تفعيلا لدور الجمعيات المهنية للقضاة كقوة إقتراحية، قدم نادي قضاة المغرب مؤخرا مذكرة اقتراحاته بشأن النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والتي تتضمن الخطوط العريضة والمحددات العامة التي يرى ضرورة احترامها في بنود النظام الداخلي لهذه المؤسسة الدستورية ضمانا لنجاعتها، ولتجاوز السلبيات والشوائب التي كانت تعتري عمل المجلس الأعلى في الحقبة السابقة، والتي ساعدت مقتضيات النظام الداخلي السابق في وجودها.

منهجية إعداد المذكرة

انطلق مسار إعداد المذكرة قبل تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بتنظيم نادي قضاة المغرب عدة ندوات وطنية وأخرى جهوية لتسليط الضوء على هذا الموضوع. كان من بينها ندوة القنيطرة التي خصصت لموضوع حوكمة عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية[1]، وعرفت تقديم شهادات لأعضاء سابقين في هذه المؤسسة الدستورية حول طريقة عملها، الى جانب ورشتين بكل من مدينة مكناس[2]، ومدينة الدار البيضاء[3] من أجل تجميع أهم التصورات والاقتراحات.

مرجعية المذكرة

اعتمدت المذكرة أساسا على المعايير الدولية المتمثلة في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وخاصة تلك المحددة لمعايير وضمانات استقلال السلطة القضائية. كما قامت اللجنة العلمية التي اشتغلت على مشروع المذكرة بدراسة عدد من نماذج الأنظمة الداخلية المقارنة للمجالس العليا للقضاء في أوروبا- بلجيكا وفرنسا نموذجا.

إلى جانب ذلك، استندت المذكرة في مرجعيتها على الوثيقة الدستورية، وقوانين السلطة القضائية، كما أخذت بعين الاعتبار عددا من الوثائق المرجعية للنادي أهمها توصيات الدورة الأولى لمجلسه الوطني، والمذكرات التي سبق تقديمها بخصوص قوانين السلطة القضائية والتنظيم القضائي.

مضامين المذكرة

تضمنت مذكرة نادي قضاة المغرب عدة توصيات يمكن إجمالها في محاور أساسية:

أولا-تكريس مبدأ الشفافية والحق في المعلومة بشأن عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية:

من أهم التوصيات التي قدمتها المذكرة تدعيما لشفافية المجلس:

  1. إحداث مؤسسة الناطق الرسمي المكلف بالتواصل بإسم للمجلس؛
  2. وجوب الإعلان عن جدول أشغال دورات المجلس الأعلى للسلطة القضائية، سواء العادية منها أو الاستثنائية قبل انعقاد هذه الدورات بمدة كافية، مع الإعلان عن نتائج أشغال هذه الدورات بغرض إطلاع القضاة والرأي العام عليها، وذلك من خلال استعمال كل الوسائل الممكنة، بما في ذلك النشر بالجريدة الرسمية وبالموقع الالكتروني للمجلس وبالمحاكم.
  3. وجوب نشر جميع مقررات المجلس الأعلى للسلطة القضائية بصيغة متكاملة عوض الإكتفاء بإعلان منطوق هذه المقررات.
  4. وجوب نشر جميع التقارير والدراسات الصادرة عن المجلس والتقارير السنوية التي يصدرها .
  5. وجوب نشر جميع مجالات اشتغال المجلس بدءاً من نشر مقترح جدول الأعمال المعد من طرف الرئيس المنتدب للمجلس[4]، ومرورا بنشر مشروع الميزانية السنوية للمجلس، ولائحة مهام المسؤولية الشاغرة، وكذا الشروط المطلوبة، ولائحة أسماء المرشحين لمناصب المسؤولية، ولائحة الأهلية للترقية، وحاجيات المحاكم عند البت في طلبات الانتقال ولائحة القضاة الذين تم انتدابهم، أو تم إلحاقهم أو وضعهم في حالة استيداع أو رهن الإشارة، وطلبات تمديد حد سن التقاعد، وترتيب القضاة المتدربين خلال امتحان نهاية التكوين بالمعهد العالي للقضاة، وانتهاء بنشر جميع نتائج دورات المجلس فور المصادقة عليها.
  6. التنصيص على حق القضاة في الإطلاع الفوري على ملفاتهم الخاصة، المودعة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية بجميع مكوناتها تدعيما لمبدأ الشفافية، مع الحق في أخذ نسخ من محتوياتها، وبالشكل الذي يحفظ السرية وسهولة الولوج الشخصي للمعلومة عن بعد.
  7. التنصيص على حق ممثلي الجمعيات المهنية للقضاة في حضور اجتماعات المجلس الأعلى للسلطة القضائية كمراقبين، تكريسا لمبدأ الشفافية.

