"إتصالات كثيفة"، أجرتها شركة "ستيديو فيزيون" من هواتفها، وذلك على مدار 24 ساعة يومياً. سفارات ومستشفيات وفنادق وشركات تلقت اتصالات هائلة خلال سنتين ونصف. مثلاً السفارة الألمانية (4000 اتصال)، الأسترالية (2000 اتصال) والفرنسية (1391 اتصال) والأمريكية (1100 اتصال) خلال سنتين ونصف فقط.

 يقدم  رئيس مجلس إدارة ستديو فيزيون ميشال المر العديد من التفسيرات، أبرزها مسألة "إستطلاعات الرأي"، وبخاصة أن شركات الإحصاء ادّعت بخصوص تعاقدها مع ستوديو فيزيون أنها "لم تستثنِ أحداً من الشريحة اللبنانية، سياسيين، شركات، مستشفيات وغيرها". بإستثناء إحداها التي "إستثنت الأجهزة الأمنية فقط". إلا أن المر ذهب أبعد من ذلك، فعزا هذا العدد الهائل من الإتصالات ل "مئات الموظفين في الشركة ممن يقومون بالاتصالات". أو حتى أنه "ممكن موظف يدق لصديقته أو لزوجته". هذه كانت إذن أجوبة المر على  أسئلة القاضي المنفرد الجزائي في جديدة المتن ربيع معلوف، في إطار الجلسة التي خصصت للاستماع الى الشهود. حيث إكتفى القاضي بتوجيه بعض الأسئلة الى المر، مفضلاً منح الوقت الأكبر للإستماع الى أقوال الشهود.

"زبائننا أجانب"

في هذا الإطار، إستمع القاضي الى كل من الشركة اللبنانية للبدائل العلاجية على خلفية تلقيها 500 إتصال من رقم تابع لستديو فيزيون (04526000)، وفندق "بارك لاين" الذي يتلقى ما يعادل 33 إتصالا يوميا من الرقم نفسه.

توضح مديرة فندق بارك لاين أن "رقم المتصل لا يظهر عندنا، فإنه من الممكن أن ترد هذه الاتصالات إلى الزبائن". وتضيف "أن معظم هذه الاتصالات هي دولية من بلدان عربية، هناك أربعة موظفين على الإستقبال يحوّلون الإتصالات إلى الزبائن". بالمقابل تنفي أن يكون الفندق قد تلقى إتصالات من قبل شركات إستطلاعات رأي أو إحصاءات تلفزيونية. في السياق نفسه أنكر مالك الشركة اللبنانية للبدائل العلاجية أي علم له بالرقم المذكور أعلاه، نافياً وجود أي علاقة تجمعه بشركة "ستوديو فيزيون". واستغرب الرجل سؤال القاضي عن تلقيه "500 اتصال شهري من الرقم المذكور"، كونه لم يتلقّ "هذا العدد الكبير من الاتصالات بشكل عام، وليس من نفس الرقم بشكل خاص" مضيفاً أن "الشركة تتلقى 100 إتصال دولي كحدٍ أقصى شهرياً". وسبب هذه الإتصالات الدولية أنها "تسوق لمنتوجاتها على قناة فضائية عراقية "فقط لا غير". هذا الجواب يدحض إجابة المر في الجلسة السابقة لناحية تفسيره عدد الإتصالات الصادرة عن الرقم التابع له بشركة البدائل العلاجية "ربما تتعلق ببرنامج تلفزيوني على شاشة MTV".

"إحصاءات على مدار الساعة"

لناحية الشهود الثلاثة الآخرين، وهم المفوضين بالتوقيع عن كل من شركة "سوفريس ليبان" و"إحصاءات لبنان" و"آراء للبحوث والإستشارات"، وهي شركات تتعاون مع "ستوديو فيزيون" لإجراء دراسات إحصائية عن برامج الـ "ام تي في"، فقد أجمعوا على عدم معرفتهم للأرقام الهاتفية التي تم استخدامها في عملية الإتصال. وادعت الشركات الثلاث أنها عهدت بعملها إلى موظفي شركة "ستيديو فيزيون" للقيام بالدراسات، وذلك تحت إشراف موظفين تابعين لها. وحسب ادعاءاتهم، فإنهم يتصلون بذات الشخص أكثر من مرة شهرياً للاستفسار عن التغيرات التي تطرأ على أذواق المشاهدين. لكن الزعم بحصول إتصالات متكررة لا يبرر وجود مئات الإتصالات للشخص نفسه.

في الإتجاه عينه، كرر القاضي معلوف سؤاله عن سبب الاتصالات الكثيفة في أوقات متأخرة من الليل، مرات عديدة. وهنا يمرر وكيل المر، تبريره لهذا الأمر من خلال سؤال وجهه الى المفوض بالتوقيع عن شركة "سوفريس ليبان" فضّول فضّول: "هل يقوم موظفو الشركة بفعل ولائهم وبدافع الحماسة بالقيام باتصالات إضافية أكثر مما هو مطلوب منهم، وهم الذين يعملون 24 ساعة في اليوم؟" فما كان من فضول إلا أن وافق على التبرير فأجاب "ممكن يعملوها". هنا تدخل محامي الدولة مصطفى قبلان ليسأل: "هل هذا يحدث الساعة 2:30 ليلاً مثلاً؟"، فأجاب فضّول "ايه، في ناس بتجاوب".

