"خائفٌ أنا. ليس من المرض ولكن أن أظل هنا وأموت بين جدران هذه الزنزانة البالية وأصبح فقط مجرد رقم في تعداد الموتى. كما أنا الآن مجرد رقم هنا، يرفض عقلي التفكير في أن أموت هنا بعيداً عنك يا أمي وإخوتي"

بهذه العبارة، اختتم السجين الشاب أحمد الخطيب ذو الخمسة وعشرون ربيعا، والمحكوم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات بتهمة الانتماء لجماعه الاخوان المسلمين، خطابه لوالدته في احتفالات عيد الام، بعدما علم انه مصاب بمرض الليشمانيا. تعود وقائع اكتشاف مرض أحمد لهذا المرض إلى تدهور حالته الصحية خلال الأشهر الأخيرة وفقدانه للوزن بوتيرة متسارعة. وكان التشخيص المبدئي يشير إلى اصابته باللوكيميا (سرطان الدم). ورغما عن حالته الصحية الآخذة في التراجع بشكل ملحوظ تعنتت إدارة السجن ورفضت إجراء الفحوصات الطبية اللازمة له. ولم يتبقى أمام أهله وأصدقائه إلا تدشين حملة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بهدف الضغط على وزارة الداخلية ومصلحة السجون من أجل اجراء الفحوصات اللازمة لتشخيص المرض. وبدأ العلاج المناسب له. وبعد عدة أيام من التدوين عبر منصات التواصل الاجتماعي، تم نقل اجراء الفحوصات الطبية لأحمد الخطيب وبالفعل صدر تقرير من قسم الباثولوجيا الإكلينيكية بمستشفى قصر العيني، يشير إلى أنه يعانى من ارتفاع في الحرارة، وتضخم في الطحال والكبد، مع فقدان في الوزن، ونقص كل مكونات الدم، وتبين من خلال فحص عينة بذل النخاع وجود طفيل الليشمانيا، وهو ينتقل عن طريق التعرض للدغ من حشرة ذبابة الرمل.

وأوصى التقرير بسرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة، لتلقي العلاج، موضحاً أن التأخير يؤدي إلى مضاعفات خطيرة قد تؤدي للوفاة، مع ضرورة عمل المسح الطبي للمنطقة للحد من إنتشار العدوى.

وعلى الرغم من صدور التقرير الطبي منذ يوم 18/2/2017 إلا ان ذوي المريض لم يستطيعوا زيارته حتى الآن، حيث قامت إدارة السجن بنقله إلى مستشفى الحميات، ومنعت عنه الزيارة. وتوجه ذويه لتقديم طلب للنائب العام بالإفراج الصحي عنه، ففوجئوا بأن مصلحة السجون لم ترسل التقارير الطبية للنيابة حتى الآن، ما يقف حائلا عن اتخاذ إجراءات الإفراج الصحي عنه.

وتبعاً لذلك، أصدر أهل الخطيب بيانا[1] ناشدوا فيه مصلحة السجون ورئاسة الجمهورية الإفراج الصحي عنه وذلك حتى يستطيع تلقى العلاج من مرض الليشميانا الحشوية، موضحين مدي حاجته للعلاج الفوري وفقا للمعايير والإجراءات الدولية لعلاج الليشمانيا والتي تستدعي متابعة حالته يوميا من قبل فريق متخصص وذلك لاحتمالية الإصابة بأمراض إضافية نتيجة لضعف المناعة المصاحبة للمرض.

وأوضحت الأسرة في بيانها أن علاج المرض يتم تحديده لكل حالة على حدة “individualized management”  وذلك لوجود أنواع وفصائل مختلفة للطفيل كل منها لها علاج مختلف ولهم تأثير مختلف على أعضاء الجسم. يتم تحديد طبيعة العلاج أيضًا بناء على مناعة المصاب وتأخر العلاج. وبعد العلاج الداخلي بالمستشفى، يجب المتابعة اليومية من خلال طبيب متخصص ووصف علاجات جديدة عند الحاجة.

وطالبت الأسرة لحين الموافقة على إصدار قرار بالعفو الصحي عنه، السماح لها باستدعاء أستاذ طب أمراض متوطنة من مستشفى القصر العيني على نفقة الأسرة لإبداء الرأي ومباشرة علاج أحمد في مستشفى الحميات، والتصريح بزيارة أحمد على الأقل بنفس معدل السماح له بالزيارة وهو قيد الاحتجاز في المستشفى، وتمكينها من توفير الغذاء يوميا له بمستشفى الحميات

أحمد هو إحدى الحالات المتكررة من بين مئات المرضى بالسجون المصرية، والتي تحتوي معدلات تلوث بيئي أعلى من المعدلات المسموح بها عالمياً[2]. فما يحدث مع المرضى في السجون المصرية، بداية من الإخلال بقواعد وإجراءات الوقاية اللازمة للحفاظ على الصحة العامة، ومكافحة العدوى بمقار الاحتجاز، ومرورا بامتناع إدارة السجون عن توفير الرعاية الصحية لهم، بالإضافة لكونه جريمة أخلاقية مكتملة، تستهدف تصفية المسجونين ونشر الأمراض المعدية بينهم، إلا أنه يمثل أيضا مخالفة صريحة لكافة القواعد القانونية المنظمة للسجون في مصر، والتي كفلها الدستور والقانون.