ثانيا-اعتماد الحكامة في عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية:

طالبت مذكرة نادي قضاة المغرب بضرورة تحديد اختصاصات الأجهزة المكونة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بما في ذلك جهاز الأمين العام للمجلس والمفتش العام... بشكل واضح ودقيق بما لا يتنافى واستقلال القاضي أثناء ممارسته لمهامه القضائية.

فضلا عن التنصيص على آجال محددة ومعقولة بشأن أشغال المجلس[5].

ثالثا-تكريس مبدأ تكافؤ الفرص والمعيارية في عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية:

طالبت مذكرة نادي قضاة المغرب بهذا الخصوص:

  1. ضمان الشفافية والنزاهة والتجرد والاستحقاق عند تدبير الوضعية الفردية للقضاة، سواء بمناسبة تعيين القضاة الجدد أو نقلهم أو ترقيتهم...،
  2. بخصوص الترقيات، تقييد الإعتماد على تقارير تقييم الأداء وتقارير المفتشية العامة للشؤون القضائية وتقارير المسؤولين القضائيين، بشرط صيرورة هذه التقارير نهائية، بعد استنفاد وسائل التظلم أو الطعن في مضمونها.
  3. اعتماد ضوابط موضوعية للبت في طلبات الإنتقال واعتماد مؤشرات رقمية تراعي الأقدمية العامة للقاضي، والأقدمية داخل المحكمة، والوضعية الاجتماعية، والوضعية الصحية. مع ضرورة التقيد بالرغبات المحددة في طلب القاضي المعني بالأمر، ومراعاة مبادئ النجاعة القضائية، والتخصص عند البت في الطلبات وكذا المؤهلات العلمية للقضاة، واعتماد تحفيزات تشجع القضاة على العمل في المناطق النائية.
  4. اعتماد معايير واضحة للقرب الجغرافي تفاديا لأي تأويل قد يفرغ باقي المعايير من مضمونها.
  5. التنصيص على مسطرة واضحة وشفافة بخصوص اختيار المشرفين على الأجهزة التابعة للمجلس (المفتش العام و الأمين العام للمجلس...)، وذلك من خلال اعتماد مسطرة الإعلان عن شغور المنصب والترشح له وإعمال مبدأ المباراة، وتكريس خيار تجديد النخب القضائية، مع لزوم اشتراط الممارسة الفعلية لمهمة القضاء، واحترام مقاربة النوع الاجتماعي.

رابعا-تكريس مبادئ المحاكمة التأديبية العادلة:

اقترحت مذكرة نادي قضاة المغرب عدة توصيات لتعزيز الضمانات الفعلية للمحاكمات التأديبية العادلة للقضاة وفق المتعارف عليه كونيا أهمها:

  1. إقرار علنية المحاكمات التأديبية تجسيدا لمبدأ الشفافية، وانسجاما مع المقترح القاضي بشر جميع مقررات المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
  2. تكريس الحق في الدفاع خلال مرحلة البحث والمتابعة التأديبية للقضاة، وذلك من خلال التنصيص على حق القاضي في الصمت، و في المؤازرة خلال سائر أطوار البحث والمحاكمة التأديبية بدفاع من اختياره دون قيد أو شرط.
  3. اقرار حق كل قاض موضوع بحث أو تحر من قبل المفتشية العامة للشؤون القضائية، أو موضوع متابعة تأديبية، في الاطلاع على كافة الوثائق المرتبطة بالمتابعة، وتسلم نسخ منها.
  4. وجوب البت في المساطر التأديبية للقضاة داخل آجال معقولة لا تتجاوز ثلاثة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة .
  5. عدم قابلية العقوبات التأديبية الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية للتنفيذ إلا بعد صيرورتها نهائية باستنفاذ طرق الطعن، مع تحديد أجل محدد للبت في الطعون لا يتجاوز ستة أشهر من تاريخ تقديم الطعن.
  6. التنصيص على إلزامية اتخاذ قرار العزل بإجماع أعضاء المجلس تحت طائلة استبدال هذه العقوبة بعقوبة أخف.

