بتاريخ 16/6/2017 صادق مجلس النواب اللبناني على قانون جديد للإنتخابات يعتمد النسبية على أساس خمس عشرة دائرة، منهيا النظام الأكثري المعمول به في لبنان منذ تكوينه. ومن المنتظر توقيع مرسوم القانون في غضون الساعات المقبلة ونشره في الجريدة الرسمية قبل انتهاء ولاية المجلس منتصف بعد غد الإثنين.

بعد تمديدين الأول سنة 2013 والآخر سنة 2014، وُلد قانونٌ جديدٌ للإنتخابات. فلم تستغرق مناقشته في الحكومة ومن ثم المجلس النيابي، أكثر من ثلاثة أيام منذ توافقت عليه القوى السياسية. ومن حضر جلسة المجلس النيابي يوم أمس،  كان يعرف أن النتيجة محسومة. وهذا ما عبر عنه رئيس المجلس النيابي نبيه بري "التسوية السياسية هي القاعدة الحاكمة" لهذا القانون. وعليه، فإن أي اعتراضٍ نيابي لن يعيق مسيرة إقراره.

أُقر القانون، فجاء بعيداً عن طموحات النواب، بحسب ما صرّح عدد منهم في حفل المزايدات التي ألقوا بها أثناء مداخلاتهم. والنسبية التي اعتمدها هذا القانون جاءت دون طموحات قوى المجتمع المدني والتي تنادي باعتماد لبنان دائرة واحدة أو على الأقل باعتماد دوائر الكبرى.

إذاً عند الساعة الثانية ظهراً، إلتأم المجلس بدورته الإستثنائية برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي كان بادياً عليه عزمه التام على إقرار القانون الذي اعتبره  "أفضل ما يمكن" لتفادي "ذهاب البلد إلى أزمة مصير"، بحسب قوله. وعليه كان على جهوزية مضاعفة لضبط إيقاع الجلسة التي امتدت رغم ذلك ثلاث ساعات. ولعل أهم ما رشحت عنه هذه المناقشات هو جهل غالبية النواب لمضمونه. وقد عبر النائب نبيل دو فريج عن هذا الواقع بقوله:"أنا لم أقرأ القانون ولا أريد أن أناقش". فيما إنصب إهتمامه على البحث بأوضاع الأقليات في لبنان. بالمقابل، بدا حاسماً موقف النائب علي عمار من القانون إذ علق بحس الدعابة الذي يتمتع به قائلاً:"الله يعطيهن العافية يا دولة الرئيس لي اشتغلوا على القانون صمطوا والله صمطوا".

ومع ذلك على غير عادة، غصّت قاعة الهيئة العامة للمجلس النيابي بالحضور من النواب. فكان من اللافت رؤية وجوه غابت في الفترة السابقة أمثال النواب سليمان فرنجية ومحمد الصفدي وستريدا جعجع ونايلة التويني. وحده النائب وليد جنبلاط لم يخرق عاداته وربما بقي يتابع مجريات الجلسة ويعلق على القانون من خلال تغريداته على "تويتر".

أما النواب المتغيبون فهم جيلبيرت زوين وغازي زعيتر ونواف الموسوي وأسعد حردان. وما هي إلاّ دقائق على  بدء الجلسة وتلاوة مرسوم دورة العقد الاستثنائي، حتى انهالت الإعتراضات من النواب وفي مقدمتهم بطرس حرب، ورئيس حزب الكتائب سامي جميل وعاصم قانصوه الذي عاد وانسحب من الجلسة، بعد أن أبدى رفضه للقانون وتمسكه بطرح حزبه. وقال أن"قانون الانتخاب المطروح في جلسة مجلس النواب هو قانون طائفي يلبس لبوس النسبية مشدداً على أن"النسبية لا تكون إلا بلبنان دائرة واحدة أما القانون الحالي فهو يقسم لبنان إلى 15 دائرة طائفية لا علاقة لها  بمستقبل لبنان الوطني". وقد أعرب قانصو عن تأييده للنائب سامي الجميل الرافض وبشدة للقانون.

