طالعتنا الأخبار في الأيام الأخيرة بفتاوى وآراء مسيئة للأديان والمعتقدات الدينية ، فيها يكفر البعض من أنصار دين معين غيرهم من المؤمنين بدين مختلف أو عقيدة مغايرة . فهذا شيخ أزهري، كان يوصف بأنه داعية إسلامية، ومسؤول رسمي سابق فى وزارة الأوقاف، يظهر في أحد البرامج التلفزيونية ليصف عقيدة المسيحيين بأنها "فاسدة"، وينعت أتباع الدين المسيحي "بالكفار". ورداً عليه يخرج قس مسيحي قبطى، يصف المسلمين بالغزاة الذين نشروا الدين الإسلامي بحد السيف والرمح.

هذه الأقوال من شأنها أن تنشر الكراهية وتحض على التمييز والتفرقة بين الناس على أساس ديني، وتحرض على ارتكاب الجرائم الإرهابية ضد طائفة من مواطني الدولة الذين يتمتعون بحق المواطنة، وما يتفرّع عنها من حقوق وواجبات وحريات. ومن أجل مواجهة هذه الدعوات المغرضة والآراء الشاذة، التي لا تتفق مع سماحة الأديان وما تدعو إليه من المودة وحسن المعاشرة والقول الحسن، تقدم أحد نواب البرلمان المصري بمشروع قانون لتجريم تكفير الناس وازدراء عقائدهم وشعائرهم الدينية، وأيده في هذا المشروع ثمانون نائباً، وهو عدد يزيد بكثير عن العدد المطلوب لعرض مشروع القانون على البرلمان لدراسته ، وهو نسبة 10% من أعضاء مجلس النواب، أي ستون نائباً. وقبل أن نعرض جوهر مشروع القانون، الذي قدم إلى الأمانة العامة لمجلس النواب بتاريخ 29 مايو 2017، نعرض الأسانيد الدستورية والقانونية التي استند إليها هذا المشروع:

أولاً: أسانيد مشروع القانون:

ذكر مشروع القانون المقدم سنده الدستورى، المتمثل فى المادة 53 من الدستور المصرى لسنة 2014. ولكن مضمونه يجيب على مجموعة من الأسانيد الدستورية والقانونية، يضاف إليها المبادئ العامة للشريعة الإسلامية التي تعد في مصر، وفقا للدستور، المصدر الرئيسي للتشريع.

ومن أبرز الأسناد الدستورية، المادة 53 التي تؤكد المساواة بين المواطنين وعدم التمييز بينهم "بسبب الدين، أو العقيدة..." أو لأي سبب آخر. وقد أوجبت المادة إصدار قانون يعاقب التمييز والحضّ على الكراهية، كما ألزمت الدولة "باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز"، ومنها "إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض". السند الدستوريّ الآخر هو المادة 64 التي تعلن أنّ "حرية الإعتقاد مطلقة"، تاركة للقانون تنظيم "حرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية". وعلى هذا الأساس، يعد مشروع القانون محل التعليق تفعيلا متأخرا لنص دستوري ملزم للبرلمان منذ تاريخ نفاذ الدستور فى سنة 2014 .

وطبقاً للمبادئ العامة للشريعة، لا يجوز ازدراء أي دين من الأديان السماوية، لأن مصدرها واحد، كما يجب احترام اختلاف عقائد الناس وما يدينون به، لأن الدين أمره إلى الله، أما الوطن فهو مأوى ومستقر لجميع أبنائه من دون تمييز أو استبعاد لأي مواطن من التمتع بكافة الحقوق والحريات العامة لأي سبب من الأسباب. وفى هذا المعنى يؤكد مفتى مصر الدكتور شوقى علام  أن "التنوع قضية معترف بها فى التشريع الإسلامى، تنص على ضرورة وجود وسائل لتعايش من يختلفون فى العقائد والمذاهب وتحمل المسؤولية المشتركة فى الحقوق والواجبات وكل مايهم الإنسانية". ويضيف أن "الإسلام اعترف باختلاف العقيدة وحرية الاعتقاد على أن يحاسب الله الجميع يوم القيامة على مااعتقدوه".