تعاقد بالـ"المَونة"

من جهة أخرى، تدعو العلاقة القانونية بين ستوديو فيزيون والشركتين إلى طرح علامات إستفهام كثيرة. فاللافت هنا، أن رئيس مجلس إدارة "ستيديو فيزيون" ميشال المر، تعامل مع شركتين بعقود شفهية لسنوات. هاتان الشركتان هما "سوفريس ليبان" و"إحصاءات لبنان"، وقد تعاونتا مع المر مقابل خدمات إعلانية من دون تسديد أي مبالغ مالية، عدا عن أن الشركتين، لا تحتفظان بأي إستمارات أو تسجيلات هاتفية مع الزبائن. وأما الشركة الثالثة وهي "آراء"، فقد قامت بالتوقيع على "عقود كثيرة" أي "أكثر من عشرين عقداً" منذ عام 2010 على حد قول المر. كما أن الشركات الثلاث نفت إشتراطها تفعيل خدمة "الكلير"(تمنع ظهور رقم المتصل لدى المتلقي) على أرقام الهواتف التي استخدمتها في "ستيديو فيزيون".

في الإطار عينه، أشار فضول أنه لم يرتبط بأية عقود خطية مع المر. وأنه قام بعملية الإحصاء من خلال موظفة واحدة تدعى جويل أبو مجاهد، وهذه الأخيرة تركت العمل وسافرت الى الولايات المتحدة، فتابع فضول بنفسه المراقبة. وعما إذا كان فضول قد احتفظ بنسخ عن الاستمارات الإحصائية، أجاب: "مفروض الاستمارات على حواسيب "ستيديو فيزيون"، ما بعرف". كما أنه أوضح أنه اشترط بالاتفاق الشفهي بينه وبين المر أن يقوم بإطلالات تلفزيونية باسم شركته على تلفزيون الـ "إم تي في" كمقابل للدراسات الإحصائية. كم عدد هذه الإطلالات؟ يسأل القاضي. يجيب فضول: "سبعة أو ثمانية أو تسعة، مش ذاكر". يعيد القاضي السؤال طالباً رقماً واضحاً، يجيب فضول "تسع إطلالات". وأشار فضول الى أنه لا يعلم ماذا يحصل في الدراسات التي تجريها شركته، قائلاً: "لا أدري، ربما كانوا يستخدمونها لشركات الإعلانات".

أجوبة فضول لا تختلف بالمضمون عن أجوبة الموقع بالتفويض عن شركة "إحصاءات لبنان" ربيع الهبر. فوقف عاقداً يديه خلف ظهره حيناً، ومتمسكاً بأطراف سترته حيناً آخر. فأجاب الهبر على أسئلة القاضي، شارحاً أنه بدأ التعاون مع الـ "إم تي في" قبل إغلاقها في العام 2002، وعاد اليها بعد إعادة فتحها من دون تجديد العقود. وكان أساس التعاون تقديم خدمات إحصائية مقابل إعلانات لشركته، وموقع "ليبانون فايلز" الذي يملكه. وتم ذلك بالاستعانة بموظفي المر وهواتفه، وبإشراف "موظفين مياومين يصعب تحديد هويتهم" على حد قوله. "كان عليهم تأمين 1200 اتصال يومي بين الساعة الحادية عشر صباحاً والسابعة مساءً". هذا وقد لفت الهبر إلى أن الشركة المدعى عليها تستعمل نظام “Cisco” ما يرجح إمكانية وجود تسجيلات. وأشار الهبر إلى أنه "كان عندي مأخذ أن لا تكون داتا الاتصالات بحوزتي، فرفض المر أن أحوزها، وهذا كان موضوع خلاف بيننا". "متى حصل الخلاف؟" يسأل القاضي. فيجيب الهبر "في نيسان أو أيار 2015، مش مذكر، لكنه لم يكن خلافاً بل تباعد في وجهات النظر"، مضيفاً "لهذا السبب طلبت عدم نشر أي من الدراسات التي أجريتها".

تختلف شركة "آراء للبحوث والاستشارات" قليلاً عن الشركتين السابقتين. يؤكد المفوض بالتوقيع عنها إبراهيم عمّار أنه قام بالتوقيع مع الشركة المدعى عليها على عدة عقود مختلفة منذ العام 2010. لتقدم خدماتها بنفس طريقة الشركات الأخرى، لكن الفارق أنها تقدمها لقاء مبالغ مادية. إلى ذلك، تحتفظ شركة عمّار بالداتا الإحصائية، مع العلم أن القانون داخل شركته يضمن الحفاظ عليها لسنتين فقط. فأوضح في هذا الإطار أنه "إذا بدي ارجع لعام 2010 ممكن ما لاقي الداتا" مضيفاً، "كنا نرسل لـلMTV  النتائج فقط وليس الاستمارات". وهنا أمهله القاضي شهراً لإبراز ما لديه من استمارات ما بين آب 2012 وحزيران 2016.