ثم تحدث بطرس حرب مطالباً بمناقشة بعض مواد القانون، الأمر الذي دفع بالرئيس بري الى تلاوة المادة 107 من النظام الداخلي التي تتيح التصويت بمادة وحيدة إذا وافق المجلس.

وعلى الرغم من أن رئيس المجلس حدّد لكل طالب كلام مدة ثلاث دقائق لتسجيل ملاحظاته، فإن ذلك لم يمنع عدداً من النواب إلى تناسي الوقت. فأخذ النائب أحمد فتفت أكثر من ربع ساعة في مناقشة أكثر من مادة تتناول عدة نقاط من أقلام الإقتراع إلى دور الإعلام فالإنفاق وفتح الحساب. لكن تعليقاته التي بناها على كونه "قرأ القانون جيداً"، لم تشكل مفاجأة بقدر ما أحدثه من صدمة، حين سأل إن كان يحق للمحكوم بجناية خارج لبنان الترشح للنيابة. وقال "أن بعض المحكومين في تجارة المخدرات يترشحون للنيابة وإن ذلك حصل في السابق".

أما أبرز الطروحات للتعديل فجاءت على لسان نائب الجماعة الاسلامية عماد الحوت الذي تناول أربع نقاط:

  • خفض سن الإقتراع الذي سارع الرئيس بري إلى التأكيد أنه يحتاج إلى تعديل دستوري، فطالب الحوت المجلس النيابي أن يتعهد بأن يجري التعديل خلال السنة المقبلة، لكن لم يحصل ذلك.
  • ضرورة تضمين القانون كوتا نسائية.
  • رفض الصوت التفضيلي على مستوى القضاء والذي سيعقّد الأمور على الناخبين مطالباً بجعله على مستوى الدوائر.
  • كما انتقد بشدة مسألة تقسيم بيروت انتخابياً وفقاً لخطوط تماس الحرب الأهلية أي ما يعرف بشرقية وغربية سائلاً "هل هذا ما سنعلمه لأبناءنا".

المفاجئ كان الانتقادات التي شنها النائب أنطوان زهرا على القانون والتعديلات التي اقترحها على صياغته وكأن حزبه لم يشارك في هذه الصياغة ولم يفاخر بالوصول إليها.

الجلسة التي لم يغب عنها الإحتدام أحياناً، لم يرطّب أجواءها سوى أسلوب الرئيس بريّ في ضبط إيقاعها، فتجده يجمع بين الصرامة والأسلوب الساخر، فتراه يصرخ لأحد النواب ليضع هاتفه جانباً، وتارة أخرى يطلب من الحريري إنهاء إجتماعه الجانبي. من ثم يطلب من وزير الاعلام ملحم رياشي بأن يقيم اجتماعاته "في معراب مش هون" وكأنه رادار لكل مغرد خارج سرب القاعة.

أما الموضوع الذي أخذ أكثر مساحة من الجدل فهو تمثيل المغتربين، والذي بدا استيعابه صعباً على الكثير من النواب. الإقتراح يقوم على زيادة ستة مقاعد تمثل المسلمين والمسيحيين مناصفة. والمقاعد الستة المخصصة في مجلس النواب لغير المقيمين سوف تضاف إلى عدد مقاعد مجلس النواب الحالي ليصبح 134 مقعدًا في أول دورة ينتخب فيها غير المقيمين وفقًا لما سبق، على أن يحتسب عدد المقاعد الستة هذه في الدورة اللاحقة من ضمن عدد النواب الـــ 128 الحالي. على أنه بين زيادة نواب المغتربين على العدد الحالي أو إنقاص عدد النواب الحاليين، دال سجال، كان أبرز المتداخلين فيه وائل أبو فاعور الذي علق قائلاً: "جرى نقاش موضوع الإغتراب. ولا أحد وافق على إزالة مقاعد من مناطق معينة. لذلك يجب أن لا نذهب بعيداً في هذا الأمر. ثانياً لم يتم الإتفاق على كيفية توزيع المقاعد على المذاهب. عندما نريد أن نزيل مقاعد ونقلها الى الإغتراب، للطائفة الحق في إبداء الرأي، لذلك نتمنى أن يسجل الكلام حول خلفية النقاش في المحضر". ورد بري بأنه: "يجب أن يبقى النص كما هو، وهذه مسألة سهرنا عليها الليالي. وهذه مسألة تخرب البلد" فيما أكد وزير الخارجية جبران باسيل على أن "الفكرة كانت أن يزاد ستة ويحذف محلهم من نفس المذاهب".

