ثمانية عشر عاماً مرت على جريمة إغتيال القضاة الأربعة حسن عثمان وعاصم أبو ضاهر وعماد شهاب ووليد هرموش. كما كل سنة منذ حدوث الواقعة، أحيا الجسم القضائي الذكرى في قاعة محكمة الجنايات (قاعة الشهيد عثمان) في قصر العدل الجديد في صيدا. وفيما كانت تعلق الجلسات المحاكم خلال الساعة المحددة لإحياء الذكرى، أصدرت رئيسة محاكم الإستئناف في الجنوب رولى جدايل، هذا العام، قراراً بتعليق العمل في المحاكم طيلة هذا اليوم.

إلى ذلك، حضر الذكرى كل من رئيس هيئة التفتيش المركزي القاضي بركان سعد، ممثل نقابة المحامين في صيدا المحامي محمد شهاب، رئيسة هيئة القضايا في وزارة العدل هيلانة اسكندر ممثلةً وزير العدل سليم جريصاتي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد. وقد سجل جميع الحاضرين مأخذاً على عدم إحقاق العدالة حتى اللحظة في هذه القضية.

إتسمت الذكرى بطابع بروتوكولي بحت، من دون أن تشكل مناسبة للإضاءة على الإشكاليات الكبرى المتعلقة بالقضاء، لا سيما إستقلالية السلطة القضائية والقضاة وتحصينهم إزاء الإعتداءات التي قد تصيبهم. فقط القاضية إسكندر تطرقت لضرورة "فصل السياسة عن عمل السلطة القضائية"، من دون أن توضح إن قصدت بذلك كف يد السلطة التنفيذية عن السلطة القضائية، حيث تكون إستخدمت عبارة "سياسة" بسياقها الدارج. أم إبعاد القضاة أكثر عن "السياسة" بمعنى التشديد على عدم تبنيهم لأي توجه سياسي. كما أعلنت القاضية إسكندر أن "وزير العدل تداول مع رئيس مجلس القضاء الأعلى إقتراحاً مقدماً من قبل القاضية جدايل ليكون الثامن من حزيران يوم شهداء القضاء في لبنان، وإنتهوا إلى الإتفاق على إتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق ذلك".

من جهته أعلن القاضي فهد، أن "التحقيقات التي كان من المفترض أن تنتهي قبل الذكرى، لن تتأخر أكثر وستليها مباشرةً جلسات المحاكمة".

في عدلية بيروت، وقف القضاة دقيقة صمت على أرواح الشهداء تكريماً لذكراهم. إلى ذلك إستمعت المفكرة القانونية إلى آراء عدد من القضاة فيما يتعلق بالحماية الأمنية للقضاة وموقفهم من بطء سير العدالة.

في هذا السياق يؤكد أحد القضاة أنه "كان من المفترض أن يصدر القرار في ملف قضية القضاة الشهداء الأربعة السنة الماضية، لكن الملف عاد وتأجل"، عازياً السبب إلى"بطء سير القضاء". واعتبر أن الدعاوى الكبيرة غالباً ما تأخذ الوقت: فهي إما تأخذ الوقت الطويل أو لا تُحل أبداً. فيما يخص هذه القضية تحديداً يتفاءل القاضي مستبعداً أن يكون لها أي خلفيات سياسية، معتبراً "أن هذه الحادثة مست صورة الدولة إذ أظهرت أن الدولة لم تكن تؤمن أدنى حماية للقاضي".

على خلاف هذا الرأي، يشدد قاضٍ آخر على أن "السلطات اللبنانية تتعمد عدم حماية القاضي، إذ أن امتناع الدولة عن كشف الحقيقة يعني أنها تستهين بعمل العدالة". ويجد أن "الحماية الأمنية غير مؤكدة داخل قصور العدل"، لافتاً إلى "أن بعض المحاكم قامت بتحسين وضع الأمن فيها بعد الحادثة". كما يشير إلى أن "إحدى محاكم الجنايات في الشمال كانت مكشوفة على حرش عبر نوافذ موجودة خلف قوس المحكمة". غير أنه " تم بناء حائط تخوفاً من أي خطر، بعد الواقعة". من ناحية أخرى، يرى أنه "من واجب الدولة أن تحيي هذه الذكرى على صعيد لبنان كله، وليس فقط في صيدا إذ أن هذه المسألة تتعلق بالقضاة جميعاً".

يعتبر قاض ثالث أن إحياء ذكرى "القضاة الشهداء ليس بتعليق الجلسات"، ذلك أن "الشهداء في السماء لن يكونوا راضين عن تعطيل ملفات المواطنين". بل يجد أن "احترام الناس وتسهيل معاملاتهم هو بمثابة التعويض لهم". من جهة أخرى، يلفت إلى "أن ما حصل في حزيران عام 1999 شكلت واقعة أولى من نوعها، إذ أنها المرة الوحيدة في العالم التي يغتال فيها قضاة على قوس المحكمة". أما بالنسبة لمسألة الحماية الأمنية التي يحتاجها القاضي، فإنه يرفض التعليق، مكتفياً بالشكوى من سوء معاملة الدولة للجسم القضائي. لهذه الناحية، هو يجد أن "القاضي بحاجة إلى توفير البيئة المناسبة للعمل القضائي داخل المحاكم". وهو يعتبر، أن "تأمين إحتياجات قصر العدل لحسن سير العمل القضائي أمر أساسي، إذ أن القصر يعاني من الإهتراء وبطء عملية الصيانة كما انقطاع الكهرباء والمياه بشكل دائم. كذا المصعد الكهربائي، فإنه إما معطل أو لا يوجد كهرباء، بالإضافة إلى رداءة الحمامات والنظافة داخل القصر". هذه المطالب يعكسها القاضي واضعاً نصب عينه المطلب الأساسي، ألا وهو "حق القاضي بالاكتفاء المادي".

وهو في هذا الصدد يعلق على محاولة الدولة إنتزاع صندوق تعاضد القضاة، معتبراً أن "هذا الصندوق يستفيد منه القضاة جميعاً ومن بينهم عائلات القضاة الشهداء، والتأكيد على استمراره هو احترامٌ لهم أيضاً".