"نحن لا ندمر المجتمع وإنما نسعى لبناء وطن، حيث  كل فئة من فئاته قادرة أن تعيش بأمان تحت سقف القانون والدولة. منذ بدأ الحراك المثلي في لبنان، تُوجه الى المثليين إتهامات عدة بأنهم يقومون بتدمير المجتمع اللبناني ولكن حقيقة، لم نسمع في مرة من المرات عن بلد دُمرّ لأنه تقبل الإختلاف، أو لأنه حارب التمييز ضد فئة معينة. ولكن بالمقابل سمعنا عن عدة دول تم تدميرها بسبب التطرف على أنواعه الديني والعنصري وغيره، كما أن هناك بلدان أصابها الخراب من جراء رفض الآخر ومحاربته".

هذه هي صرخة أطلقها أحد الأشخاص بإسم "مجتمع الميم" في لبنان (أي ذوي الميول الجنسية المثلية والمزدوجة والمتحولة والمتسائلين عن ميولهم). فلا يزال هؤلاء عرضةً وبشكل كبير للعنف سواء أكان ذلك من قبل السلطة أو من قبل المجتمع) بسب ميولهم الجنسية أو هويات النوع الإجتماعي، لا سيما في ظل وجود المادة 534 من قانون العقوبات التي تعاقب "المجامعة على خلاف الطبيعة" والتي لا تزال تستخدم لملاحقة ومعاقبة هؤلاء الأشخاص. وفي حين صدرت مؤخراً أحكام عدة عن قضاة منفردين جزائيين (آخرها عن القاضي المنفرد الجزائي في المتن، الرئيس ربيع معلوف) تؤكد أن المثلية ليست مخالفة للطبيعة، فهي لا تزال تشكل استثناءً.

وفي محاولة للحد من معاناة هذه الفئات المهمشة، أطلق بتاريخ 20/4/2017 التقرير السنوي الأول عن العام 2016 لمرصد إنتهاكات حقوق الإنسان (SOGIE monitor) المتعلق بمجتمع "الميم" في لبنان في فندق راديسون بلو، عين المريسة، بيروت. وقد جاء المرصد نتيجة تعاون بين مركز الموارد الجندرية والجنسانية GSRC في المؤسسة العربية للحريات والمساواة AFE وأربع منظمات شريكة هي: مركز للصحة الجنسية (مرسى) جمعية "حلم" (الحماية اللبنانية للمثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية)، الجمعية الطبية اللبنانية للصحة الجنسية LebMASH ومنظمة "موزاييك في الشرق الأوسط وشمال افريقيا للخدمات والمناصرة والتكامل وبناء القدرات". وهو كناية عن أداة توثيق آمنة عبر الإنترنيت بعنوان "مرصد انتهاكات  حقوق الانسان" SOGIE monitor".

ويهدف "السوجي" الى "رصد إنتهاكات حقوق الإنسان على أساس الميول والهوية الجنسية كمشروع تجريبي، كما توفير المتابعة و/أو الإحالة الى الجهات المتخصصة للحالات المبلغ عنها من خلال المساعدة القانونية أو المالية. فضلاً عن توفير الدعم الإجتماعي والنفسي لضحايا الإنتهاكات، من خلال الإستناد الى المعايير الدولية المستهخدمة في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان من ناحية الأسئلة والنظام والنهج والحفاظ على سرية المعلومات".

ويكشف تقرير الرصد بحسب الجهة المعدة "عن 65 حالة من الإنتهاكات الحكومية وغير الحكومية التي تم إبلاغ المرصد عنها خلال عام 2016. ومن الملاحظ بداية أنه لم يتم ذكر أسماء الضحايا احتراماً لخصوصيتهم وحماية لهم. وفي المضمون نجد أن اغلبية الإنتهاكات تمّ الإبلاغ عنها من قبل رجال مثلي الجنس (57%) ومتغيري/ات النوع الإجتماعي (34%). أما المتعرضين للإنتهاكات بحسب جنسيتهم فيوضح التقرير أن النسبة الأعلى كانت لأصحاب الجنسية السورية (40%) تليها اللبنانية (38%) من ثم 10% فلسطينية و12% جنسيات أخرى. أما موقع الأحداث المبلغ عنها فقد بلغت 54% في بيروت، 34% جبل لبنان و12% في مواقع أخى مختلفة. وسجل التقرير الإعتداء كنوع رئيس من الإنتهاكات بنسبة 28%، يليه التمييز 18% والتحرش 18%. وكان مصدر الانتهاكات الأعلى نسبياً هو المجتمع (34%) تليه السلطات الحكومية (17%) ومن ثم العائلة (14%). إلاّ أن الإحصاءات على أهميتها غفلت عن تحديد الفئة العمرية التي ينتمي إليها المُبلّغون.

