من أهمّ أسباب وجود المفكرة القانونية هو الدفاع عن استقلال القضاء، ضماناً لحظوظ بناء الدولة في لبنان. وقد زادتها تجارب المراقبة والبحث إصراراً، بعدما تبدّت لها بوضوح الدرجة العالية التي وصلت إليها سياسة استتباع القضاء. ولهذه الغاية، أطلقت المفكرة مسارات ثلاثة متكاملة، ما زالت تحتاج إلى الكثير من التطوير:

الأول، التقاضي الاستراتيجي، أي نقل قضايا معينة إلى حلبة القضاء ضمن استراتيجية قانونية- إجتماعية أملاً بإحداث تغيير في المنظومة القانونية أو في الممارسات أو في الوعي الإجتماعي. وبالطبع، أول نتائج هذا المسار تحسيس المحامين والقضاة بقدرتهم على إحداث تغييرات إجتماعية على أكثر من صعيد، مع ما يستتبع ذلك من تغيير في فهمهم لطبيعة وظائفهم. فيستشعر المحامي أهمية دوره في تطوير النقاش العام حول مفاهيم المساواة والعدالة والحرية، والخروج عما ألفه من قواعد تقنية جامدة في اتجاه تعميق طرق تأويل القانون بالإستعانة إلى ما وصلت إليه المعاهدات الدولية والمبادئ القانونية والعلوم الإجتماعية. ويلاقيه القاضي في هذا المسعى، في اتجاه حماية الحقوق والحريات، مع ما يستدعيه ذلك غالبا من خروج عن تحفظه الإعتيادي في تفادي أي مجابهة مع أصحاب النفوذ SELF RESTRAINT. وبقدر ما تنجح المفكرة في بثّ الفكر الإجتماعي لدى المهن القضائية، بقدر ما يتعزز التواصل بينها وبين الفئات الإجتماعية التي تعاني من غبن أو تطمح للتغيير. فيزداد تحسّس المحامي والقاضي لدوره الإجتماعي تبعاً لتزايد إلتجاء الفئات الإجتماعية المذكورة إليه، ويزداد تحسّس هذه الفئات لأهمية القضاء بتزايد نجاحاته على الصعيد الحقوقي، فيزداد حماسها في الدفاع عن إستقلاله. ومن شأن هذا التفاعل الإيجابي أن يولّد دينامية اجتماعيّة قد تكون أحد المداخل الرئيسة لبناء الدولة.

الثاني، إنشاء مرصد لاستقلال القضاء وشفافيته. والهدف من هذا المرصد هو متابعة أعمال القضاة وتطويرها كمادة إعلامية، ولكن أيضا وبالأخص الكشف عن الحالات التي يبدر فيها تعرّض فاقع لاستقلال أي من القضاة أو المحامين. ومن شأن هذا الجهد أن يسهم في إيجاد بيئة مغايرة داخل القضاء: بيئة يشعر فيها القاضي أنّ الرأي العام شاهد على أعماله، بما يعنيه ذلك من تقدير ومساءلة، وأن كسب الثقة العامة هو كنز يتعدى من حيث أهميته مجمل المنافع التي قد يمنحها هذا النافذ أو ذاك.

أما الفصل الجديد والثالث، والذي انخرطت فيه المفكرة، فقوامه التباحث بشأن الإطار القانوني الناظم للقضاء ولمسارات القضاء، بما يوفّره أو لا يوفّره من ضمانات للإستقلالية والشفافية، والعمل على تحسين هذا الإطار على نحو يتماشى مع معايير استقلال القضاء. وبالطبع، العمل في هذا المجال يتطلّب نفساً طويلاً، في ظلّ تدهور القيم السياسية وتحوّلنا من ثقافة استقلال القضاء إلى ثقافة التدخّل في أعماله. لكن نأمل أن يؤدي تعزيز التخاطب والمعرفة في هذه الشؤون إلى جعلها أكثر حضوراً في وجدان الناس مما يجعلهم أكثر ميلا للدفاع عن استقلال القضاء ونزوعا عن المس به، وأيضاً في وجدان القاضي مما يزيده ميلاً للتمسّك باستقلاله.

