صدق الرئيس المصري على القانون رقم 70 لسنة 2017 بإصدار قانون تنظيم الجمعيات وغيرها من المؤسسات العاملة في مجال العمل الأهلي، ونشر القانون في الجريدة الرسمية – العدد 20 مكرر (و) في 24 مايو 2017. وكان مجلس النواب المصري قد وافق على مشروع هذا القانون بشكل نهائي يوم 29/11/2016، وبعد موافقة البرلمان أثار المشروع انتقادات واسعة داخلياً وخارجياً، وتقدمت أحزاب سياسية ومنظمات حقوقية بمذكرة إلى رئيس الجمهورية تلتمس منه عدم التصديق على القانون، وإعادته إلى مجلس النواب لإعادة النظر فيه استعمالا لسلطته الدستورية. كما أصدرت المنظمات الحقوقية بياناً في شهر نوفمبر الماضي أعربت فيه عن رفضها لمشروع قانون الجمعيات، معتبرة أنه يقضي على المجتمع المدني، ويجعله أداة في يد الحكومة والأجهزة الأمنية.

وكان الأمل معقوداً على تجاوب رئيس الجمهورية مع مواقف الجمعيات الأهلية المتضررة من مشروع القانون، واستبشرت الجمعيات خيراً بتأجيل الرئيس التصديق على المشروع وعدم إصداره. لكن ظهر بعد ذلك أن عدم التصديق كان انتظاراً لهدوء العاصفة التي أثارتها موافقة البرلمان على مشروع القانون، وربما كان انتظاراً لتغير ما في الإدارة الأميركية. يؤيد ذلك ما صرح به بعض أعضاء مجلس النواب بعد صدور القانون من أنهم كانوا على يقين من أن الرئيس سيصدر القانون كما خرج من مجلس النواب دون إعادته إلى المجلس لإدخال تعديلات عليه.

فما هي أهم المآخذ على القانون الجديد؟ وما هي الآفاق المستقبلية للمجتمع المدني بعد صدوره وصيرورته نافذاً والتزام الجمعيات الحقوقية بتوفيق أوضاعها خلال المدة التي حددها القانون إن استطاعت إلى ذلك سبيلاً؟

أولاً: مضمون القانون

نشرت المفكرة القانونية بتاريخ 22/12/2016، بعد إقرار البرلمان لمشروع القانون، مقالاً بعنوان "مشروع قانون تصفية المجتمع المدني في مصر"، تضمن الملامح الأساسية لمشروع القانون الذي كان البرلمان المصري قد أقره، وهى لم تتغير، فنحيل إليه للاطلاع على مضمون القانون المصدق عليه تفاديا للتكرار.

يتضمن القانون الجديد 89 مادة موزعة على تسعة أبواب، أخطر ما فيها الباب التاسع الخاص بالعقوبات، ومنها العقوبات السالبة للحرية التي تعد من أبرز سلبيات القانون، حتى من وجهة نظر الإتحاد العام للجمعيات الأهلية المدعوم من السلطة التنفيذية. فقد صرح رئيس الإتحاد أنهم طالبوا بأن يكتفي القانون الجديد بالعقوبات الإدارية، مثل الإنذار والغلق المؤقت أو النهائي والعزل والحل، بديلاً عن العقوبات الجنائية السالبة للحرية، لكن لم تتم الإستجابة لمطالبهم.

وتنص المادة الأولى من قانون الإصدار على أنه "بمراعاة ما ورد بنظم الجمعيات المنشأة استناداً إلى اتفاقيات دولية أبرمتها جمهورية مصر العربية (فتراعى أحكام هذه الاتفاقيات ولو خالفت أحكام القانون الجديد)، ومع عدم الإخلال بأحكام القانون رقم 91 لسنة 1971([1])، يعمل بأحكام القانون المرافق في شأن الجمعيات والمؤسسات الأهلية وغيرها من الكيانات المنظمة بموجب أحكامه.

