شكّلت قضية مشروع الإيدن روك/باي محط إهتمام كبير لدى الرأي العام والإعلام اللبناني. ومما لا شك فيه أن ذلك يعود لعدة عوامل، أهمها في كونها إحدى الدعاوى القليلة المتصلة بحماية الأملاك العامة البحرية التي تصل، ولو بشكل أوّلي، إلى نتيجة إيجابية. فقد فرض القضاء نفسه، في ثلاثة أحكام متلاحقة، كسلاح بأيدي الناس بمواجهة الشركات والمتمولين النافذين. وعدا عن أن مشهد استمرار الشركة المستثمرة بأعمال البناء بالرغم من القرارات القضائية القاضية بوقفها استفزّ العديد من المواطنين، فإنه أدّى إلى مضاعفة أهمية القضية: فبفعل هذه التصرفات، لم تعد القضية قضية حماية بيئة وشاطئ وحسب، إنما أصبحت أيضا قضية استقلال قضاء ومكافحة فساد. وسنعمد هنا إلى استخلاص بعض العبر من هذه التجربة.  

العبرة الأولى، الوصول للمعلومات، جزء أساسي من معارك الطعن بالقرارات الإدارية:

بالإمعان في تفاصيل القضية، نلحظ أن الوصول إلى المعلومات والوثائق شكّل إحدى الصعوبات الأساسية في هذه القضية، بحيث أنه تعين على الجمعية الطاعنة الطعن في الرخصة ضمن المهلة القانونية، من دون أن يتسنى لها الإطلاع على خرائطها، وذلك بفعل امتناع (محافظ بيروت) عن تسليم صورة عن هذا الملف لأشهر عدة. و صادف إقرار قانون الوصول إلى المعلومات بعد شهرين من تقديم الدعوى، وتجاوزاً لهذا العائق، وبانتظار أن يجيب مجلس شورى الدولة على طلب تكليف البلدية بإبراز ملف الرخصة، قامت الجهة المدعية بخطوات ثلاث: الأولى، الإتكال على النفس للاستحصال على أكبر كم من المعلومات من خلال الوثائق التي تكون متوفرة لدى المواطنين أو في محفوظات خاصة أو عامة (إفادات عقارية قديمة، صور جوية للعقار، وثائق تاريخية وخرائط قديمة).  الثانية، اللجوء إلى القضاء المستعجل للحصول على عدد من المعلومات وقد أدى ذلك إلى الحصول على ترخيص بالإستحصال على إفادة إرتفاق وتخطيط. والثالثة، المسارعة إلى تفعيل قانون الوصول إلى المعلومات من خلال توجيه طلب رسمي لمحافظ بيروت لتسليم الملف، سنداً للقانون المذكور. وفيما كلّف مجلس شورى الدولة في قراره الصادر في 6/3/2017 محافظ بيروت بإبراز هذا الملف، فإنه أبرزه مع حجب عدد من المستندات الهامة (التراجع، وإفادة الشقلات او إرتفاع العقار وخرائط موقعة من مساح لهذا الغرض والإحالات بين الجهات الرسمية). وقد عادت الجهة المدعية للمطالبة بالكشف عن هذه المستندات. هذا مع العلم أن ثمة مستنداً أساسياً يبقى محجوباً وهو محضر تحديد وتحرير الأملاك العامة الحاصل في أول الثلاثينيات والذي تحدد فيه حدود العقار، في ما يعتقد تعدياً على الأملاك العامة البحرية.