كيفية التبليغ عن الحالات عبر السوجي مونيتور:

وقد تم إنشاء إستمارتين للإبلاغ عن حالات الإنتهاك: الأولى تستخدمها المنظمات غير الحكومية والثانية هي للأفراد. والمعلومات التي من المفروض تقديمها عبر المرصد تتناول عدة نقاط منها: تاريخ الحدث، متى بدأت الحادثة ومتى انتهت، شرح الواقعة مفصلة، عنوان محدد، عدد الضحايا. ولم تتطلب الاستمارة الفردية أية معلومات شخصية ومع ذلك تركت للمستخدمها خيار إعطاء معلومات للاتصال به/ا في وقت لاحق من قبل موظف التوثيق للإحالة أو المساعدة أو الدعم في حال احتاجوا إليه. أما الاستمارة الموجهة الى المنظمات والجمعيات فتكون مفصلة أكثر وتتطلب الحصول على موافقة الأشخاص المعنيين قبل إعطاء المعلومة.

حالات تعرضت للانتهاك:

الحالات التي جرى توثيقها تناولة أماكن عدة جرى فيها الإنتهاك بحق أفراد من مجتمع "الميم" منها تمّ أثناء الإعتقال، أو نتيجة التمييز والعنف الأسري، إنتهاكات ضد الأفراد المتغيري/ات النوع الإجتماعي، الإبتزاز الإلكتروني، الخطف، طلب اللجوء بسبب التهديدات والعنف، الإغتصاب، التمييز والتحرش، والإنتهاكات الحكومية والدولية.

إحدى الحالات المرصودة تناولت لاجئة سورية تعرضت للاغتصاب من قبل أحد الرجال، لكنها لم تبلغ عن الحادثة أولاً لأنها مثلية، وثانياً لأنها لا تملك أوراقاً قانونية. ففضلت أن تنزف وتتحمل وجعها والإذلال التي تعرضت له على أن تطلب معونة قضاء قد يقوم هو الآخر بظلمها أكثر.  

تناولت حالة آخرى، قصة شاب مثلي الجنس تعرف الى أحد الأشخاص عبر تطبيق إلكتروني مخصص للمثليين وجرى الحديث معه ومن بعد ذلك تم التعارف شخصياً، ثم وقعت مشكلة بينهما، فصار الآخر يبتزه بطلب المال وبات خاضعاً الى ما سيمى بـCyber bullying "البلطجة الإلكترونية" الأمر الذي إنعكس تضرراً نفسياً عليه ولكن لم يكن بمقدوره Hن يشتكي عليه خوفاً من أن يتعرض "لفضيحة" في مجتمعه.  

ومن الحالات المرصودة أيضاً، قيام قوى الأمن الداخلي بمداهمة شقة في منطقة الحمرا، كان يتواجد فيها أربع أشخاص: 3 من الجنسية السورية وواحد لبناني. ثلاثة منهم (بينهم اللبناني) كانوا متحولين جنسياً (trans-women) فيما الرابع كان مثلي الجنس. وبعد تعرضهم للتعذيب تم سوقهم الى مركز الإحتجاز. وفي حين تم إطلاق سراح المتحولة جنسياً اللبنانية في الملف في اليوم التالي، تم نقل السوريين الى مبنى العدلية لأنهم لا يملكون إقامة رسمية. ولأن أسماؤهم مسجلة لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تدخلت الأخيرة مع عدد من الجمعيات وأطلق سراحهم بعد نحو العشرة أيام.

وهذه الأمثلة كانت عينة بسيطة جداً من عدد كبير من الحالات التي وثقت وحالات أخرى ربما لم يتجرأ أصحابها على الإفصاح عمّا أصابهم خوفاً من النتيجة.

وتحدثت، خلال المؤتمر، المديرية التنفيذية لجمعية "سيدز" السيدة ريتا باروتا عن الشق القانوني والإجتماعي للإنتهاكات التي يتعرض لها مجتمع "الميم" فإعتبرت أن "شبح المادة 534 ق.ع. تعطي قوة للجاني علما أن الحق مع الضحية". وأن "المشكلة اليوم تكمن بأن الجاني أقوى من الضحية التي تشعر بأنها دون حق".

