تعليق 1: صراحة شط الرملة أنا كلبناني ما بيعنيلي ﻷنو كل اللي بينزل عليه سوريين وفلسطينية وجية وقرف….عالقليلة بالمشروع الجديد بصير في فرص عمل وبيستفيد اللبناني منو أحسن ما يستفيد منو حاليا كل الجنسيات إلا اللبناني.

تعليق 2: شي بيضحك ما بكفينا السياسيين يلي بتحكي كذب لتجولنا انتو. أساسا آخر لبناني نزل على شط الرملة ببيروت كان سنة 1982 … إجا مين يعمل واجهة بحرية تشرفكم بطلو كذب وأفلام هندية …

 تعليق 3: والله في ناس بتضحك انو هيدا المشروع عم يتعدا ع المواطن وصار سرقة للوطن !!! ما انتو أصلاً مسروقين من قبل الوطن والزعما من زمان ما وقفت ع هيدا المشروع … في اشيا أهم فيكن اتطالبوا فيا وأساسية بحياتكن. ولا حياتكن واقفة عل الشط!! …

 

هذه بعض التعليقات التي وردت على صفحات التواصل الإجتماعي عقب تحرك 26 تشرين الثاني 2016 الذي دعت إليه مجموعات من الناشطين في لبنان إعتراضاً على مشروع الإيدن روك السياحي المنوي إقامته على شاطئ الرملة البيضا (آخر الشواطئ المتاحة للعموم في بيروت) وإستباحة الأملاك العامة البحرية التي كرّسها القانون كحق مشترك غير قابل للتصرف. تختصر هذه الآراء الأسباب التي دفعت بالبعض إلى عدم المشاركة بالتحرك السلّمي والتهكم به أو الإستخفاف بأهميته.

أن يريد البعض واجهة بحرية حديثة لبيروت ومشاريع تطويرية تخلق فرص عمل للشباب اللبناني هو أمر مفهوم. وأن يشير البعض إلى غياب ضروريات معيشية أساسية من حياة الشعب اللبناني ينبغي المطالبة بها أولاً هو أمر بديهي أيضاً. لكن هذا لا يبرر التقليل من شأن المطالبة المحقّة بحماية الأملاك العامة البحرية من الخصخصة والإعتداء المشرعن عليها، ولا يفسر الخطاب الثنائي في الحديث عن الموضوع.

المواقف المستعلية والمستسلمة في قضية الشاطئ اللبناني، كما أراها، هي بشكل كبير وليدة النمط الرأسمالي العالمي للإنتاج والسياسات النيوليبرالية المهيمنة التي تتحكم بواقع لبنان الإقتصادي والإجتماعي والثقافي منذ نهاية الحرب الأهلية. يرتبط النموذج النيوليبرالي للرأسمالية في لبنان إرتباطاً وثيقاً بنظام المقامات الذي، حسبما نشرته المفكرة القانونية في مقالات سابقة، يولي الإعتبار الأول ليس للكرامة الإنسانية والوحدة الوطنية، بل لمصالح الزعماء السياسيين والفئات النافذة. [1] فإن كان نظام المقامات قد إعتمد على بناء هشاشة المواطن ليتمكن من إخضاعه، فإن المزيج النيوليبرالي-المقاماتي للحُكم نجح في إنتاج أنواع متعددة من الظلم الإجتماعي والقهر: إستغلال وإذلال وتهميش وإفقار وإضعاف وإقناع الكثير من الناس بعجزهم.

بالأخص نجح هذا المزيج في تكريس تقسيم جغرافيا لبنان إلى مناطق نفوذ مرتبطة بطوائف وأسماء الزعامات السياسية، بما فيها المناطق الساحلية التي تغيّرت الكثير من معالمها بإسم التطوير السياحي والتنمية المناطقية. فخلال الحرب إنتشرت الإنشاءات المخالفة والتعديات على الأملاك العامة البحرية. ولم يختلف الحال بعد إنتهاء الحرب إذ راهن كبار المستثمرين في القطاع السياحي على قوتّهم وعلاقاتهم لإستباحة الشاطئ وخرق قوانين حمايته وإعادة تفصيليها بشكل قانوني يخدم مشاريعهم الربحية، التي غالباً ما تُسوّق على أنها تبتغي تحسين صورة منطقة ما وإيجاد فرص عمل لشبابها.