شهادة أوجيرو

أجوبة شركات الإحصاء حول تكرار الاتصالات بالشخص نفسه لأكثر من مرة، لم تبرر الاتصالات الكثيفة لأرقام معينة في الشهر الواحد. فما من أحد لفت الى أنه يقوم بالاتصال 500 مرة شهرياً بالشخص عينه، أو بالشركة عينها، أو بالسفارة عينها، بهدف الإحصاءات.

من جهته، أشار رئيس قطاع الفواتير لدى هيئة أوجيرو ربيع الحوري، أنه "تمت دراسة جميع الخطوط الـ E1 في لبنان، من الأكثر استهلاكا الى الأقل". يقول: "لاحظنا أن "ستيديو فيزيون" يقوم باتصالات كثيفة جداً من الرقم 04-526000 (وهو خط من نوع E1) على مدى 24 ساعة في اليوم. وهذا الامر لم نلاحظه مع أي خط آخر". ويشير الى أن "هذا دعانا الى الشك بعمليات تخابر غير شرعي". كما يوضح الحوري أنه "تم قطع الخط التابع لـ "ستيديو فيزيون" لنحو ثلاثة أيام بأمر من وزير الاتصالات آنذاك بطرس حرب، فتبين لاحقاً أن الفاتورة تدنت من 40 مليون ليرة الى مليون ليرة".  موضوع الشك بكثافة الاتصالات كانت محل اعتراض عند وكيل المدعى عليه المحامي غسان زيدان، فتدخل بتقديم مقارنة بين اتصالات الشركة المدعى عليها ومصرف لبنان والمهجر. فقال: "إذا أردنا المقارنة بين اتصالات "ستيديو فيزيون" واتصالات بنك لبنان والمهجر، يتبين أن المصرف المذكور قام بالاتصال بـ 111.651 مشترك خلال سنتين في فرع واحد فقط". هنا رأى زيدان أن اتصالات ستيديو فيزيون طبيعية أمام هذه المقارنة. فكان جواب الحوري "إن حركة الاتصالات في الشركة المدعى عليها تجري بكثافة على مدار 24 ساعة في اليوم، وتمتد على مساحة كل الأراضي اللبنانية"، مضيفاً، "إن اتصالات مصرف لبنان والمهجر محصورة ضمن نطاق المدن الكبرى". في هذا السياق، طلب زيدان تقديم "كشف لعدد المكالمات لخطوط الـ E1  التابعة لمصرفي "عودة" و"لبنان والمهجر"، بهدف المقارنة لا التشهير".

هل تم هدر وسائل إثبات؟

أما تقنياً، فالآن لم يعد بالإمكان الكشف عما إذا كان قد حصل تخابراً غير شرعياً أم لا"، بحسب رئيس قطاع السنترال في أوجيرو المهندس أنطوان عون.  ويوضح في هذا السياق، أنه "كان يجب الكشف قبل قطع الخطوط، لأن الإثباتات التي تؤكد حدوث التخابر غير الشرعي، تمحى في دقيقتين".  وشرح عون أنه في لبنان ثلاث بوابات شرعية لاستقبال الاتصالات الدولية "رأس بيروت، العدلية والمنصورية". ويحدث التخابر الدولي عبر انشاء بوابة عبور غير شرعية بواسطة الانترنت باستخدام حواسيب خاصة تحتوي على نظام Voice over IP.  وهذه البوابات تسمح بتغيير الرقم أو تعديله أو إلغائه. وتحصل عمليات التخابر غير الشرعي بطريقة أخرى، عبر الـ REFILING  وهو الذي يتعلق بتعديل مسار الاتصالات، عبر المرور بدولة أخرى غير الدولتين التي يجري بينهما الاتصال، وذلك بهدف تخفيض الكلفة.

أمام هذه المعضلة، طلب محامي الدولة تزويد المحكمة بأرقام الهواتف التي استخدمتها شركة "ستيديو فيزيون" عندما تم قطع خطوطها. وذلك، لأن المر كان قد ادعى سابقاً أنه تم الاستعانة بهواتف الموظفين عندما قطعت الخطوط. فكان طلب قبلان، للاستيضاح إذا كانت الاتصالات تحصل بذات الوتيرة. الأمر الذي اعتبره زيدان أنه يتعارض مع خصوصية أصحاب الهواتف وأضاف، "هذا تبرير لعجز الدولة اللبنانية عن إثبات حدوث التخابر غير الشرعي". هنا رأى وكيل المر الثاني، المحامي ايلي الفرزلي عن "التخابر غير الشرعي مبني على منطق الشك". وأضاف "لتتنازلوا عن طلباتكم ودعونا نذهب إلى المرافعة"، الأمر الذي رفضه قبلان.

بانتظار أن يقدم عمّار نماذج عن مستندات توثق حدوث الاستمارات العائدة لشركة "اراء"، وتقديم أرقام الهواتف الخليوية من قبل المر، أرجئت الجلسة الى الـ 11 أيار 2017. وأشار القاضي الى إستدعاء رئيس فرع التحقيقات في أوجيرو للإستماع لإفادته.