في نهاية العام 2015، وبعد أن أصدر وزير الداخلية قراراً بمنع فيلمها "لي قبور في هذه الأرض" الذي يوثق التهجير القسري خلال الحرب الأهلية، لجأت المخرجة رين متري إلى القضاء للطعن بهذا المنع. ورغم طول أمد الإجراءات القانونية أمام مجلس شورى الدولة (وهي مستمرة منذ عام ونصف)، من شأن لجوء متري إلى القضاء أن يساهم في تحقيق أكثر من هدف:

أولا، إن الطعن بالمنع يهدف إلى الحفاظ على الحقوق المعنوية والمادية للمخرجة على الأمد الطويل. ففي حال النجاح، ستتمكن متري من عرض فيلمها أمام الجمهور اللبناني، وهو المعني الأوّل بما يطرحه الفيلم، كما ستتمكن من تأمين الموارد المالية الضرورية التي لا مجال لاستمرار عمل الفنانين من دونها. ومتري التي أنجزت فيلمها لأنها لا تستطيع "العيش من دون ذاكرة" مستمرة بإصرارها على عرضه في لبنان لفتح النقاش حول المخاوف الديمغرافية بين الطوائف والصراع على الأرض.

ثانيا، يؤدّي اللجوء إلى القضاء إلى إرغام الدولة على الكشف عن أسباب المنع وعلى مناقشة المواضيع التي كانت تود من خلال منع الفيلم حجب النقاش حولها. فقد أصبح اللجوء إلى القضاء الوسيلة الوحيدة لمعرفة أسباب المنع نظراً لعدم شفافية إجراءات الرقابة ولغياب التعليل في قرارات المنع الصادرة عن وزير الداخلية. فهكذا اكتشفت متري بعد لجوئها إلى القضاء أن الرقابة منعت فيلمها لأنه "تضمن مشاهد ورواية لأمور مثيرة للجدل القابل للتطور دون انضباط" ومن شأنها وفق الرقابة أن تؤدي إلى إيقاظ النعرات الطائفية. والملفت هنا أن مجلس شورى الدولة أصّر على الإطلاع على مجمل الوقائع وأسباب المنع وعلى فحوى الفيلم، من دون الإكتفاء برأي أجهزة الرقابة. وبذلك، فتح المجال أمام نقاش أكثر عدالة بين المخرجة والرقيب بشأن الفيلم وفق مبدأ الوجاهية، على نقيض ما يحصل أمام الرقيب أو عن تناول الفيلم في وسائل الإعلام من دون أن يكون للجمهور حق الإطلاع عليه. وعليه، تمكنت متري من مناقشة الدولة بمضمون فيلمها مع تمسكها بحقها بالتوثيق والحديث عن الأحداث التاريخية وذاكرة الحرب سنداً لحرية التعبير والحق بالمعرفة، وبحق الجمهور اللبناني بالإطلاع على أحداث الحرب الأهلية في ظل السياسة الرسمية في طمس ذاكرة ضحايا الحرب. ويذكر أن الرقابة كانت منعت أكثر من فيلم يوثق شهادات عن الحرب الأهلية، من دون أن يتسنى لأي من منتجيها أو مخرجيها فتح نقاش بشأنها أمام القضاء.[1]

ثالثا، يقدم الطعن فرصة للقضاء لفرض رقابته على الرقيب على نحو قد يؤمن حماية أوسع لحرية التعبير ويخفف من القيود عليها، وذلك إلى حين تعديل قانون الرقابة السينمائية الصادر في العام 1947 (أي منذ 70 عاماً). ويلحظ أنه قلما ما يطعن المنتجون والمخرجون بقرارات الرقابة السينمائية أمام القضاء رغم كثرة الإعتراضات عليها. وكان آخر منع طُرح أمام القضاء (والأوّل في زمن ما بعد الحرب الأهلية) تناول فيلم "بيروت في الليل" للمخرجة دانيل عربيد، حيث ردّ مجلس شورى الدولة الطعن، بعدما توسع في تفسير العبارات المطاطة التي تستند عليها الرقابة والواردة في قانون 1947.[2] وينتظر أن يؤدي تزايد اللجوء إلى القضاء بشأن الرقابة، إلى تمكينه من تطوير اجتهاده في هذا الخصوص في اتجاه توسيع مجال حرية التعبير وتضييق العبارات التي قد تحدّ منها، وبالنتيجة إلى صوغ ضوابط أكثر صرامة للرقيب. فالإمتناع عن محاسبة الرقيب يؤدّي إلى حصر تفسير هذه المبادئ الفضفاضة بأجهزة الرقابة التي غالباً ما تغلّب الإعتبارات الأمنية على الحريات الأساسية. ومن المتوقع أن يساهم القرار في قضية متري في الإجابة على سؤال جوهري في علاقة اللبنانيين مع السلطة في فترة ما بعد الحرب: "هل من المقبول وضع أي حديث عن ضحايا الحرب الأهلية وآلامها في خانة إيقاظ النعرات الطائفية؟" والأهم: "ماذا بشأن واجب التذكر استيعاباً للماضي وتجاوزاً له؟"

نشر هذا المقال في العدد 48 من مجلة المفكرة القانونية


[1]  على سبيل المثال: منعت الرقابة فيلم "شو صار" للمخرج دي غول عيد في العام 2010 والذي يوثق مقتل والدي المخرج وأخته والعديد من أفراد عائلته في مجزرة ادبل في قضاء عكار، كما إقتطعت أجزاء من فيلم "سمعان الضيعة" للمخرج سيمون الهبر في العام 2009 الذي يوثق عودة عم المخرج الى ضيعته عين الحلزون في قضاء عاليه بعد تهجيره منها خلال الحرب.
[2]  وهي أسباب الرقابة المحددة في المادة الرابعة من قانون العام 1947: 1) احترام النظام العام والآداب وحسن الاخلاق، 2) احترام عواطف الجمهور وشعوره واجتناب إيقاظ النعرات العنصرية والدينية، 3) المحافظة على هيبة السلطات العامة، 4) مقاومة لكل دعاوة غير مؤاتية لمصلحة لبنان.