بالفعل، أوجدت الإستثمارات (الكبيرة والصغيرة) في قطاع السياحة الساحلية والترفيه فرص عمل للكثيرين. إلا إنها أدت أيضاً، في ظل غياب التنمية المحلية الإستراتجية والسياسات الإجتماعية-الإقتصادية الوطنية الشاملة، إلى تدهور الأوضاع المعيشية للعديد من الناس خصوصاً العائلات التي تعتمد على البحر والزراعات الساحلية لتأمين عيشها، وكذلك إلى مفاقمة الأذى البيئي الناجم عن سرقة الرمول ورمي النفايات الصلبة والملوثات وتصريف المياه المبتذلة في البحر.

من ناحية أخرى، نجحت صناعة السياحة والإستجمام في لبنان، كما في سائر الإقتصادات الرأسمالية، في التفنن في إنتاج وتسويق أماكن فريدة وسلع إستهلاكية حصرية تستهدف فئات المجتمع حسب دخلهم وأهوائهم وأذواقهم وحاجتهم وإنتماءاتهم. فساعدت بذلك، بطريقة مباشرة وغير مباشرة، في تغذية الفروقات الإجتماعية القائمة وتعزيز الخطاب الثنائي القائم على التمييز والتحيّز ضد الآخر. والآخر في هذا السياق هو في الغالب إنسان مختلف، هش، ومغلوب على أمره (كما هو حال اللاجئين الفلسطينيين والسوريين والعمال الأجانب)، يذكره البعض في مناسبات عدة لتأكيد تميّزهم وترفعهم عنه. فهو عكس ما هم عليه، يرتاد أماكن لا يرتادونها أو كانوا يرتادونها لكن توقفوا بعد أن ظهر فيها هذا الآخر. من هذا المنطلق، يرحب بعض اللبنانيين بفكرة خصخصة الشواطئ وإنشاء المنتجعات الأنيقة التي تليق بهم وتستبعد كل من هو غير أنيق ولائق من حسبانها.

هذا لا يعني أن كل رواد المسابح الخاصة ينظرون بفوقية إلى من لا يشبههم. فالمسابح الخاصة، كما يجادل البعض، أصبحت ضرورة في بلد يعاني من غياب الأمن والنظافة والبيئة الصحية السليمة عن معظم شواطئه العامة. هذه الجدلية، إن صحّت، ما هي إلا دليل دامغ على نجاح النيولبرالية في تحقيق ما تسعى إليه، وهو أن لا يكون هنالك أي بديل عنها. وعوضاً من مطالبة الجهات المعنية بإداء واجباتها والعمل تجاه الحفاظ على البيئة والطبيعة، يتقبل البعض فكرة خصخصة الأملاك العامة البحرية ويحتفون بها على أنها الحل الوحيد الممكن في بلد فشلت أو تقاعست فيه السلطات المسؤولة عن القيام بدورها الإجتماعي والوطني.

بالطبع، تقسيم البحر إلى أجزاء وربط هذه الأجزاء بفئات مجتمعية وممارسات إجتماعية محددة ليس أمر جديد. لقد وعى صانعو السياحة والترفيه في لبنان الفروقات الإجتماعية للمجتمع للبناني في وقت مبكر. فأخذوا، في تطوير المسابح الخاصة التي تستهدف الطبقات البرجوازية، أولاً في بيروت (في ثلاثينات القرن الماضي) وبعدها في مناطق ساحلية أخرى. لكن المسابح والمنتجعات الخاصة لم تعد حكراً على الأغنياء أو الفئات الأكثر ترفاً. فصناعة السياحة تسعى بإستمرار إلى إبتكار سلع تمييزية جديدة. وهي تستهدف بإزدياد ذوي الدخل المتوسط، بالأخص فئات إجتماعية كانت منسيّة أو غير مستهدفة في السابق. المسابح الخاصة بالنساء هي إحدى الأمثلة. فإذ حدّت القيود الإجتماعية والدينية من حرية الكثير من النساء من التمتع بالشاطئ والبحر على قدم المساوة مع الرجال، سعى صانعو السياحة والترفية إلى ملء الفراغ القائم. بالتالي، إستهدفوا المرأة الملتزمة وأوجدوا لها شواطئ خاصة بهدف إفساح المجال لها للخروج والتمتع بشيء من الحرية والراحة النفسية من خلال تعريض نفسها للشمس والهواء بمنأى عن أعين الفضوليين.