أما النائب سامي الجميل والذي لا ينفك يلعب دور "المشاكس الأكبر" في الجلسات التشريعية، منطلقاً بذلك من موقعه "كمعارضة" جديدة. فاتهم الحكومة باعتماد التمديد من أجل "الرشاوى" الأمر الذي دفع بالرئيس سعد الحريري إلى الدخول "على الخط" ودون طلب الإذن للإعتراض على أقواله قائلاً:"نحن لا نقوم برشاوى والحكومة لا تقوم برشاوى"، وخرج من القاعة غاضباً وتبعه وزير المالية حسن الخليل وعدد من النواب لتطييب خاطره وحثه على العودة الى الداخل فعاد عندما انتهى الجميل من كلامه.

وقد وجّه الجميل ضربات إلى معظم مواد هذا القانون الذي كرر مراراً أنه "معمول على الدرج" وقال:"الحكومة تركتنا إلى آخر دقيقة لكي تقوم بعملها". وسأل:"أين النسبية إذا كان الصوت التفضيلي على أساس القضاء والترشح على أساس القضاء؟ واعتبر أن القانون هو "قانون البترون لمصلحة أحد النواب" قاصدا ضمنا الوزير جبران باسيل الذي اكتفى بتمرير ابتسامة صفراء. ورأى الجميل أنه"من حق المواطن أن ينتخب بالتذكرة أو إخراج القيد وجواز السفر اللبناني، وأن لا يُحصر الأمر بالبطاقة الممغنطة. كما أنه يجب أن يكون هناك مغلف مع الورقة لأنها إن بقيت مكشوفة وحدها فإنها تفسح في المجال أمام الرشاوى". وفي موضوع المغتربين، رأى أنه لا يجب حصر الإغتراب بستة مقاعد وقال:"نحن ضد تخصيص مقاعد للمغتربين ومع أن يصوت المغتربون لل 128 نائباً".

وطالب الجميل بالكوتا النسائية متمنياً إضافتها على المادة 58 بحيث يزاد: "على أن لا تقبل أي لائحة لا تضم 30% من النساء". الجميل الذي رأى ألا داعٍ للتمديد لأكثر من أربعة أشهر، اعتبر أن مهلة الـ 11 شهراً هي لتمرير رشاوى إنتخابية الأمر الذي أغضب الحريري.

وفي ختام الجلسة، صوت النواب على عدد من التعديلات المقترحة على نحو سوريالي جداً. فكثيرون ممن انغمسوا بأحاديث جانبية لم يتسنَّ لهم التصويت على كل التعديلات المقترحة. وعلى الرغم من طلب أكرم شهيب إعادة التصويت ليشارك مع كتلته به، لم يكترث بري لطلبه. وسقط إقتراح إستبدال الصوت التفضيلي على مستوى القضاء بالدائرة الإنتخابية. كما سقط إقتراح إلغاء البطاقة الممغنطة وهو ما طالب به وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق. كما سقط إقتراح الكوتا النسائية على اللوائح وعند التصويت عليها بدا واضحاً اللامبالاة من قبل البعض. الأمر الذي دفع بالنائب سامي الجميل الى الطلب من الرئيس بري أن يكون التصويت بالمناداة. لكن بري لم يكترث لطلبه ايضاَ. فيما تمت الموافقة على عودة الظروف/المغلفات في عملية الإقتراع. وأخيراً رفع الرئيس بري مطرقته وقال:"التصويت على القانون بمادة وحيدة". ثم خبط ثلاثاً صدق صدق صدق دون أن ينظر حتى إلى النواب الذين رفعوا أو لم يرفعوا أيديهم. فقلما يهم ذلك في حسابات المجلس النيابي.