إلى ذلك، تعلن المادة 93 من الدستور المصري إلتزام الدولة بالإتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تصدق عليها مصر، وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها وفقاً للأوضاع المقررة. ومن الأحكام الدولية الهامة، المادة 18 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التى تنص على حق كل إنسان في حرية الفكر والوجدان والدين.

ثانياً: مضمون مشروع القانون:

يحتوى المشروع المقدم إلى البرلمان على ست عشرة مادة، تتضمن تعديلاً لبعض مواد قانون العقوبات ذات الصلة بجرائم التحريض على الكراهية وازدراء الأديان. كما يتضمن تجريمات جديدة تتعلق باتهام الناس بالكفر ومكافحة الكراهية والتمييز والتحريض على أفعال القتل والاعتداء. ويقدم مشروع القانون تعريفات محددة للأفعال محل التجريم، ويقترح العقوبات التي يقدر واضعوه ضرورتها وملاءمتها لمكافحة الأفعال المجرمة.

يبدأ المشروع بوضع تعريف لازدراء الأديان، وحصر نطاقه في إطار لا يمتدّ إلى المناقشات العلمية والقراءات النقدية لآراء واجتهادات علماء الدين. وفي هذا يكمن التطوير المرتجى لهذه الجريمة المنصوص عليها فى قانون العقوبات المصري، والتى قادت بعض المفكرين والباحثين المجددين للفكر الديني ظلما وافتراء إلى غياهب السجون فى السنوات الأخيرة .

فوفقاً للمشروع المقدم إلى البرلمان "يعد مرتكباً لجريمة ازدراء الأديان كل من تطاول على الذات الإلهية أو طعن فيها أو مس بها، أو تطاول على أحد الأنبياء أو الرسل أو زوجاتهم أو آلهم أو صحابتهم أو  سخر منهم، أو أساء إلى أي من الأديان أو إحدى شعائرها أو مقدساتها أو تجريحها أو التطاول عليها أو السخرية منها أو المساس بها أو التشويش على إقامة الشعائر أو الإحتفالات الدينية المرخصة أو تعطيلها بالعنف أو التهديد. ولا يدخل في ذلك الحوار والنقاش العلمي بين الأديان والمعتقدات، وداخل كل منها، وكذلك لا يدخل فيه التفكير النقدي للتفاسير والآراء والمدارس الدينية للأئمة والعلماء والمفسرين". وفيما يمكن ربط تجريم التطاول على أحد الأنبياء أو الرسل أو السخرية منهم بالتطاول على الأديان، نتحفظ على التوسع فى هذا التجريم ليشمل زوجاتهم أو آلهم أو صحابتهم.

ويدخل المشروع في نطاق جريمة ازدراء الأديان "التعدي على أي من الكتب السماوية بالتحريف أو الإتلاف أو التدنيس أو الإساءة، وكذلك التخريب أو الإتلاف أو التدنيس لدور العبادة وللمقابر وللقبور أو ملحقاتها أو أي من محتوياتها". والتعدي محل التجريم هو الذى يطال الكتب السماوية، دون غيرها من كتب وتفاسير الفقهاء، التى هي اجتهادات بشرية يؤخذ منها ويرد عليها، فليس لها قداسة الكتب السماوية.

ويعتبر المشروع الأفعال السابقة من الجنايات التي يعاقب عليها بالسجن أو السجن المشدد والغرامة (م 4). ونرى أن بعض الأفعال الواردة فى هذه المادة لا ترقى إلى مستوى الجنايات، وكان يكفى اعتبارها من الجنح والعقاب عليها بعقوبة الحبس، مثل التشويش على إقامة الشعائر الدينية أو الإحتفالات الدينية المرخصة من دون استعمال العنف أو التهديد لمنع إقامتها، وكذلك التعدى على ملحقات دور العبادة أو المقابر أو القبور.

إلى ذلك، يعاقب المشروع بالسجن المشدد والغرامة أو إحداهما كل من ارتكب فعلاً من شأنه إحداث أي شكل من أشكال التمييز بإحدى طرق التعبير أو باستخدام أي وسيلة من الوسائل. ونرى أن اعتبار هذا الفعل جناية فيه مبالغة فى استخدام سلاح التجريم والعقاب، وكان يكفى عدّه من الجنح، فالعبارة مطاطة من شأنها أن تفتح مجالا واسعا للتحكم وسوء التفسير، الذى قد يطال بعض المدافعين عن حقوق الأقليات الدينية. كما أن العقوبة ستكون قاسية عندما تطبق على أفعال أو أقوال "من شأنها" أن تحدث تمييزا، ولو لم ينشأ عنها أي شكل من أشكال التمييز الفعلي.