مما لا شك فيه أن المنتجعات السياحية والترفيهية الحديثة نجحت في إستمالة العديد من الناس من كافة فئات المجتمع. فهناك مثلاً عامل البناء السوري الذي يتكلم بإعجاب عن”خليج السان جورج“ (أو ”زيتونة باي“)، مكانه المفضل للتنزه. فهو في بيروت كما سابقاً في حلب، يرغب بإرتياد ”الأماكن الراقية“ ولا يبخل على نفسه وعائلته. وهناك العاملة المنزلية اللبنانية التي تتحدث ببهجة عن العشاء السنوي الذي تُدعى إليه في أحد المنتجعات الفخمة التي أُنشئت على شاطئ بلدتها. هذان الشخصان لا يمثلان المجتمع بأسره ولا هما بالضرورة من أكثر فئات الدخل المنخفض هشاشة. لكنهما لا يشكلان حالة خاصة أيضاً. هما، بطريقة ما، نموذجان عن ”مجتمع الصورة“ الذي نعيش فيه والذي طغى على علاقتنا ببعضنا البعض وبمحيطنا وطريقة عيشنا ولهونا وتمتعنا بالطبيعة، ونجح نجاحاً باهراً، من خلال البصريات والإعلانات والفن المعماري المعاصر والأمكنة الجذابة، في مخاطبة خيالنا وإغرائنا وحثنا على الدخول في عالم الإستهلاك، حتى ولو من باب الإستهلاك البصري فقط [2].

كيف نتعامل مع هذا الواقع؟ وكيف نستعيد ونُعيد تصور الشاطئ كحيز عام مشترك إذا أبقينا على الصور النمطية التي رسمناها عن بعضنا البعض، وبالتالي على المسافات المادية والإجتماعية والنفسية التي تفصلنا؟ وكيف نحقق العدالة الإجتماعية والبيئية إذا إستسلمنا لهيمنة الرأسمالية وإنغمسنا في مجتمع الصورة وقبلنا أن كل شيئ قابل للتسليع؟

معركة حماية وإستعادة الأملاك العامة البحرية هي بلا شك أبعد من القانون. في المجتمع اللبناني المفكك، يكمن التحدي الكبير في إمكانيتنا بتخطي الثنائيات المغلوطة بين فقير/غني، لبناني/ لاجئ وعامل أجنبي، حضاري/ غير حضاري وتجاوز القطبيات السلبية التي تفرقنا. همومنا بالتأكيد غير متساوية وأحلامنا وإهتماماتنا ليست واحدة، وليس المطلوب توحيدها أو التخلي عن إختلافاتنا. إلا أنه هناك الكثير من الأمور التي تجمعنا. منها حاجتنا الإنسانية إلى التفسح وإستنشاق الهواء النظيف والإستمتاع بالبحر والطبيعة. جميعنا نفخر إذا كانت الواجهة البحرية لمدينتنا جميلة وآمنة ونظيفة وحيوية ومتجددة. لكن التحديث الحضاري لا ينطوي فقط على بناء الأيقونات الهندسية والمشاريع السياحية الرائدة. ولا يعني تطهير الشواطئ من روادها الحاليين والقضاء على ما هو قائم عليها من نشاطات إقتصادية وإستعمالات وممارسات إجتماعية إيجابية. فهل نستطيع توحيد جهودنا في سبيل التصدي لسياسات الظلم والقهر المهيمنة التي تفتك بإرثنا الطبيعي والثقافي والإجتماعي وأن نرسم معاً تصورات خلاقّة لحفظه وتحسينه وصونه كحق مشترك لنا جميعاً وللأجيال القادمة؟

نشر هذا المقال في العدد 49 من مجلة المفكرة القانونية

…………………………..

[1] نزار صاغية، أبعد من الطائفية: لمن/ضد من ينبض قلب المدينة؟ المفكرة القانونية-  لبنان، العدد 32، تشرين الاول 2015.
[2] ”مجتمع الصورة“ (Society of the Spectacle) هي تسمية أطلقها المفكر الفرنسي  (1967) Guy Debordفي نقد الثقافة الاستهلاكية المعاصرة.