العبرة الثانية، تعزيز التواصل بين أشخاص متعددي الإختصاصات لحماية البيئة والأملاك العامة البحرية:

عدا عما تطلّبته القضية من تطوير المعرفة التقنية في العديد من المفاهيم الهندسية الواردة في قانون البناء والمراسيم التطبيقية له، فإنها حتمت إرساء تعاون وثيق بين مهندسين معماريين ومحامين وناشطين بيئيين وإعلاميين وباحثين جامعيين ومنظمات مدنية لمعالجة الجوانب المختلفة من القضية. وقد أدى هذا التعاون إلى رفع مستوى الدفاع عن القضية، شعبياً وقضائياً وإعلامياً على حد سواء. ويؤمل أن تمهّد هذه القضية لمأسسة هذا التعاون على نحو يجعل المجتمع أكثر جهوزية للتصدي لمشاريع مماثلة مستقبلاً، وربما للمبادرة إلى فتح المعركة الأكبر في اتجاه استعادة الملك العام المنهوب.

العبرة الثالثة، المفعول التراكمي للدعاوى المقامة لحماية البيئة والشاطئ: تطور الخطاب الحقوقي وتعميم التقاضي الاستراتيجي

فمن شاطئ عدلون في الجنوب، مروراً بدالية الروشة ووصولاً إلى شاطئ كفرعبيدا والميناء، القضية واحدة: حق المواطن بالأملاك العامة والولوج إلى الشاطئ، والمظهر نفسه: أبناء المناطق المختلفة يتظاهرون ويحتجون ويتهيأون بتنسيق متزايد مع منظمات حقوقية وبيئية وطنية، للجوء إلى القضاء. وقد نتج عن هذه الإعتراضات حتى الآن ثلاث دعاوى هي بمثابة الباقة الأولى في سياق استرداد المواطن لحقه بالتمتع بالبيئة والشاطئ. فإلى جانب دعوى الرملة البيضاء، كانت جمعية "الخط الأخضر" قد تقدمت مع جمعية "نحن" وبالتعاون مع "الحملة الأهلية لحماية دالية الروشة" و"المفكرة"، بمراجعة أمام مجلس شورى الدولة لإبطال المرسوم الذي آل في خضمّ حرب التحرير إلى تجريد البلدية من حقّ تملك 25% من أي عقار يراد إقامة منشآت عليه في المنطقة العاشرة من بيروت، وإلى إعادة ما كانت تملكته إلى المالكين من دون أي بدل أو تعويض. ونظرا لفداحته، قد بقي هذا المرسوم سريا ولم ينشر، مما أتاح للناشطين الطعن فيه رغم انقضاء 25 سنة من انتهاء الحرب. كما قدمت جمعية الخط الأخضر مع ناشطي الميناء وبالتعاون مع "المفكرة" دعوى أخرى أمام القاضي العقاري الناظر بقضايا الضم والفرز في الميناء وذلك طعناً بالقرار القاضي بضم أملاك عامة بحرية إلى عقارٍ خاص بحجة أن هذا العقار كان سقط سهواً ضمن الأملاك العامة (وهو العقار 220 / بساتين الميناء).

ويدلّ هذا المنحى التصاعدي للإعتراضات القضائية والحقوقية على المس بالشاطئ والملك العام والحاصل في عدد من المناطق، ليس فقط على تطور واضح في الوعي الإجتماعي لأهمية الأملاك العامة والبيئة، بل أيضاً على تطور ثقافة حقوقية في قضايا الملك العام. فهي لم تعد مسألة بيئية مطلبية أو احتجاجية بحتة، بل باتت أيضا وبشكل أكثر ظهوراً، مسألة حقوقية تنتهي في حال عدم الإستجابة لها، وبشكل متزايد وشبه تلقائي، باللجوء إلى القضاء. وهذا الأمر يؤدي عملياً إلى إبراز العوامل المشتركة في هذه القضايا رغم تبعثرها الجغرافي، ويشكل عاملاً محفّزاً لاعتماد آليات التقاضي الإستراتيجي فيها، مع ما يستتبع ذلك من مسؤولية على عاتق القضاة الناظرين في الدعاوى المقدمة أمامهم.   