كما يعاقب بالسجن والغرامة أو إحداهما كل من ارتكب فعلاً من شأنه إثارة خطاب الكراهية بإحدى طرق التعبير أو باستخدام وسيلة من وسائل العلانية. كما يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة من 30 ألف إلى 50 ألف جنيه أو إحدى العقوبتين، كل من استخدم إحدى طرق التعبير أو وسائله في "إثارة النعرات الطائفية بقصد الحض على الكراهية بين الأفراد والجماعات". وفيما اعتبار هذا الفعل جنحة مقبول مبدئيا، إلا أنه يسقط مواد المشروع في حالة عدم انسجام بعد اعتبار ما سبقه من جنايات. فإثارة النعرات الطائفية بقصد الحض على الكراهية هو سلوك خطره وضرره على المجتمع أشد من مجرد قول أو فعل من شأنه إحداث التمييز. وقد يكون سبب هذه المفارقة عدم وعي من صاغوا المشروع بالمدلول الحقيقي لتعبير إثارة النعرات الطائفية وما يمكن أن يترتب عليه من نتائج، لأن الطائفية فى مصر مجالها لا يزال ضيقا.

ويشدد القانون العقوبة إذا وقعت الجريمة التي تحض على الكراهية من موظف عام أثناء أو بسبب أو بمناسبة تأدية عمله أو وقعت من شخص ذي صفة دينية أو من مكلف بها أو وقع الفعل في إحدى دور العبادة. ففي هذه الحالة، لا تقل العقوبة عن السجن لسبع سنوات والغرامة من مائة ألف إلى خمسمائة ألف جنيه أو إحدى هاتين العقوبتين. وعقوبة السجن الذى لا يقل عن سبع سنوات عقوبة مبالغ فيها، خصوصا إذا تصورنا إمكان وقوع الفعل من رجل دين، وهو فى مصر موظف عام، أو فى إحدى دور العبادة فى لحظة حماس أو اندفاع إنزلق فيها اللسان أو زل فيها البيان. لا شك فى أن تناسب العقوبة مع جسامة الجرم هو أحد العناصر الضرورية كي تكون العقوبة عادلة .

ويعاقب بالسجن المؤبد كل من استغل الدين في رمي أفراد أو جماعات بالكفر باستخدام إحدى طرق التعبير. وتكون العقوبة الإعدام إذا اقترن الرمي بالكفر بالتحريض على القتل، فوقعت الجريمة نتيجة لذلك. وهذا النص تطبيق لمبدأ عام فى القانون المصرى، وهو أن من اشترك فى جريمة بالاتفاق أو التحريض أو المساعدة فعليه عقوبتها، فلا عقاب بالإعدام إلا إذا وقع القتل نتيجة التحريض. ومع ذلك نلاحظ أن عقوبة الإعدام عقوبة محل جدل فى السياسة الجنائية، وينبغى لذلك عدم التوسع فيها دون مقتضى. لذلك نرى أنه يكفى فى عقاب هذا الفعل السجن المشدد. والأمر فى النهاية مرجعه إلى المشرع الذى يتخير العقوبات وإلى القاضى الذى يطبقها.

ويعاقب بالسجن المشدد والغرامة أو إحداهما كل من أنتج أو صنع أو روج أو باع أو عرض للبيع أو للتداول أشياء من شأنها ازدراء الأديان أو التمييز أو إثارة خطاب الكراهية. ونلاحظ أن العقوبة المقترحة لهذا السلوك لاتتناسب كذلك مع جسامة الجرم.

ويعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات كل من أنشأ أو أسس أو نظم أو أدار جمعية أو مركزاً أو هيئة أو منظمة أو تنظيماً أو جماعة أو فرعاً لإحداها بغرض ازدراء الأديان أو التمييز أو إثارة خطاب الكراهية أو تحبيذ ذلك أو الترويج له. وتحكم المحكمة بحل هذه الجمعيات والمؤسسات والمراكز والهيئات والمنظمات والتنظيمات والجماعات وفروعها، كما تحكم بمصادرة الأموال والأمتعة أو الأدوات أو الأوراق التي استعملت في ارتكاب الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون. كما يعاقب بالسجن المشدد كل من انضم إلى أى من الجهات المنصوص عليها فى هذه المادة أو شارك فيها أو أعانها بأي صورة مع علمه بأغراضها. ويلاحظ أن عقوبة من ينضم أو يشارك أو يعين جهة من الجهات المذكورة أشد من عقوبة من أنشأ أو أسس أو أدار الجهة، وهو ما لا يتفق مع المبادئ العامة في العقاب على الإشتراك فى الجريمة فى القانون المصري. ويشير هذا الأمر إلى عدم تقدير واضع المشروع للجسامة الذاتية لكل عقوبة، ونأمل أن تتدارك اللجنة التشريعية الأمر عند نظرها للمشروع ومن بعدها قسم التشريع فى مجلس الدولة.

8- تعاقب المادة 12 من المشروع بالسجن المشدد كل من عقد أو نظم مؤتمراً أو اجتماعاً في الدولة وكان الغرض منه ازدراء الأديان أو التمييز أو إثارة خطاب الكراهية. ويعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر كل من شارك في المؤتمر أو الاجتماع و

مع علمه بأغراضه. وللسلطات العامة فض المؤتمر أو الاجتماع باستعمال القوة الجبرية عند الاقتضاء. ولا نعتقد فى شمول هذا التجريم، ولا يجب أن يشمل، المؤتمرات والاجتماعات التى تعقد للتنديد بالتمييز الذى تتعرض له فئة أو طائفة من الناس على فرض التصريح من الجهات الأمنية بعقد مؤتمر أو اجتماع من هذا القبيل. وفى كل الأحوال عقوبة السجن المشدد المقترحة لهذا الفعل عقوبة غير متناسبة معه.

9- يعاقب بالسجن المشدد وبالغرامة كل من قدم أو عرض أو طلب أو قبل أو حصل أو سلم أو تسلم أموالاً أو دعماً مادياً بطريق مباشر أو غير مباشر، متى كان ذلك بقصد ارتكاب فعل من الأفعال المعاقب عليها في هذا القانون. ونلاحظ فى هذا الخصوص أن قانون الجمعيات الأهلية الجديد رقم70 لسنة 2017 قد قيد تلقى الأموال أو الدعم المادى على نحو لا يسمح بتلقى أموال بقصد ارتكاب أفعال يعاقب عليها أي قانون.

10- عاقبت المادة 15 من المشروع بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة من عشرة ألاف إلى ثلاثين ألف جنيه أو إحداهما كل من قام بهتافات الكراهية سواء بمفرده أو بمشاركة غيره، وسواء كان ذلك في تجمعات سياسية أو رياضية أو غيرها.

 وأخيراً عاقبت المادة 16 من المشروع بالحبس مدة لا تقل عن سنتين والغرامة من  30 ألف إلى مائة ألف جنيه أو إحداهما كل من قام بالتشهير بشخص أو هيئة. ويبدو من صياغة هذه المادة أنها أقحمت على مشروع القانون لحماية رئيس مجلس النواب وأعضائه والمجلس ذاته، الذي يتعرض لانتقادات حادة من المواطنين والكتاب والصحفيين ووسائل الإعلام، التى تصفه بالقصور في الأداء وعدم الفاعلية في مواجهة مشاكل المواطنين. لذلك نرى أن هذه المادة لاعلاقة لها بالمشروع المعروض، وقد يكون الهدف منها تقييد حرية التعبير وانتقاد السلطات العامة وإبداء الرأى فى الشأن العام أكثر من أى شئ أخر.

ثالثاً: تقييم المشروع:

منذ قيام ثورة 25 يناير 2011 تفاقمت خطابات الكراهية والحض على العنف والتمييز بين الأفراد والجماعات. وقد استخدمت في ذلك وسائل الإعلام ودور العبادة والتجمعات الدينية والسياسية، وأدى ذلك لاضطهاد بعض الأفراد أو الطوائف خصوصاً الدينية. وتعددت الفتاوى الداعية إلى تكفير المختلفين في الدين أو المعتقد، ووصل الأمر إلى التحريض على قتل من اتهموا بالكفر أو فساد المعتقد. وقد استغل المتشددون هذه الفتاوى الشاذة في القيام بعمليات إرهابية، استهدفت المسيحيين المصريين في أشخاصهم وفي أماكن ممارسة شعائرهم الدينية، وكان يمكن أن تثير فتنا طائفية بين أبناء الوطن، لولا يقظة ووعى المصريين وقياداتهم السياسية والدينية .

