بتاريخ 20 مايو 2017، أصدرت المحكمة الإدارية العليا (الدائرة الأولى) حكماً تاريخياً، يرسي قيم الوفاء والتقدير والعرفان لشهداء الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973، ويوجه الدولة وسلطاتها ومؤسساتها ومواطنيها إلى أهمية الحفاظ على هذه القيم النبيلة تجاه من ضحوا بحياتهم دفاعاً عن أرض الوطن وعرضه ومقدساته. واللافت أن الحكم لم يكتف بتكريس حق الشهيد بالتكريم إنما أفرد حيثية طويلة لإعلاء القيم الوطنية التي افترض أنهم استشهدوا من أجلها، وعلى رأسها قيم الديمقراطية والتعددية.

أولاً: وقائع الدعوى:

 صدر حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 5533 لسنة 54 قضائية عليا من الدائرة الأولى (موضوع)  برئاسة رئيس مجلس الدولة. وانصبّ الطعن على حكم محكمة القضاء الإداري بالمنوفية (الدائرة الأولى) في الدعوى رقم 167 لسنة 5 قضائية بجلسة 20 نوفمبر 2007. وكان الطعن مرفوعا ضد رئيس الجمهورية الرئيس الأعلى للقوات المسلحة ومحافظ المنوفية ورئيس مجلس مدينة قويسنا والمستشار العسكري لمحافظة المنوفية بصفاتهم.

تتلخص وقائع المنازعة التي صدر فيها الحكم في أن شقيق أحد الشهداء قدم دعواه مطالباً بإلغاء قرار رئيس الوحدة المحلية لمركز ومدينة قويسنا والمستشار العسكري لمحافظة المنوفية بنقل النصب التذكاري لشهداء حرب السادس من أكتوبر عام 1973 من ميدان نهاية شارع الجيش إلى مدرسة قويسنا الثانوية بنين، وبالتعويض عن الأضرار التي حاقت بالمدعي من جراء نقل النصب التذكاري من مكانه الأصلي دون جدوى. وقد بين المدعي أن النصب التذكاري نقل من مكان عام يرتاده الجميع إلى مدرسة، فلا يراه إلا من له حق الدخول إليها وأن الوحدة المحلية أقامت مكان النصب التذكاري نافورة مياه إعلانية. وإذ ردت محكمة القضاء الإداري بالمنوفية (الدائرة الأولى) الدعوى لأسباب عدة أبرزها أن نقل التمثال من الميدان إلى المدرسة يزيد من إبرازه، عادت المحكمة الإدارية العليا وقبلت الدعوى.

ثانياً: منطوق الحكم وأسبابه:

صدر حكم المحكمة الإدارية العليا محل التعليق في الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه، مع ما يترتب على ذلك من آثار، ورفض طلب التعويض، على سند من القول أن إلغاء القرار المطعون فيه، وما ترتب عليه من آثار، وذلك بأن يقام النصب التذكاري لشهداء مركز قويسنا جميعاً في أفضل مكان بمدينة قويسنا حاملاً أسماء جميع الشهداء بالمركز يعد خير تعويض للطاعن.

وقد أسست المحكمة الإدارية العليا قضاءها بإلغاء القرار الإداري المطعون فيه على ما يلي:

أ - "أن الشرع السماوي الحكيم كرم الشهداء وأعلى من منزلة الشهادة في مواضع عدة من القرآن الكريم".

ب - "أن المشرع الوضعي استلهم التوجيه السماوي واستهدى به، عندما أوجب على الدولة القيام بواجب تكريم شهداء الوطن عرفاناً لهم بما قدموه وبذلوه من تضحيات عظيمة وجادوا بأغلى وأثمن ما يمتلكون". واللافت هنا أن المحكمة أفاضت في تعداد الأسباب التي من أجلها استشهد هؤلاء. فالأسباب التي ضحى من أجلها الشهداء لا تقتصر على "تحرير تراب الوطن من أيدي المغتصب أو المحتل والذود عنه في ملماته وإعادته إلى الحياة الطبيعية المفعمة بالأمن والأمان والطمأنينة والاستقرار"، بل تنسحب أيضا على "الحفاظ على تنوع الوطن وتفرده وتماسك أطيافه وفئاته ومكوناته في أزمنة التحزب والفتن، أو لإقامة نظام سياسي ديمقراطي حقيقي يقصي حكم الفرد أو العائلة أو الجماعة أو الحزب الواحد، مستهدفاً فتح باب المشاركة السياسية لكل مواطنيه على أسس التعددية السياسية والفصل بين السلطات والتوازن بينها، والتداول السلمي للسلطة، وتلازم السلطة مع المسؤولية، واحترام حقوق الإنسان وحرياته". وبذلك، بدا الحكم وكأنه يقصد فئات مختلفة من الشهداء الذين سقطوا من أجل مصر.

ج – "أن الشعب المصري بعراقته وأصالته وتاريخه التليد لا يمكن أن ينسى أبناءه الشهداء الذين أدوا الأمانة دفاعاً عن أرضه وعرضه ومقدساته، بمساجدها وكنائسها، ولا يستوى لديه من يعمل لنفسه ومن يضحي بحياته ليحيا غيره. وإذا كان من واجب الدولة تكريم شهداء الوطن، فإن هذا التكريم يظل منقوصاً لا يكتمل طالما لم تهتد بدربهم وتحقق أفكارهم وتجسد آمالهم لتكون واقعاً ملموساً. فالدولة التي تخفي آثار شهدائها أو تدفن أفكارهم أو تبدد تطلعاتهم، تظلم شهداءها، وتستهين بأرواحهم، ولا تستحقهم".

