قبل إقفال محل الخضار الذي يعود له في الضاحية الجنوبية، كان محمود (لاجئ سوري – 33 عاماً) وهو أب لطفلين، يعتمد على عائداته لتأمين لقمة عيشه وعائلته. وجهت البلدية لمحمود إنذارين لإغلاق محله. من جهته تجاهل الأمر، فلا حل آخر أمامه لإعالة العائلة. أخيراً، أغلقت المحل دورية لقوى الأمن الداخلي بالشمع الأحمر. ومنذ ذلك الحين، بات محمود عاطلاً من العمل، ويعيش على بعض المساعدات التي يتلقاها من ذويه. الواقع أن محمود لا يعلم إلا القليل عن قانون العمل في لبنان، حتى إنه لم يعرف السبب الرئيسي وراء إغلاق محله. والآن بعد مضي ستة أشهر، يسعى محمود لتأمين كفيل لبناني، أملا بتأمين عمل قانوني في لبنان. وهو يشير الى أن "تأمين كفيل يحتاج على الأقل الى مبلغ 500 دولار أميركي، وذلك عدا عن رسوم الإقامة التي تبلغ 300 ألف ليرة لبنانية".

ما واجهه محمود ليس استثنائيا، بل إنه جزء من حملة إغلاق مؤسسات تعود لسوريين تقوم بها البلديات، بالإضافة الى إلزام مؤسسات تشغل سوريين بصرفهم. فعلى سبيل المثال في منطقة الحدث في قضاء بعبدا (جبل لبنان) وبعد حملة مماثلة، يمكن لأي شخص أن يلاحظ أن عمال أحد مخابز الكعك المشهورة، قد استبدل كل عماله السوريين بآخرين لبنانيين. وقد تداول الإعلام قرارات البلديات عن بدء حملة إقفال المؤسسات التي يديرها سوريون. ومن هذه البلديات، بلدية عالية في جبل لبنان، وبلدية البيسارية في صيدا وبلدية الدكوانة في المتن وبلدية شقوت في كسروان، وبلدية الناعمة قضاء الشوف وغيرها.

أين التفويض القانوني؟

منذ بداية العام، عمدت بلديات عدة في لبنان الى اتخاذ إجراءات بحق اللاجئين السوريين[1] الذين يعملون ببعض المهن المحصورة باللبنانيين. فتقوم البلديات إما بطردهم، أو إغلاق المحال التي يديرونها. وتستند البلديات في ذلك على القرار1/41 الذي أصدره وزير العمل في 28 كانون الثاني 2017، والمتعلق بتحديد المهن المحصورة باللبنانيين الصادر في 28/1/2017.[2] في هذا السياق تؤكد البلديات، عند الاتصال بها، صلاحياتها في هذا الشأن. هذا في الوقت الذي يخلو فيه قانون البلديات من أي إشارة لتمتع هذه الجهة بصلاحيات تتيح لها تنظيم سوق العمل أو تقييد حق أي فرد بممارسته. فالواقع أن هذه الصلاحية تعود الى وزارة العمل التي تمارسها من خلال مفتشيها، لكن السلطات اكتفت بوضع البلديات بمواجهة العمال السوريين، دون رسم أي خطة لمواجهة الأزمة.

إذن هل فوضت وزارة العمل صلاحياتها الى البلديات؟ ووفقاً لأي سلطة تتصرف الأخيرة؟ حاولت المفكرة القانونية استيضاح هذا الأمر مراراً وتكراراً من وزير العمل محمد كبارة، غير أنه استمر بالتأجيل خلال الأسابيع الفائتة. والملفت في هذا الإطار أن القرار الذي تتذرّع به البلديات كسند قانوني لهذه الإجراءات هو القرار الذي يصدر سنوياً عن وزير العمل بهدف تحديد المهن المحصورة باللبنانيين، علماً أن القرار الذي أصدره الوزير كبارة جاء مطابقاً للقرار الذي أصدره الوزير السابق سجعان قزي في العام 2016 (القرار رقم 1/179) حيث منع السوريين من العمل في كل المهن والحرف المحصورة باللبنانيين باستثناء ثلاثة منها وهي الزراعة والبناء والبيئة. وتشير إحصائيات وزارة العمل التي حصلت عليها "المفكرة القانونية" أن الوزارة أصدرت 1567 إجازة عمل للمواطنين السوريين في العام 2016 (206 إجازات جديدة و1361 تجديد إجازة)، في حين أنها أصدرت 2150 في العام 2015 و1558 في العام 2014.