ومن الطبيعي أن يشكل أيّ قرار قضائي إيجابي في أيّ من هذه القضايا، كما حصل حتى الآن في قضية الرملة البيضاء، حافزاً إضافياً لاعتماد هذا المسار ومحفّزا للقضاة في تطوير إجتهاداتهم لحماية البيئة والملك العام.

العبرة الرابعة، معركة استقلال القضاء والشرعية القضائية كلازمة في مجمل المعارك الحقوقية 

هنا نصل إلى "الدرس" الأخير. فكما سبق بيانه، ما إن صدر قرار قضائي مؤيد لمطالب ناشطي الرملة البيضاء حتى اتخذت المعركة منحى مختلفا، عنوانها الأول الدفاع عن الشرعية القضائية واستقلال القضاء، وغايتها وجوب تنفيذ الحكم القضائي. وقد بات الدفاع عن الشرعية القضائية ضرورياً ليس فقط لتحقيق المطلب البيئيّ إنما أيضاً للمحافظة على شعور الناشطين، والمواطنين عموماً، بإمكانية إحداث تغيير من خلال اللجوء إلى القانون والقضاء. وبذلك، استمرّت معركة تنفيذ القرار القضائي أكثر من شهر، وتطلّبت إقامة ثلاث دعاوى أمام مرجعين قضائيين مختلفين، كل ذلك في موازاة إصدار عدد من البيانات وتنظيم عدد من المؤتمرات الصحافية والإعتصامات والوقفات الإحتجاجية. كما وجهت الجهة المدعية كتابا دعت فيه رئيس الجمهورية ميشال عون إلى ممارسة دوره في حماية الدستور وبخاصة مبدأي استقلال القضاء وفصل السلطات، وألحقت الكتاب بعريضة وقعها أكثر من 1000 مواطن. وقد كان لهذه التحركات صدى في الهيئة العامة لمجلس النواب، حيث طالب النائب غسان مخيبر بتنفيذ القرارات القضائية حفاظا لهيبة الدولة والقانون.

وفي 21/3/2017، وتبعا لصدور القرار الثالث بتغريم أي مخالفة بمائة وخمسين مليون ليرة لبنانية، تلت الجهة المستدعية في مؤتمر صحافي بياناً أعلنت فيه الإنتهاء من معركة تنفيذ القرار القضائي، محذرة في الوقت نفسه من أي تدخّل في القضاء، بعدما نقل الإعلام عدداً من الشائعات والمقولات بهذا الخصوص.   

وتجدر الإشارة إلى أنّ التوسع على هذا النحو يكاد يصبح أمراً متكرراً في العديد من المعارك الحقوقية. نكتفي هنا بالتذكير بقضية تنفيذ قرار مجلس شورى الدولة بوجوب تسليم ذوي المفقودين ملف التحقيقات عملا بحق المعرفة (2014)، حيث رفع ذوو المفقودين يافطات تطالب باستقلال القضاء جنباً إلى جنب مع حقهم بالمعرفة[1]. الأمر نفسه حصل في فترة 2009 و2010 في إثر رفض المديرية العامة للأمن العام لتنفيذ القرارات القضائية الآيلة إلى وضع حدّ لممارسة التوقيف التعسفي بحق عشرات الأشخاص من اللاجئين العراقيين[2].

وتكرار هذا الأمر إنما يشكل مدعاة للتفكير ليس فقط في سبل ضمان جهوزية للدفاع عن الحقوق المنتهكة، ولكن في الآن نفسه في سبل ضمان جهوزية للدفاع عن استقلال القضاء.    

 

نشر هذا المقال في العدد 48 من مجلة المفكرة القانونية


[1] راجع: علاء مروة، تبعاً لتسليم ذوي المفقودين ملف التحقيقات: استعادة لبعض محطات القضية، المفكرة القانونية (أيلول 2014).
[2] راجع: سارة ونسا، قضية يسرى العامري: أو حين دافع إعلاميون عن قوة أحكام قضائية في لبنان، المفكرة القانونية (نيسان 2014).