عندما استعملت إسرائيل الفسفور الأبيض، وهو سلاح كيميائي، خلال اجتياحها لبنان في العام 1982، تم إخراج جثث الضحايا الذين استشهدوا به من برادات المستشفيات في جنوب البلاد. يومها صارت روائح الفوسفور تنبعث من جثث الشهداء حتى بعد وفاتهم. ويومها لم يوثق أحد إنتهاك إسرائيل للقانون الدولي وقصف اللبنانيين بالفوسفور الأبيض، وكذلك تأثير استخدام هذا السلاح في زيادة نسب الإصابة بأمراض السرطان لاحقا.

بعد ربع قرن على اجتياح ال 1982 للبنان، وتحديدا خلال العدوان الإسرائيلي على غزة في العام 2008، سجلت إسرائيل أوسع استخدام للفوسفور الأبيض في التاريخ كونها قصفته من الطائرات والدبابات وليس عبر قنابل يدوية في حرب جيش ضد جيش. ويومها أيضاً، في 2008، لم توثق أي جهة مخالفة إسرائيل القانون الدولي، ولا معاناة الضحايا وكيفية التعامل معها، برغم إصابته 55 ضحية فلسطينية ضمنهم مدنيين من أطفال ونساء. نجا من بين هؤلاء 15 ضحية من الموت ولكنهم لم ينجوا من التشوه الذي سيرافقهم طوال حياتهم. فالفسفور مادة حارقة لا تزال من جسم الإنسان إلا ببتر المنطقة المصابة أينما كانت، وفق ما يؤكد رئيس قسم الجراحة الترميمية والتجميلية في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور غسان أبو سته ل "المفكرة القانونية". وأبو سته هو أحد أبرز الأطباء الذين تطوعوا لإسعاف جرحى وضحايا العدوان الإسرائيلي على غزة في العام 2014 حيث قضى أسابيع طويلة أجرى خلالها بين أربع وخمس عمليات ترميم في اليوم.

يشكل توثيق الإنتهاكات للقانون الدولي ومعه التعذيب الممارس خلال الحروب من خلال الطب، وكذلك تغيّر طبيعة النزاعات وخصوصا تلك التي تشهدها المنطقة العربية، أحد أبرز الأسباب التي دفعت الجامعة الأميركية في بيروت إلى تنظيم واستقبال المؤتمر الأول في العالم حول "طب النزاعات" في منتصف أيار المنصرم، ولكن أيضاً هناك سببا آخر مهم جداً. يؤكد أبو سته أن توثيق التجارب الطبية المدنية خلال الحروب ومأسستها يعتبر هدفاً رئيسيا للمؤتمر "لكي لا تذهب الخبرات المكتسبة التي تلبي احتياجات الضحايا مع الأشخاص أصحاب الخبرة، بل تبقى للأجيال المقبلة للبناء عليها وتطويرها، حيث تسعى الجامعة إلى لعب دور الحاضن لعملية المأسسة هذه".

يقول أبو سته، وهو رئيس الفريق الطبي للمؤتمر، أنه "حتى وقت قريب كان علم جراحة الحروب هو المكوّن الأكثر تحديدا لمهمّة تقديم الرعاية الصحية في حالات الحرب، وغالباً ما وفرته الخدمات الطبية في الجيوش بالتعاون مع منظمات إنسانية مثل "أطباء بلا حدود" والصليب الأحمر الدولي".  لكنها خبرات تمحورت حول الأزمات الحادة، واقتصرت على قلة من ممارسين يعانون من محدودية النفاذ إلى مناطق الحاجة. وعليه، ووفق أبو سته، ف "إن الاستجابة الأولية لكامل الإحتياجات الصحية خلال النزاعات لا يمكن توفيرها إلا من خلال مجمل الأنظمة الصحية المحلية التي تكابد من أجل التكيف مع حاجات العمل في خضم انهيار البنية التحتية الصحية. وبموازاة إتساع رقعة النزاعات وتغيّر طبيعتها، لم تنتقل مراكمة خبرات الطب العسكري بالكامل إلى المجال المدني، حيث يتم معالجة غالبية الضحايا حاليا. كما أن المجال المدني لم يولِ أهمية لتسجيل تجاربه وتوثيقها". خبرات الطب العسكري في الجراحة لم تنسحب أيضاً على "طبابة الإصابات متعددة الأوجه ومنها الإصابات الحيوية/ النفسية/ الاجتماعية الشائعة في النزاعات الحالية".

صار العالم اليوم أمام حروب أشبه بالأخطبوط. حروب استباح فيها المتحاربون القانون الدولي و"الأخلاقيات" كافة، إذا ما كان للحروب من أخلاقيات، وتشعبت لتدمر البيئة الطبيعية (الفضاء الحيوي) بما يتضمن من بنى تحتية وبيئات حيوية واجتماعية للناس.

