على الأقل لمرشح ينتمي إلى الطائفة التي ينتمون إليها. وبفعل ذلك، يخشى أن يؤدي الصوت التفضيلي للتخفيف من منافع التخالط المحصور أصلا في عدد قليل من الدوائر، بحيث تذهب مقاعد كل لائحة تستمد قاعدتها الشعبية من طائفة معينة، لمرشحيها من هذه الطائفة حصراً. فينتخب عمليا الناخب المسلم المرشح المسلم والناخب المسيحي المرشح المسيحي. ويعيد هذا الأمر هنا أيضا شيئا من نفس مشروع القانون الأرثوذكسي وما شابهه من قوانين. وفيما يمكن تفسير نشوء دوائر صافية طائفيا برغبة المسيحيين بالتمتع بوزن انتخابي مساوٍ لوزن المسلمين رغم التفاوت الديمغرافي الحاصل بينهم، يؤول الصوت التفضيلي عملياً إلى ترجيح كفة أعضائها المنتمين إلى الطائفة التي تستمد منها قواعدها الإنتخابية. وهذا الأمر يعني أن الهاجس الطائفي لا ينحصر في ضمان التساوي في عدد المقاعد بين الطوائف (وهذا ما يضمنه القانون) ولا في ضمان التساوي في الأوزان الإنتخابية للطوائف (وهذا ما يضمنه تقسيم الدوائر واعتماد النسبية)، إنما أيضا ضمان انتخاب مسيحيين من مسيحيين والعكس صحيح (وهذا ما يحفز عليه الصوت التفضيلي). وبإمكان القوى المدنية أن تستغل هذا المعطى من خلال جذب كل الناقمين على لوائح يدعمها زعماء طوائفهم (الخوارج) والذين يكونون تبعا للمعطى المذكور في حال نقمة طبيعية على لوائح يدعمها زعماء سائر الطوائف.

وبالطبع، من غير المنتج الحديث عمّا كان يمكن فعله لتطوير القانون أو لتجريده من شوائبه، طالما أن الأطراف السياسية الكبرى صنعت هذا القانون بالتوافق، وتبعاً لشدّ حبال طويل الأمد نسبياً فيما بينها وليس من السهل تعديل أي فقرة فيه، أقله فيما يتصل بتقسيم الدوائر والنظام الإنتخابي المعتمد. وعليه، فإن تحليلنا هذا لا يهدف إلى استشراف الحلول الفضلى، إنما إلى استيعاب المصالح التي قادت الأطراف السياسية إلى هذا التوافق، تمهيداً لتحديد السلوكيات والتوجهات التي يتعين على القوى المدنية الديمقراطية اعتمادها لزيادة حظوظها بحصد عدد من المقاعد.

نشر هذا المقال في العدد 50 من مجلة المفكرة القانونية