في الدعوى المساقة بوجهه، أدلى صندوق الضمان الاجتماعي بأنه ليس لاتحاد المقعدين اللبنانيين صفة للإدعاء، طالباً ردّ الدعوى لانتفاء الصفة والمصلحة. وهذه الحجة تتكرر عموماً في الدعاوى المقامة ضد المؤسسات العامة كلما كانت المدعية جمعية غير حكومية. فكأنما هذه الإدارات تسعى ليس إلى الحفاظ على الشرعية، إنما قبل كل شيء إلى رد الدعاوى المقامة ضدها بمعزل عن مدى صحتها.

وقد جاء قرار المجلس حاسماً في هذا المجال في اتجاه توسيع مفهوم الصفة والمصلحة، وعلى نحو يفيد رجوعاً عن بعض قراراته السابقة التي كانت ضيّقت من هذا المفهوم. فبعدما رأى أن للقاضي الإداري أن يوسع هذا المفهوم لمصلحة التقاضي توخياً لمصلحة المتقاضين ومراعاة لمبدأ الشرعية، أشار إلى أنه يبدي "تساهلاً ملحوظاً في نطاق قضاء الإبطال لجهة تقدير المصلحة التي أصبحت تتّسع لتشمل الضرر المعنوي إلى جانب الضرر المادي، كما والنتائج الضارة المحتملة على وجه أكيد كقرينة على جدية المراجعة، فيكتفي القاضي بأن يكون هناك إمكانية لحصول الضرر واحتمال إفادة الطاعن في المستقبل من إبطال القرار المطعون فيه، حتى ولو لم يكن من المؤكد أن إبطال القرار المطعون فيه من شأنه أن يكسب الطاعن نفعاً عاجلاً وأكيداً".

فضلاً عن ذلك، أخذ المجلس بالتوجهات الحديثة للإجتهاد الإداري في تقديره للمصلحة: فالمصلحة الشخصية التي أوجبها القانون يمكن أن تكون مصلحة فردية وخاصة، كما يمكن أن تكون مصلحة عامة أو مصحلة جماعية. وتكون المصلحة جماعية اذا قدّمت المراجعة من قبل هيئة تتمتع بالشخصية المعنوية، كالجمعيات والنقابات أو الهيئات المهنية، من أجل الدفاع عن مجموع المصالح المشتركة والجماعية للأفراد أو الأشخاص الذين ينتمون الى هذه الهيئة، أو عن الأهداف التي تتولى هذه الهيئة حمايتها، وذلك ضدّ القرارات أو الأعمال الادارية التي تطال غايات الجمعية أو أهدافها أو التي من شأنها المساس بالمركز أو بالوضعية القانونية لجميع أو لبعض المنتسبين اليها. وقد برّر المجلس توسيع مفهوم المصلحة في دعاوى إبطال القرارات الإدارية بحماية مبدأ المشروعية وسيادة القانون.

وفي ختام تعليله في هذا المجال، عاد المجلس واشترط أن يكون الطاعن في حالة قانونية خاصة بالنسبة للقرار المطعون فيه، من شأنها أن تؤثر تأثيراً مباشراً في مصلحة ذاتية له، وذلك تفادياً للدعوى الشعبية. وبذلك، يكون المجلس وسّع مفهوم المصلحة في المطالبة ببطلان القرارات الإدارية بحيث أعطى الجمعيات المتخصصة والمعنية حق المداعاة صوناُ لأهدافها، من دون إطلاقه.

وبذلك، خطا المجلس خطوة هامة في هذا المجال، تفتح الباب واسعاً أمام الجمعيات المختصة في قضايا عدة، وأهمها حماية البيئة أو مكافحة الفساد أو الدفاع عن استقلال القضاء، للمداعاة، متراجعاً عن الكثير من مواقفه السابقة والتي آلت إلى تحصين العديد من القرارات الإدارية، بما فيها من مخالفات كثيرة.[1]

نشر هذا المقال في العدد 48 من مجلة المفكرة القانونية

 


[1]  لمى كرامة، شورى الدولة يرد دعوى "الموازنة العامة"، المفكرة القانونية، العدد 38، أيار 2016، وقضية "المنطقة العاشرة": خطوة أولى لاستعادة الأملاك العامة المنهوبة؟ المرصد المدني لاستقلالية القضاء وشفافيته، المفكرة القانونية، العدد 43، تشرين الأوّل 2016.