ويرى دكتور أبو سته "أن هذه التغيرات المدمرة والمسببة للتداعي عادة ما تكون ذات طبيعة متفاقمة وغير قابلة للكبح وينتج عنها تبعات طويلة الأمد على الأفراد والمجتمعات". وعليه ف "إن طب النزاعات بوصفه مقاربة منهجية لمواجهة تبعات الحروب الحديثة على الصعد العيادية والاجتماعية والصحة العامة، يمثل الرد المناسب والإستجابة الأكثر نجاعة على تحدي تغيرات البيئة بفعل الحرب".

نحن نتحدث هنا عن حروب تسببت بتهجير نحو 65 مليون و300 ألف لاجئ حول العالم، بينهم 23 مليون و300 ألف لاجئ إلى خارج بلدانهم، و40 مليون و200 ألف لاجئ نازح داخل بلدانهم، و3 مليون و200 ألف طالب لجوء حول العالم (من ضمن ال 65 مليون). ويبلغ عدد اللاجئين السوريين في الدول العربية المحيطة بسوريا خمسة ملايين و29 ألف و562 لاجئ مسجل في المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة. يُضاف إليهم ستة ملايين وخمسمائة ألف لاجئ داخل سوريا نفسها، أي أننا نتحدث عن نحو 12 مليون لاجئ مسجل، وفق الأرقام التي أعلن عنها المفوض السامي للمفوضية في لبنان خلال مؤتمر طب النزاعات. الأرقام نفسها سجلت وفاة نحو ستة آلاف لاجئ غرقاً في البحر خلال سعيهم للوصول إلى أوروبا، خلال العام 2016 والفصل الأول من العام 2017. ومن تجربة لبنان، يعرف الجميع أن جزءا كبيرا من اللاجئين غير مسجل لدى المفوضية، مما يرفع الرقم إلى نحو 15 مليون لاجئ سوري على الأقل وفق التقديرات غير الرسمية.

وتتلخص التحديات التي طرحها المؤتمر على النحو الآتي:

  1. تأمين الإحتياجات الطبية والصحية والعلاجية للاجئين على مستويات الإصابات الجسدية المباشرة، وعلاج الأمراض المزمنة وغير المعدية، والأمراض المعدية، والجراحات الترميمية وكذلك تأمين مستلزمات البيئة الصحية الآمنة ومعها العلاجات النفسية لخلال وما بعد الصدمة، بعدما صارت الحروب لا تميز بين مدني وعسكري. يكفي القول إن 71 في المئة من اللاجئين، ووفق أرقام المفوضية يعيشون تحت خط الفقر البالغ 3.8 دولار في اليوم، وأن نحو نصفهم يعيشون تحت خط الفقر المدقع البالغ 2.9 دولار في اليوم. كل هذا ونحن نتحدث عن بنية صحية مدمرة ومتدهورة أو عاجزة في بلدان النزاعات والأخرى المجاورة لها.
     
  2. تفشي البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، مما دفع مجلة "نيوز ويك" إلى كتابة تقرير موثق يسأل "هل تكون الحرب السورية نهاية المضادات الحيوية في العالم؟"، حيث تتسبب هذه البكتيريا ليس فقط ببتر أعضاء الكثيرين بسبب ممانعتها للعلاجات بل بوفاة البعض الأخر ايضاً.  فكثر ممن نجوا من الحرب قتلتهم البكتيريا.
     
  3. انتشار تزوير الأدوية على أوسع نطاق حيث يتراوح الحديث عن مئة ألف إلى 700 ألف حالة وفاة على مستوى العالم بسبب تزوير الدواء وخفض فعاليته أو عدم وجوده، أو احتوائه على ملوثات. وتعتبر ظروف بلدان النزاعات ومعها الجوار بيئة مناسبة لاستفحال هذه التجارة.
     
  4. استعمال الطب في توثيق التعذيب وانتهاكات القانون الدولي خلال الحروب لاستعماله في إدانة مجرمي الحرب أمام المحاكم الدولية
     
  5. مكافحة استغلال الأطفال في الحروب كمقاتلين من عمر 14 سنة وما فوق خلافا لما تنص عليه المواثيق الدولية كافة، ومكافحة الآثار النفسية عليهم.
     
  6. وجوب تحديث المناهج الطبية للأطباء والممرضين والعاملين في القطاع الصحي بطريقة تواكب التوجه الحديث لدمج الطب العسكري مع المدني في ما يعرف بطب النزاعات الشامل.
     
  7. وضع أسس جديدة لأولويات عمل الطوارئ واعتماد فرز المصابين خلال الحروب وتحديد مواصفات لمن يحق له التطوع وفقا للمصلحة العليا للضحايا.
     

تضيئ "المفكرة" في هذا العدد على أبرز وجوه ومظاهر التغيّرات التي أنتجتها الحروب الحديثة وسعي "طب النزاعات" لاحتواء تأثيراتها والتأقلم مع مستجداتها قدر الإمكان.  

نشر هذا المقال في العدد 50 من مجلة المفكرة القانونية