توفير الرعاية الصحية للمسجونين

يأتي الوضع المتردي الذي تشهده السجون المصرية ليعكس حالة تعامل النظام مع الوثيقة الدستورية واهداره لكافة الضمانات والحقوق التي احتواها الدستور بشكل عام. وكانت الوثائق الدستورية شهدت بعد الثورة تطوراً كبيراً في باب الحقوق والحريات ورسخت مجموعة من المبادئ الجديدة. من بينها ما نصت عليه المادة 65 من الدستور أن "السجن دار إصلاح وتأهيل. تخضع السجون وأماكن الاحتجاز للإشراف القضائي، ويحظر فيها كل ما ينافي كرامة الإنسان، أو يعرض صحته للخطر....". وقد انتهت هذه المادة إلى منح حماية مزدوجة لحقوق السجناء الأولى بحكم اعتبارهم مواطنين تنطبق عليهم نصوص وأحكام الدستور العامة، والثانية ناتجة عن من خضوع أماكن الاحتجاز للإشراف القضائي، وصيانة كرامة الانسان وحظر أي فعل يعرض صحته للخطر داخل السجون.

كما أكدت القوانين واللوائح المنظمة للسجون ذات المبادئ واستقرت عليها من قبل العمل بالدستور الحالي. فنصت المادة 45 من لائحة تنظيم السجون الصادرة عام 1956 على أنه يجب قص شعر المسجون واستحمامه بالماء الساخن والصابون عند إيداعه السجن وخلال مدة إيداعه فيه ما لم يقرر طبيا أو إداريا غير ذلك. كما قررت المادة (46) عند قبول مسجون بالسجن يوضع تحت الاختبار الصحي مدة (10) أيام لا يختلط خلالها بالمسجونين الآخرين ولا يؤدي عملاً خلال هذه المدة، والزمت إدارة السجن بإجراء الفحوص والتحاليل الطبية اللازمة له خلال تلك المدة للوقوف على حالته الصحية، ونظمت المواد  (47) و (48) و (49) إجراءات التعامل مع الامراض المعدية فنصت على أنه يجب على مأمور السجن إخطار الإدارة الطبية بمصلحة السجون ومفتش صحة الجهة عند إصابة مسجون بمرض مُعدي أو الإشتباه في ذلك، لاتخاذ كافة الإجراءات الصحية الوقائية والعلاجية الكفيلة بالحفاظ على حياته وأقرانه من المسجونين، على أن تطهر الغرف التي حصلت بها إصابة بمرض معدي، وقررت كذلك عزل المسجونين المصابين بأمراض معدية عن باقي المسجونين بأماكن منفصلة، ويعاملون معاملة خاصة من حيث الغذاء والنوم والرعاية الصحية وتخصص لهم الأواني والمفروشات اللازمة لإعاشتهم بعيداً عن المخصصة لباقي المسجونين، وعلى طبيب السجن التحقق من ذلك باستمرار.

الإفراج الصحي عن المرضى المسجونين

كما حدد قانون تنظيم السجون الحالات والقواعد الواجب للإفراج الصحي عن المسجونين حيث نصت المادة (36) من قانون تنظيم السجون على أنه لكل محكوم عليه يتبيّن لطبيب السجن أنه مصاب بمرض يهدد حياته بالخطر أو يعجزه عجزاً كلياً يُعرض أمره على مدير إدارة الخدمات الطبية للسجون لفحصه بالإشتراك مع الطبيب الشرعي للنظر في الإفراج عنه. وينفذ قرار الإفراج بعد اعتماده من مساعد الوزير لقطاع مصلحة السجون وموافقة النائب العام، وتخطر بذلك جهة الإدارة والنيابة المختصة.

ونظم القانون كذلك طريقة تعامل إدارة السجن مع أهل المسجون في حالة مرضه بمرض خطير فقررت نص المادة (37) إذا بلغت حالة المسجون المريض درجة الخطورة وجب على إدارة السجن أن تبادر إلى إبلاغ جهة الإدارة التي يقيم في دائرتها أهله لإخطارهم بذلك فوراً، ويؤذن لهم بزيارته.

سلطت حالة احمد الخطيب الأضواء على ملف الإهمال الطبي في السجون المصرية، الملف المفتوح منذ يونية 2013 بعد زيادة عدد المسجونين بشكل مبالغ فيه، مع ضيق ومحدودية أماكن الاحتجاز ما دفع وزارة الداخلية إلى إيداع الموقوفين في مقرات الأمن المركزي، والابقاء على موقوفين آخرين بالمقرات الشرطية دون نقلهم للسجون. لا يمثل ما يتعرض له احمد الخطيب سوى نموذج بسيط مما يتعرض له المواطنون المصريون في السجون. وربما كان أحمد الخطيب صاحب حظ وفير حيث استطاع ذووه أن يجعلوا من حالته محورا للرأي العام، فهو شاب صغير بالسن متعلم وسيم مما وفر له نصيبا وافرا من تعاطف الرأي العام الذي ساهم في الضغط على إدارة السجون من أجل تشخيص المرض. ولكن حتى كتابة هذه السطور لم يتمكن ذووه من زيارته ولم ترسل إدارة السجون التقارير الطبية لمكتب النائب العام.

لا تمثل حالة أحمد الخطيب سوى نموذج لمنهج مصلحة السجون في التعامل مع ملف الرعاية الصحية، الذي لا يعتمد ليس فقط على الاخلال بحقوق المرضى من المساجين بغرض التنكيل بهم، ولكن يرقو إلى درجة استخدام المرض كأحد أدوات التعذيب. يحدث ذلك في الوقت الذي يقع على عاتق مصلحة السجون إجراء مسح طبي للسجن للحد من العدوى، لتكون هي من يمتنع في توفير الرعاية الصحية للمريض، واجراء المسوح اللازمة.