ورأت أن "أغلبية الحالات التي جرى توثيقها تبرز أنه بات لدينا ثقافة الإفلات من العقاب".  وأكدت أنه "في أي مجتمع كان [...]، تبقى حالات انتهاك حقوق الانسان مستمرة إذا لم يتم توثيقها ولا يتحقق فيها أي نوع من أنواع العدالة، الأمر الذي يؤدي الى الآتي:

  1. الشعور بالقمع الدائم،
  2. الجاني يشعر بأنه فوق القانون،
  3. الانتهاكات تتكرر،
  4. الشعور بتواطؤ الجميع،
  5. ثقافة عدم المطالبة بالحق وهذه الثقافة مستشرية بلبنان على مجمل الأصعدة".

وشددت على ضرورة "أن يكون هناك مشاريع توعوية، على مختلف الحقوق التي يتمتع بها المواطن اللبناني، سواء تلك التي أتت نتيجة المواثيق الدولية التي وقع عليها لبنان او حتى تلك الواردة في المواد القانونية".

وأوضحت أن ما يعيق الضحية من التبليغ عما تتعرض له عدة أمور منها: "شبح المادة 534، وطبيعة التحقيقات، والذي قد  يحصل مع المشتبه به أثناء التحقيق معه من إهانات وتعذيب إلخ. وهذا الأمر يظهر أن الدولة والمجتمع معا يفشلون في الحد من هذه الإنتهاكات، كما لو أنه يتم تشريع الإنتهاك وتقوية الجاني". وختمت إن "مشكلة الإفلات من العقاب يؤدي الى هذه الخلاصة، فالقاعدة هي الحرية والاستثناء هو التوقيف بينما نحن نعيش العكس".

أسئلة الحضور

وفي سؤال لأحد المشاركين ان كان يتم التأكد من صحة الشكاوى التي يتم التبليغ عنها. أجابت الناشطة النسوية مايا الحلو (إحدى المشاركات من بين الحضور) بالقول: "تاريخياً ضمن المنظومة المجتمعية اعتدنا على ما يعرف بـvictime blaming أي لوم الضحية، فيما يجدر بنا التشكيك بالنظام الذي أدى الى هذه الانتهاكات وليس الضحية وماذا فعلت. كما يجدر استثمار طاقتنا في البحث عن الجاني".  

وبسؤال إن لجأ أحد الضحايا الى الشكوى وإن كانت تتم متابعة دعواه في القضاء. أجابت المديرة التنفيذية لجمعية "حلم" السيدة غنوة سمحات بأن "الجمعية لديها شكوى لشخص تقدم بها ضد عناصر من قوى الامن الداخلي والامن العام، ويجري التحقيق بها. هذا الشخص هو لاجئ سوري كان موجوداً بلبنان وقام بوكالة لمحامي "حلم" لمتابعة قضيته بعد أن يسافر من لبنان مرفقة بالتقارير الطبية وخلافها".

وشددت على ان هناك أمر أهم من التقدم بشكوى وهو متابعة ما سيجري في المرحلة اللاحقة، وأعطت مثلاً قضية "حمام الآغا" وقالت: "عندما جرى توثيق نحو 30 حالة اعتداء تعرضوا للعنف داخل السجون، وتمّ فتح تحقيق بالموضوع، امتنع الضحايا عن الإخبار عن تجربتهم. اللبنانيون منهم خافوا من لوم محيطهم وتبعات أن تُكشف أسماؤهم. أما اللاجئين السوريين الذين لم تجدد إقاماتهم بعد الحادثة، فلم يكن بإمكانهم أن يتقدموا بشكوى أمام القاضي خوفاً من التوقيف والترحيل".

"في دراسة أجريت من قبل ايبسوس  في العام 2015 تبين أن أكثرية اللبنانيين وعلى الرغم من اعتبارهم أن المثليية الجنسية هي خارجة عن قيمهم، إلاّ أن أكثر من 80% منهم رفضوا أنواع العنف ضد المثليين". ولعل المرصد هو خطوة حقيقية لوضع حد للانتهاكات التي تطال مجتمع "الميم" وتنتقص من حقوقهم وتجعلهم يشعرون وكأنهم ليس مواطنين ينتمون الى هذا الوطن.