  د – "أن قيام الدولة بتكريم أنبل ما فيها يرسي مبادئ وقيماً رفيعة وعظيمة، ويغرس في نفوس مواطنيها بأجيالها الحالية والمستقبلية أنها تقدر من ضحّى بحياته ليحيا الوطن، وتعلّي وتنشر قيم الإيثار والفداء والوطنية والإنتماء ... لذلك فإنه يقع على عاتق الدولة التزام وواجب بأن تضع من التشريعات ما يكفل تحقيق التزامها الدستوري في المادة 16 من الدستور الحالي بتكريم شهداء الوطن وإنشاء هيئة أو جهة مستقلة تقوم على شؤونهم وترعى أسرهم رداً لجزء من معروفهم. ورد الجميل ليس أقل من أن تتزين الميادين العامة بوضع النصب التذكارية لهؤلاء الشهداء في مكان يليق بهم، ليكون ذلك نبراساً للكافة بتقدير الدولة لمن يفتديها ويضحي من أجلها".

ثالثاً: الدروس المستفادة من هذا الحكم:

يظهر هذا الحكم وغيره من الأحكام التي دأبت على إصدارها الدائرة الأولى بالمحكمة الإدارية العليا([1]) أهمية الدور الاجتماعي والإنساني للقاضي الإداري، فضلاً عن دوره الوطني الذي صبغ تاريخ القضاء الإداري في مصر منذ إنشاء مجلس الدولة المصري في عام 1946.

والحكم يكرس التزاماً دستورياً يقع على عاتق كل سلطات الدولة، وهو التزام فرضته المادة 16 من دستور 2014، بأن تكرم الدولة شهداء الوطن في الحروب والثورات الشعبية، وترعى المحاربين القدماء والمفقودين في الحروب وما في حكمها والمصابين في العمليات العسكرية والأمنية لمكافحة الإرهاب وأسرهم. وعلى الدولة أن تشجع مساهمة منظمات المجتمع المدني في تحقيق هذه الأهداف. فالمجتمع المدني شريك مع الدولة في الوفاء بالتزاماتها وواجباتها الدستورية والقانونية وليس خصما لها.

إذا كان الحكم قد صدر بخصوص شهداء الجيش المصري فى  حرب أكتوبر 1973، إلا أن خصوصية الحالة التي صدر فيها لا تحول دون شمول واجب التكريم كافة شهداء الوطن من المصريين والعرب الذين شاركوا جيش مصر فى تحرير أرضها من المحتل. فنراه يؤكد أنه "لا يمر يوم على مصر الكنانة إلا وينضم إلى قافلة شهداء الوطن علم جديد، وآلاف الشهداء يرفعون الرايات المعطرة بالدماء الذكية لتبقى راية الوطن عالية".  فيستوي في حق التكريم شهداء الوطن على مر التاريخ، سواء سقطوا في النضال ضد المستعمر الغاصب أو المعتدي الآثم أو في ثوراته – وفي القلب منها ثورة 25 يناير 2011 – 30 يونيه 2013. ويشمل واجب التكريم كذلك- فيما نعتقد- شهداء الوطن الذين سقطوا فى ميادين الشرف والبطولة دفاعا عن قضايا وطموحات الأمة العربية فى التحرر من المستعمر أو الغاصب أو المستبد، على الرغم من عدم إشارة الحكم إليهم لأنه يتقيد بالفصل فى النزاع المعروض على المحكمة.

إن تكريم شهداء الوطن يرسي قيما رفيعة ومبادئ عظيمة، تتمثل في الإيثار والفداء والقدوة والعطاء والوطنية والإنتماء، وهو ما يحصن الجبهة الداخلية ضد أي اعتداء في كل الظروف والأحوال، فتواجه الدولة بمواطنيها التقلبات والمؤامرات والأخطار الإرهابية بكل ثقة ويقين.

ولا ننسى في النهاية ما يؤكد عليه الحكم في عبارات قوية من لفت الأنظار إلى متطلبات الوفاء لشهداء الوطن بتحقيق الأهداف التى ضحوا بحياتهم من أجلها.

جوهر هذا الحكم التاريخي، المستفاد من مبناه ومعناه، من نصه وروحه، أن حق شهداء الوطن في الحروب والثورات الشعبية كما في مواجهة الإرهاب وغيره من الكوارث، هو حق دستوري في كافة صوره وأشكاله. وتكريم الدولة لشهداء الوطن ورعاية أزواجهم وأولادهم ووالديهم بكافة صور التكريم والرعاية ليس تفضلاً من الدولة ولا منة منها، بل هو التزام عليها، ممثلة فى كافة أجهزتها ومؤسساتها، تشاركها فى الوفاء بمتطلباته مؤسسات المجتمع المدني، وقد كان الحكم حريصا على تأكيد دورها فى حماية الحقوق والحريات فى زمن تنظر فيه بعض الدول للمجتمع المدني نظرات ملؤها الشك والريبة.

ولا يجوز لأي قانون ينظم هذا الحق للشهداء وذويهم أن يقيده بما يمس أصله وجوهره ولا أن يعطله أو ينتقص منه. ومن باب أولى لا يجوز لأي لائحة أو قرار إداري أن يعطل هذا التكريم أو ينتقص منه أو يفرغه من مضمونه.

 


([1]) جدير بالذكر أن هذه الدائرة هي التي أصدرت حكم تأييد بطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، تأكيداً لحكم محكمة القضاء الإداري في هذا الخصوص.