ثمة معركة بالغة الأهمية تجري في المحاكم، وبشكل خاص في مجلس شورى الدولة. معركة بالإمكان أن نسميها معركة المصلحة أو الصفة بالتقاضي. فكلما طعن مواطن أو مجموعة مواطنين (جمعية مختصة) بقرار إداري لإخلاله بالشرعية وربما بالدستور، بادرت "السلطة" (قد تكون الدولة أو بلدية أو شركة خاصة نافذة) إلى الطعن بصفة الجهة الطاعنة، بهدف ردّ الدعوى شكلا من دون حاجة للنظر  في تفاصيلها. وهي تزيد لجوءها إلى هذه الحجة بقدر ما تضعف حجتها في الدفاع عن شرعية قراراتها أو يكون دفاعها عنها مستحيلا وغير أخلاقي. فكلما عجزت هذه "السلطة" عن إقناع الرأي العام بصحة قراراتها، تتمترس وتنكفئ إلى الطعن بالصفة والمصلحة. ولسان حالها هو أنه ليس للمواطن/ين صفة أو مصلحة للدفاع عن الصالح العامّ، عن البيئة أو الملك العام أو حقوق المستهلك ... الخ.

فأي عمل منه في هذا الإتجاه يشكل تطفّلا على السلطات العامة التي تبقى هي وحدها صاحبة الصفة للدفاع عن الصالح العام، بالنيابة عن الناس كافة. ومن اللافت أن هذا الخطاب يجد من يقوله والأسوأ من يسمعه في زمن تنهار فيه مؤسسات الديمقراطية التمثيلية بالكامل، تبعا لتمديد ولاية المجلس النيابي مرتين أو أيضا بفعل قوانين انتخاب إقصائية بطبيعتها لأطياف واسعة من الناس. هذا من دون الحديث عن إنغماس غالبية الإدارات العامة في ممارسات المجاملة لكل نافذ والفساد.   

وهو كلام قيل في مواجهة الحملة الأهلية لحماية دالية الروشة في سياق دعوى المرسوم السري التي ما تزال عالقة. وهو قيل أخيراً في مواجهة الخط الأخضر في دعواه الشهيرة لحماية الرملة البيضا، في سياق مطالبة المجلس بالرجوع عن قرار وقف تنفيذ الأعمال في هذه المنطقة. كما تم إشهار حجة إنتفاء الصفة وقبولها من مجلس شورى الدولة في مجموعة كبيرة من الدعاوى، على نحو أدى إلى تحصين قرارات إدارية بالغة الخطورة.

في الإتجاه نفسه، تذهب المحاكم الناظرة في جرائم المطبوعات. فأي تعرّض لكرامة الشركات الكبرى معاقب عليه، حتى ولو ارتكبت إعتداءات جسيمة على الصالح العام أو الحريات الدستورية كالحرية النقابية. فلا صفة للمواطن أن يدافع عن الصالح العام لا أمام المحاكم ولا في وسائل الإعلام. وهو في جميع هذه الصور مواطن # متطفل، مواطن محكوم بالقوة.

مقدمة العدد 49 من مجلة المفكرة القانونية