وينظم هذا القانون والقانون المرافق له "حرية" ممارسة العمل الأهلي للجمعيات وتلك الكيانات، ويحظر على أي جهة أياً كان شكلها القانوني أو مسماها أن تمارس العمل الأهلي إلا بعد الالتزام بأحكامه والخضوع لها."

تلزم المادة الثانية جميع الكيانات التي تمارس العمل الأهلي، أياً كان مسماها أو شكلها القانوني، أن تقوم بتوفيق أوضاعها وفقاً لأحكامه وذلك في خلال سنة من تاريخ العمل به، وإلا قضت المحكمة المختصة بحلها. وتؤول أموالها إلى صندوق دعم الجمعيات والمؤسسات الأهلية المنصوص عليه في القانون المرافق، ويقف بقوة القانون كل نشاط يمارس بالمخالفة لأحكام هذه المادة.

ويكون توفيق الأوضاع بإخطار الوزارة المختصة (التضامن الاجتماعي) أو الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية، بحسب الأحوال، بجميع بيانات الجمعية أو المنظمة أو الكيان وأنشطتها ومصادر تمويلها وبرامجها وبروتوكولات ومذكرات التفاهم وغيرها من صيغ التعاون أياً كان مسماها، والتي تقوم على تنفيذها في جمهورية مصر العربية وذلك على النموذج المعد لذلك، وأن تقوم كذلك بتعديل نظمها بما يضمن أن تتوافق مع أحكام هذا القانون.

وتلزم المادة الثالثة من القانون الجهة الإدارية أولاً بأول بحصر الكيانات التي لم تقم بتوفيق أوضاعها وفق أحكام القانون المرافق. ويشكل الوزير المختص لجنة أو أكثر من العاملين بالجهة الإدارية "وغيرهم" تتولى تنفيذ وإتمام أعمال الحل بعد صدور الحكم القضائي بذلك.

وحظرت المادة الرابعة على أي جهة أو كيان ممارسة العمل الأهلي أو أي نشاط مما يدخل في أغراض الجمعيات وغيرها من الكيانات الواردة في القانون المرافق دون الخضوع لأحكامه. كما يحظر على أي جهة، باستثناء الجهة الإدارية المختصة، أن تسمح أو ترخص، بأي شكل وتحت أي مسمى، بمزاولة أي عمل أهلي أو نشاط مما يدخل في أغراض الجمعيات وغيرها من الكيانات الواردة في القانون المرافق، ويكون هذا الترخيص، حال صدوره، منعدماً منذ صدوره ولا يرتب أثراً.

ونصت المادة السابعة من قانون الإصدار على إلغاء قانون الجمعيات الأهلية رقم 84 لسنة 2002، كما يلغي كل حكم يخالف أحكام القانون الحالي. ونصت المادة الأخيرة على نشر القانون في الجريدة الرسمية، والعمل به من اليوم التالي لتاريخ نشره، وهو ما يعني أن القانون دخل إلى حيز النفاذ اعتباراً من 25 مايو 2017.

ثانياً: مستقبل المجتمع المدني الحقوقي في ظل القانون الجديد

يرى المؤيدون للقانون الجديد أنه سوف يؤدي إلى ضبط العمل الاجتماعي في مصر، ويقضي على فوضى التمويل الأجنبي التي حدثت في مصر قبل 25 يناير 2011، ويضمن عدم تحول الجمعيات الأهلية إلى "دكاكين" حقوقية تعمل لصالح الجهات المانحة والممولة، كما أنه بداية جديدة لعمل الجمعيات والمؤسسات الأهلية في مصر. ومما قيل أيضاً أن القانون يكفل حماية الدولة وعدم خروج هذه الجمعيات عن المهام "الاجتماعية" التي هي مسؤوليتها، وسوف يعطي مساحات لعمل الجمعيات الأهلية وسيطبق مبدأ الشراكة على أرض الواقع بين الدولة والشعب.