لقد نص الدستور المصري على اعتبار الحض على الكراهية والتمييز جريمة يعاقب عليها القانون، درءاً للتعصب الأعمى الذي يؤدي إلى عدم قبول الآخر المختلف في الدين أو المعتقد أو الرأي السياسي أو المنشأ الاجتماعي أو الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو غير ذلك من أوجه الاختلاف. ولا تقتصر هذه الممارسات التمييزية التي تفضي إلى كراهية الآخر على المؤسسات غير الرسمية، بل تشمل المؤسسات الرسمية الدينية وغيرها من الأحزاب والقنوات الدينية وبعض رجال الدين من السلفيين وغيرهم، الذين تذخر خطاباتهم بالحض على كراهية الآخر وعدم قبوله أو التعامل معه أو حتى تقديم الواجبات الاجتماعية له في الأعياد والمناسبات، خلافاً لما تقضي به وتدعو إليه سماحة الأديان السماوية والمعتقدات كافة .

لذلك يمكن اعتبار مشروع هذا القانون خطوة على طريق تهذيب سلوكيات الأفراد والجماعات والمؤسسات الدينية وغيرها، ودافعاً لتجديد الفكر والخطاب الديني، في اتجاه المزيد من التسامح وحسن المعاشرة وقبول المختلفين، والإقرار بقيم المواطنة والمساواة بين المواطنين دون تمييز من أي نوع. وجوهر التجديد ينبغي أن يكون التسليم بحرية الاعتقاد المطلقة، دون أن يكون للمعتقد الديني أو السياسي أو الاجتماعي أثر في حياة المواطنين، فيكون الدين لله والوطن لجميع أبنائه. فهذا هو مفهوم الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة، التي تتحقق فيها المساواة في الحقوق والواجبات دون أي تمييز، كما ورد في ديباجة الدستور المصري لسنة 2014.

 وقد تعبر هذه الخطوة عن حسن نية من وضعوا هذا المشروع. لكن مضمون القانون يثير تساؤلات ومخاوف عديدة، مبعثها عبارات التجريم غير المنضبطة، وقسوة العقوبات المقترحة، وغرابة بعض الأفعال المجرمة، التى قد تفتح أمام القضاء بابا للتوسع فى التجريم وتوظيفه فى غير مايقصده واضعو المشروع. لكن يراودنا الأمل فى ضبط عبارات المشروع فى اللجنة التشريعية، والإعتدال فى العقوبات، وقصر الأفعال المجرمة على ماهو ضروري ولازم لتحقيق الغرض المقصود، ودون فتح المجال لإساءة التفسير أو التشدد فى العقاب. ويأتى بعد اللجنة التشريعية قسم التشريع بمجلس الدولة الذى يختص بمراجعة مشروعات القوانين، وأخيرا تكون المحكمة الدستورية العليا هى الملاذ الأخير لإصلاح ما اعوج من نصوص التشريع بعد إصداره. فلايزال الطريق طويلا بين اقتراح مشروع قانون وبين تطبيقه فى حق المكلفين به.

وبعد الإنتهاء من كتابة هذا المقال، طالعتنا الأخبار يوم الخميس، الأول من يونيه 2017، بأن اللجنة المكلفة من شيخ الأزهر بإعداد مشروع قانون مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين، قد انتهت من إعداد المسودة الأولى من مشروع القانون، الذي يستهدف الحد من مظاهر الكراهية والتعصب التى تروج لها بعض الجماعات والتيارات المتشددة فكريا، والتأكيد على قيم المواطنة والتعايش المشترك بين أبناء الوطن الواحد.

لا نملك إلا أن نشيد بأي جهد يهدف إلى وأد الفتن الطائفية فى مهدها بالقضاء على مسبباتها. فهذه الجهود، إذا صدقت النوايا التى تحركها، تندرج تحت باب المسارعة فى الخيرات.