ولإنجاز هذا العمل، تم اعتماد المنهجية التفكيكية، وهي منهجية تقوم على تقسيم المسألة المطروحة (إصلاح القضاء العدلي) إلى مجموعة من المسائل يتمّ طرح كل منها ومناقشتها على حدة وصولا إلى مقترحات الحلول المناسبة لحلها. ومن أبرز هذه الإشكاليات التي تختلف قائمتها على ضوء النقاشات الدائرة والمستمرة:

  • كيفية تكوين مجلس القضاء الأعلى،
  • التشكيلات القضائية ومبدأ عدم جواز نقل القاضي من منصبه دون رضاه،
  • صلاحيات مجلس القضاء الأعلى، تنظيمه وموارده،
  • طريقة تعيين القضاة،
  • التنظيم الداخلي للمحاكم،
  • كيفية تشكيل هيئة التفتيش القضائي وصلاحياتها، وكيفية تكريس مبدأي المحاسبة والشفافية،
  • تقييم العمل القضائي،
  • شرعة أخلاقيات القضاة،
  • الحقوق والحريات الأساسية للقضاة، وسبل مشاركتهم في إدارة الشؤون القضائية فضلا عن ضمانات مبدأ المساواة بينهم،
  • الوسائل التشريعية لحماية القضاة إزاء التدخَّل المباشر في أعمالهم،
  • أصول الملاحقات التأديبية والعقوبات التأديبية،
  • النيابات العامة،
  • التوزيع الجغرافي للمحاكم،
  • معهد الدروس القضائية،
  • الموازنة المخصصة للقضاء وكيفية إدارتها. 

وتخصص المفكرة للمحاور الأساسية جلسات عمل يشارك فيها أشخاص مختارون. وهي تنشر في نهاية العمل في كل منها ورقة بحثية تتضمن رسماً للوضع الحالي المتصل به وللإشكاليات التي تم توثيقها بشأنه، فضلا عن مقترحات حلول تتمثل في صياغة مسودة مقترحات قانونية في هذا الخصوص مع أسبابها الموجبة. كما تتضمن الورقة إشارة إلى أهمّ التطورات الأوروبية والإقليمية الناجحة. توزع بعد ذلك الورقة على 300 إلى 500 شخصاً أغلبهم من أصحاب الإختصاص (قضاة، نواب، وزارة العدل، نقابتي المحامين، محامين، أساتذة جامعيين...) طلباً لآرائهم. كما توضع عن هذه الأوراق نسخة إلكترونية على موقع المفكرة، تسمح لأي مواطن أو قارئ بإبداء رأيه بخصوصه. كما تعقد بخصوصها ندوة مخصصة للنقاش العام. ويتمّ درس الآراء والتعليقات الواردة إلى المفكرة للبحث في مدى ملاءمة الأخذ بها في الصياغة النهائية للمقترحات القانونية. وفي نهاية العمل على هذه المحاور المختلفة، تجمع المقترحات المختلفة لتؤلف المسودة الكاملة لمشروع قانون تنظيم القضاء العدلي.

وحتى اللحظة، أنجزت "المفكرة" عملها بشأن أربعة محاور. وقد نشرت على موقعها ورقتين بحثيتين عن تكوين مجلس القضاء الأعلى والتشكيلات والمناقلات القضائية، وستنشر خلال الأسبوعين القادمين ورقتين أخريين، عن صلاحيات مجلس القضاء الأعلى وموارده، وعن أخلاقيات القضاء. وهي تدعو جميع قرائها إلى تقديم مساهماتهم في هذا المجال، بالطريقة التي يرغبون بها.

 

نشر هذا المقال في العدد 48 من مجلة المفكرة القانونية