خامسا-على مستوى التنظيم الهيكلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية:

على المستوى الهيكلي للمجلس، اقترح نادي قضاة المغرب:

  1. التنصيص على تكوين جمعية عامة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، تتشكل من جميع الأعضاء المنصوص عليهم في المادة 115 من الدستور، تسند إليها وفقا للقانون الداخلي صلاحيات تعزز مبدأ الشفافية والتشاركية في اتخاذ القرارات.
  2. إحداث خمس لجان دائمة للمجلس، ويتعلق الأمر بلجنة تدبير الوضعية الفردية للقضاة، ولجنة الأخلاقيات، ولجنة الدراسات والتقارير، ولجنة تلقي شكايات وتظلمات المواطنين، ولجنة التواصل والإعلام، على أن يحترم في تكون كل لجنة التنوع الذي تعرفه تركيبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بأن تضم كل لجنة أعضاء منتخبين وأعضاء معينين بحكم المنصب، وأعضاء معينين من قبل الملك، مع اعتماد الآلية الديمقراطية في اختيار مكونات اللجان بعد استطلاع رغبات أعضاء المجلس، فضلا عن ضرورة أن تكون مدة عمل اللجان محددة بأجل قصير.

وبخصوص لجنة تلقي شكايات وتظلمات المواطنين المرفوعة ضد القضاة، اقترحت المذكرة أن يتم تنظيم عملها وفق ضوابط تحترم معايير استقلال القضاء، أهمها:

- عدم قبول الشكايات مجهولة المصدر، وضرورة أن تكون الشكاية إسمية وموقعة.

- عدم قبولالشكايات المتعلقة بالمواضيع التالية: تجريح القضاة؛ التظلم من قرار القاضي في الشق المتعلق بتفسير القانون؛ الأمور التي يمكن أن تكون موضوعا لطرق الطعن العادية وطرق الطعن غير العادية؛ الشكايات التي سبق البت فيها دون أن تأتي بجديد.

- أن تتوفر الشكاية على وقائع وقرائن واثبات.

وتجدر الإشارة إلى أن المادة 49 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية تنص على أن المجلس يضع نظامه الداخلي ويحيله قبل الشروع في تطبيقه إلى المحكمة الدستورية للبت في مطابقته لأحكام الدستور وللقانونين التنظيميين المتعلقين بالنظام الأساسي للقضاة وبالمجلس، وذلك داخل أجل لا يتعدى ثلاثة أشهر من تاريخ تنصيبه.

 


[1] -يتعلق الأمر بأشغال  ندوة "حوكمة عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية: رؤية استشرافية في ضوء مدونة السلوك القضائي والنظام الداخلي للمجلس"، نظمت من طرف المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بالقنيطرة يوم السبت 17 كانون الأول (دجنبر) 2016.
[2] -يتعلق الأمر بندوة : "تصورات حول النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية"، نظمت من طرف المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بمكناس، بتاريخ 31 مارس 2017.
[3] - يتعلق الأمر بندوة "النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية تكريس الاستقلالية ومأسسة الشفافية"، نظمت من طرف المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بالدار البيضاء، بتاريخ 12/05/2017.
[4] - المادة 56 من قانون المجلس الاعلى للسلطة القضائية.
[5] - من ذلك : آجال البت في القضايا التي تهم الوضعية الفردية للقضاة (كآجال البت في طلبات الانتقال/طلبات الترشح لتولي المسؤوليات القضائية أو الإدارية/ الترقيات/ القضايا التأديبية...)،