لكن هذه التصريحات الحكومية لا يمكن أن تخفي حقيقة قانون الجمعيات الأهلية الجديد، الذي يهدف إلى وضع القيود على عمل هذه الجمعيات، وتحجيم دور المجتمع المدني الحقوقي بما يخالف مواد الدستور الجديد، ويخالف تعهد الحكومة المصرية أمام المجلس الدولي لحقوق الإنسان خلال جلسة المراجعة الدورية بجنيف عام 2014، بالإلتزام بتوصيات تحرير المجتمع المدني من القيود التي كانت مفروضة عليه في ظل القانون القديم. فإذا بالقانون الجديد يزيدها قيوداً وإجراءات، تعوق حركتها وتحصر نشاطها في إطار خطة الدولة التنموية، التي تقلص دورها وتختزله في نطاق الرعاية الاجتماعية، بعيداً عن مجال التوعية الحقوقية والسياسية الغائبة التي يحتاجها المجتمع المصري.

إن قانون الجمعيات الأهلية الجديد يشكل حلقة جديدة في سلسلة القيود المفروضة على المجتمع المدني، والتي بدأت بالتحقيق مع النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان والملاحقة القضائية لهم فيما عرف بقضية التمويل الأجنبي، والتحفظ على أموالهم، ومنع من بقي منهم في مصر من مغادرة البلاد، وحجب المواقع الالكترونية وغير ذلك من فضاءات حقوق الإنسان. لذلك فالقانون تكمن فلسفته العامة في ترسيخ قبضة الدولة والجهات الأمنية على المجتمع المدني لمنعه من الإشتغال بالنشاط الحقوقي الذي تعتبره الدولة المصرية نشاطاً غير مرغوب فيه لا يتفق مع مصلحة الوطن في الظروف الراهنة. ويندرج هذا القانون ضمن سلسلة من القوانين الهادفة إلى سيطرة الدولة على كل مظاهر حركة المجتمع. فقد سبقته قوانين مست استقلال القضاء والجامعات والأجهزة الرقابية والنشاط الطلابي.

ويبدو أن السلطات الحالية في مصر لديها قناعة بأن السبب في سقوط نظام مبارك هو سماحه بوجود تعددية محدودة في البلاد. لذلك تلجأ الدولة في الوقت الحاضر إلى الأدوات التشريعية للتضييق من مساحة الحرية التي مهدت للثورة على الأنظمة السابقة.

من هذا المنظور يبدو القانون الجديد مخالفاً للمادة 75 من الدستور المصري لسنة 2014 التي تفرض على الدولة أن تمكن الجمعيات والمؤسسات الأهلية من ممارسة نشاطها بحرية، وتحظر على الجهات الإدارية التدخل في شؤونها أو حلها أو حل مجالس إدارتها أو مجالس أمنائها إلا بحكم قضائي. ولا يعني السماح للقانون بتنظيم عمل الجمعيات والمؤسسات الأهلية مصادرة حقها في ممارسة نشاطها أو فرض القيود التي تكبلها وتعوق أداء رسالتها في المجتمع. فالمادة 92 من الدستور المصري صريحة في أن الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلاً ولا انتقاصاً. ولا يجوز لأي قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات – تحت ستار التنظيم – أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها. يضاف إلى ذلك أن فرض القيود المعوقة لعمل مؤسسات المجتمع المدني يخالف المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها الدولة، ويسيئ إلى سمعة مصر أمام المجتمع الدولي حين يضعها في مصاف الدول المعادية للعمل الأهلي الحقوقي مقارنة بغيرها من الدول الديمقراطية والأقل ديمقراطية.