من جهته يوضح مدير "المؤسسة اللبنانية الديمقراطية لحقوق الانسان "المحامي نبيل الحلبي أن حصر المهن باللبنانيين وحده لا يفيد. إذ أن السلطة لا تقوم بوضع خطط من شأنها الاستفادة من العمالة السورية في هذه المهن. ويستذكر الحلبي مبادرة الاتحاد الأوروبي في السنوات الماضية لإنشاء معامل فرز نفايات في مناطق متعددة في لبنان. ويقول: "كان من شأن هذه المعامل، لو أنشئت، أن توفر فرص عمل كبيرة للسوريين، كونها تعتمد على الفرز اليدوي، خصوصاً وأن الوزارة قد حصرت عمالتهم في قطاع البيئة".

في سياق متصل، يرى الحلبي أن التجربة التركية كانت ناجحة في التعامل مع الأزمة، حيث لجأت "الحكومة التركية الى فصل اللاجئين الى قسمين. القسم الأول هم الأكثر هشاشة والأكثر حاجة الى الحماية والمساعدة، فتم تأمين مخيمات نظامية ومساعدات غذائية لهم".  أما القسم الثاني يقول الحلبي ف "كان للطبقة المقتدرة، إذ سمحت الحكومة التركية لهؤلاء بالاستثمار في البلاد، وذلك أدى الى تأمين فرص عمل جديدة من ناحية، والمساهمة في إنعاش الاقتصاد من ناحية أخرى". لكن "مع الأسف فإن الحكومة اللبنانية لم تسر في هذا الإتجاه إنما ذهبت الى المقارنة بين تجربة المخيمات الفلسطينية في لبنان وموضوع السوريين، في الوقت الذي لا مجال للمقارنة بين التجربتين". ويوضح أنه "كان بإمكان الحكومة اللبنانية أن تسمح بالإستثمار السوري في لبنان، فهم سوف يدفعون ضرائب مضاعفة"، كذا" ترغمهم الدولة على توظيف ثلاثة لبنانيين مقابل كل موظف أجنبي".

بلديات تقوم بـ "واجباتها"

في هذا الإطار، وعلى الرغم من عدم وضوح الوزارة لوجود تفويض صلاحيات قانوني يتيح للبلديات القيام بهذا الدور، فإن رئيس بلدية الدكوانة في قضاء المتن (جبل لبنان) أنطوان شختورة يعتبر أن "من واجب البلدية الإلتزام بكل قرارات وزارة العمل". وهو يذهب أبعد من ذلك بالقول إن “هذه الإجراءات هي من صلاحياتنا حتى من غير وجود تعميم من وزارة الداخلية". هذا ويضيف أن وزارة الداخلية طلبت منهم عبر البريد "إجراء المقتضى" إنفاذاً لقرار حصر المهن الذي أصدرته وزارة العمل ذلك بعد نشره في الجريدة الرسمية. من هذا المنطلق لقد "تم التحقيق مع نحو 70 مؤسسة تشغّل سوريين، وإغلاق نحو 20 مؤسسة يديرها سوريون في الدكوانة". هذا ويقول شختورة أن "بعض اللبنانيين يقومون بالاحتيال عبر تأجير محلاتهم الى سوريين والادعاء أنهم عمال لديهم، بينما الواقع هو أن السوري يقوم بإدارة العمل. في هذه الحالة نقوم بإقفال المؤسسة."

أما رئيس بلدية البيسارية في قضاء صيدا (محافظة الجنوب) نزيه علي عبد، فيوضح أن "عدد سكان البلدة اللبنانيين هو 4500، بينما عدد السوريين يصل الى 8000 نسمة"، مشيراً الى "حالة إرباك بين الأهالي والسوريين في المحلة". هذا ويناشد علي عبد الدولة اللبنانية المساعدة مقترحاً "أن تتخذ خطوة مع الحكومة السورية لتأمين ملاذ آمن لهم في سوريا". يضيف علي عبد أنه "تم إغلاق حوالي 33 محل يديرها سوريون، منها محلات سمانة وفروج وأدوات منزلية وخضار وغيره". كما أوضح علي عبد أن "هذا الإجراء هو لحماية السوريين كونهم يشكلون العدد الأكبر من الأجانب في القرية"، لافتاً الى أن البلدية “تفادت أن يتصادم أهالي البيسارية معهم في الشارع". ذلك أنه "في بلديات أخرى تم تكسير المحال التي يشغلها سوريون من قبل الأهالي". أخيراً يتضح من كلام علي عبد أن هذه الإجراءات هي حصراً تجاه اللاجئين، وليس السوريين الذين عاشوا في لبنان قبل الأزمة إذ قال: "هناك سوريون يديرون محالاً في البلدة منذ وقت سابق على الأزمة، ونحن لم نتعرض لهم...المشكلة الأساس تكمن باللذين لا يحوزون على إجازات تخولهم العمل".

