خلصت دراسة حديثة أنجزها المركز المغربي لحقوق الإنسان حول موضوع "ظاهرة أطفال الشوارع في المغرب"[1]، الى أن الولادات خارج اطار مؤسسة الزواج تبقى من أهم اسباب تفاقم هذه الظاهرة.

أرقام مفزعة حول ظاهرة أطفال الشوارع

أظهرت الدراسة أن المغرب يشهد يوميا ولادة أكثر من 100 طفل مجهول الأب، يعدّ نصفهم مشروع أطفال شوارع، بينما "تشهد العديد من الأسر ظواهر تفكك عديدة، يمكن تقدير معدلها بأسرة واحدة جديدة من عشر أسر في السنة، يذهب ضحيتها بالدرجة الأولى الأطفال، ما يتسبب في القذف بهم نحو الشوارع، بلا معيل، وأحيانا بلا مأوى"[2].

الدراسة أكدت أن نحو 3 أطفال من 10 ينزحون إلى الشوارع ويمارسون الإدمان بكل أنواعه، نظرا لنشأتهم في أسر معوزة، إذ "يحرمون من مقومات التربية والرعاية السليمتين، في ظل منظومة تعليم عمومي مهترئة، ومشاكل اقتصادية جمة، ما ينجم عنه افتقادهم لشروط التحصيل المعرفي والتهذيب التربوي".

وأضافت الدراسة أن أطفال الشوارع يشكلون المصدر الرئيسي لظاهرة الإجرام المتزايد، وتبني مواقف متطرفة، و"يشكلون النسبة الأكبر من المتورطين في جرائم اعتراض سبيل المواطنين، وفي الفوضى التي تشهدها بعض الملتقيات الرياضية، وفي السقوط في أحضان الإرهاب، وكذا في ارتفاع نسبة حالات الانتحار في صفوف الشباب، وتعنيف وقتل الأصول"، مضيفا أنهم يكونون أكثر عرضة للانتهاكات الواسعة لحقوقهم، "ومصدر اعتداء ممنهج على كرامتهم، في ظل غياب شبه كلي لسياسة عمومية ناجعة للحد من هذه الظاهرة الخطيرة، التي تمس بمستقبل البلاد".

أسباب تنامي ظاهرة أطفال الشوارع

أرجعت الدراسة أسباب تنامي ظاهرة أطفال الشوارع بالمغرب إلى الوضع الاقتصادي لغالبية الأسر المغربية، وكذا انعدام روح المسؤولية لدى بعض أرباب الأسر، وتنصل الدولة المغربية من مسؤوليتها في هذا الاتجاه.

فضلا عن الاطار القانوني الحالي الذي يضعف المركز القانوني للطفل مجهول النسب ويعدم أي مسؤولية لأبيه الطبيعي تجاهه، في الوقت الذي يحمل فيه كامل المسؤولية للأم التي تتحمل على عاتقها ولوحدها آثار علاقة تمت بتوافق طرفين أحيانا أو نتيجة اغتصاب.

وما يزكي هذه الظاهرة وجود قانون يمنع الإجهاض الآمن في حالة الحمل غير المرغوب فيه أمام التأخير في مراجعة القانون الجنائي في اتجاه رفع التجريم عن بعض أنواع الاجهاض في حالات معينة[3].

مقترحات لمواجهة ظاهرة أطفال الشوارع

مراجعة مدونة الأسرة باتت أولوية في الوقت الراهن بسبب تعارض مجموعة من مقتضياتها مع دستور 2011 الذي أقر بمبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على القانون الداخلي. فنصوص المدونة التي وصفت حين وضعها سنة 2004 بالثورة الهادئة في سبيل انصاف المرأة المغربية وتمكينها، باتت اليوم متجاوزة بالنظر الى التحولات التي همت الأسرة المغربية، والثغرات التي كشفت عنها سنوات تطبيقها، في ظل استمرار التمييز بين البنوة الشرعية وغير الشرعية واستمرار تكريس التمييز ضد الأمهات العازبات والأطفال المزدادين خارج اطار مؤسسة الزواج[4].

وقد طالبت دراسة المركز المغربي لحقوق الإنسان الحكومة المغربية بإعداد دراسة ميدانية دقيقة، بهدف ضبط ظاهرة أطفال الشوارع، ووضع سياسة عمومية ديمقراطية وفاعلة من شأنها الحد تفاقمها، من خلال التركيز على معالجة أسبابها من المنبع، وتأمين ظروف ملائمة لحماية الأطفال وحماية الأسر المهددة بالتفكك، ودعم الأسر التي تفتقد إلى المعيل، وتنمية مهارات التربية لدى الفئات المعوزة، وتشجيع المشاريع الاقتصادية الصغرى لديها، باعتبارها منفذا وقائيا للأطفال". كما دعت منظمات المجتمع المدني إلى تكثيف جهوده من أجل بلورة مشاريع ومبادرات عملية، لإنقاذ الأطفال من الشوارع، وتنسيق جهوده مع المؤسسات الحكومية في هذا الشأن.

 


[1]- دراسة قدمت نتائجها بتاريخ 12/04/2017، بمناسبة اليوم العالمي لأطفال الشوارع.

[2]- لمزيد من التفاصيل حول نتائج هذه الدراسة، يراجع :

مركز حقوقي: ميلاد أكثر من 100 طفل مجهول الأب يوميا بالمغرب

[3]- حول مشروع مراجعة فصول  القانون الجنائي المتعلقة بالاجهاض، تراجع المقالات التالية المنشورة بموقع المفكرة القانونية:

 الاجهاض السرّي في المغرب

الديوان الملكي يحسم في مقترحات تقنين الاجهاض بالمغرب

[4]- تنص المادة 144 من مدونة الأسرة على ما يلي : "تكون البنوة شرعية بالنسبة للأب في حالات قيام سبب من أسباب النسب، وتنتج عنها جميع الآثار المترتبة على النسب شرعا". وتنص المادة 146 على أنه:"تستوي البنوة للأم في الآثار التي تترتب عليها سواء كانت ناتجة عن علاقة شرعية أو غير شرعية". كما تنص المادة 148 على أنه : "لا يترتب على البنوة غير الشرعية بالنسبة للأب أي أثر من آثار البنوة الشرعية".

لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع، أنظر:

-أنس سعدون: النسب الناتج عن الخطبة، مكتبة دار السلام الرباط، الطبعة الاولى 2013، ص 22.