لذلك لم يكن غريباً أن تكون التعليقات الدولية على القانون فى أغلبها سلبية، وأن يوجه نواب جمهوريون في مجلس الشيوخ الأمريكي انتقادات واسعة لقانون تنظيم عمل المنظمات غير الحكومية في مصر ووصفه بأنه "مؤشر على حملة جائرة على حقوق الإنسان"، وأن "قرار الرئيس بالتصديق على القانون "الجائر" الذي ينظم عمل المنظمات غير الحكومية هو أحدث مؤشر على حملة متنامية على حقوق الإنسان والمعارضة السلمية في مصر"، وقد طالب بعض نواب مجلس الشيوخ الكونجرس بالرد على ذلك "بتشديد المعايير الديمقراطية والشروط الخاصة بحقوق الإنسان فيما يتعلق بالمساعدات الأمريكية للقاهرة".

وليس أدل على سوء هذا القانون من البيان الذى أصدره المجلس القومى لحقوق الإنسان فى اجتماعه الدوري الذى عقده يوم 7 يونيه 2017، وهو مجلس شبه حكومي، حيث نقرأ فى هذا البيان نصا ما يلي "أن القانون يتضمن شبهة عدم دستورية فى بعض مواده، ويخالف المعايير الدولية والمبادئ القانونية المستقرة فيما يتعلق بقرارات جهة الإدارة، وهى الأمور التى سبق أن نبه إليها المجلس مرارا لتشجيع العمل الأهلي ودوره فى التنمية الاجتماعية كإحدى ركائزها". لذلك طالب البيان"بإعادة النظر فى القانون حتى يأتى متسقا مع الدستور والمعايير الدولية".

ولا عجب أن يكتفي المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية المصرية في تعقيبه على التصريحات الأمريكية بشأن القانون بقوله "مجلس النواب حرص في صياغته للقانون على تحديث الإطار التشريعي المنظم لعمل الجمعيات الأهلية بما يتسق مع الدستور، وأن القانون يهدف لإدراج جميع المنظمات غير الحكومية تحت مظلة قانونية واحدة، ترسيخاً للعدالة، وتسهيلاً للإجراءات، مع وضع ضوابط محددة للتمويل إعمالاً لمبدأ الشفافية وسيادة القانون، ودون أي نية للتضييق على عملها. ويبرر المتحدث الرسمي الهجمة الداخلية والدولية على القانون الجديد بأن بعض الكيانات الأهلية اعتادت العمل خارج مظلة القانون وتضررت مصالحها من صدور الإطار التشريعي الجديد.

لقد صدر القانون ودخل إلى حيز النفاذ وصار واقعاً مفروضاً على الكافة منذ الخامس والعشرين من مايو 2017، ولا سبيل للطعن عليه إلا أمام القضاء الإداري عندما تصدر قرارات من الجهات الإدارية المختصة تتعلق بتوفيق الأوضاع قبولاً أو رفضاً، أو الطعن بعدم الدستورية إذا دفع أمام الجهات القضائية بعدم دستورية بعض نصوص القانون. لكن المؤكد أن نشاط المجتمع المدني الحقوقي سوف يتقلص بعد نفاذ القانون إلى حد كبير، عندما تنتهي مهلة توفيق الأوضاع وتعجز معظم الجمعيات الحقوقية عن الإنخراط تحت راية القانون. ولا عجب أن يكون الغرض الحقيقي للقانون هو منع إنشاء جمعيات حقوقية جديدة، انتظاراً لتصفية ما تبقى منها أو نقل نشاطها إلى خارج البلاد، ليتحول إلى جزء من المعارضة المصرية فى الخارج.

 


([1]) القانون المشار إليه يتعلق بجمعية المحاربين القدماء وضحايا الحرب وفروعها بجمهورية مصر العربية، وهي تتبع وزارة الدفاع التي تعتبر بالنسبة لها الجهة الإدارية المختصة، ويكون لوزير الدفاع بالنسبة إلى هذه الجمعية الاختصاصات الممنوحة لوزير التضامن الاجتماعي في قانون الجمعيات الأهلية رقم 70 لسنة 2017 ولائحته التنفيذية.