أولاد اللبنانيات وأزواجهن

مفاعيل تعميم وزارة العمل انعكس حتى على أولاد الأمهات اللبنانيات وأزواجهن. إلى ذلك، حصلت عدة حالات طرد لموظفين من هذه الفئة من أعمالهم استناداً إلى قرار وزارة العمل، وذلك وفقاً لما أعلنت عنه حملة "جنسيتي حق لي ولأسرتي"، وهو ما استدعى الإعتصام من قبل الحملة أمام وزارة العمل بتاريخ 5 نيسان 2017.

في هذا الإطار أكدت منسقة الحملة كريمة شبو، أن "مفتشي وزارة العمل يقومون بتوجيه إنذارات الى العمال والعاملات من أم لبنانية أو المتزوجين من لبنانية، وهذه الإجراءات تصل إلى حد الطرد من العمل". هذا وأكدت شبو أنه "قبل التوجه للاعتصام، كانت الحملة قد اجتمعت مع وزير العمل مسبقاً والذي وعد بدوره أن تعمل الوزارة على تنظيم وتسهيل عمل أولاد وأزواج اللبنانيات، باعتبار أن لهم مع اللبنانيين أفضلية العمل."[3] هذا وأكدت أن "وزير العمل كان إيجابياً وقرر أن يعمم على مفتشي الوزارة باستثناء المولودين من لبنانية وأزواجهن". المفارقة أنه من بعد اجتماع الحملة مع وزير العمل، استمرت شكاوى المواطنين تصل إليهم. فقد لفتت شبو الى عدة حالات وثقتها الحملة، تم فيها توجيه إنذارات من قبل البلديات ومفتشي الوزارة إلى موظفين من هذه الفئات، وقد وصلت الأمور إلى حد طردهم من عملهم". فتروي عن امرأة متزوجة من أجنبي، تملك محلاً تعمل فيه مع زوجها وابنها. فقد قامت الوزارة مؤخراً بتوقيف الزوج والإبن عن العمل معتبرةً أنهم أجانب. حالة أخرى وثقتها الحملة، عن شاب يعمل في مؤسسة منذ سنوات في بيروت وهو إبن لامرأة لبنانية، وجهت إليه بلدية فرن الشباك إنذاراً بتسوية أوضاعه، تحت طائلة طرده من العمل. وقد وقّع شرطي البلدية الإنذار، وتضمن عبارة "بناءً على طلب وزير العمل". هذا وتؤكد شبو أن الشكاوى تصل من مواطنين يحملون جنسيات مختلفة، منها البريطانية والمصرية والأردنية والسورية" مشيرةً إلى أن قرار الوزارة ليس "حصراً بالسوريين كما يتداوله الإعلام".

وعن هذا الأمر، اعتبرت المحامية غيده فرنجية من "المفكرة القانونية" أن قوانين العمل لا تنصف المرأة اللبنانية بعد. فلا يزال أزواجها وأولادها يعاملون كالأجانب، ولا يزالون ملزمين بالإستحصال على إذن عمل من وزارة العمل إضافة الى إقامة مجاملة من الأمن العام. أما قرار وزير العمل الذي يصدر سنوياً، فهو يسمح في المادة الثالثة منه للوزير باستثناء أولاد اللبنانيات من المهن المحصورة باللبنانيين، إلا أنه يبقى عليهم أن يستحصلوا على إذن عمل للإستفادة من هذا الإستثناء.

 


[1]  لور أيوب، بلدية الحدث تلزم بطرد "لاجئين سوريين" من عملهم: "نطبق قرار الوزير"، المفكرة القانونية، 1 آذار 2017،
[2]  القرار رقم 1/41 الصادر عن وزير العمل بتاريخ 28/1/2017 يتعلق بالأعمال والمهن والحرف الواجب حصرها باللبنانيين فقط، نشر في الجريدة الرسمية العدد رقم 7 تاريخ 9/2/2017
[3]  وزارة العمل، الوزير كبارة استقبل المديرة الإقليمية لمنظمة العمل الدولية، 8 كانون الثاني 2017، https://goo.gl/qG6Uva.