أصدرت المحكمة الدستورية العليا بتاريخ 14/2/2017 حكماً بعدم دستورية الفقرة الاولى من المادة (71) من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة[1]، والبند رقم (1) من هذه الفقرة، فيما تضمناه من حصر إطار تطبيق أحكامهما على أداء فريضة الحج، دون زيارة بيت المقدس بالنسبة للعامل من الديانة المسيحية.

وتعود وقائع الدعوى إلى أن إحدى العاملات بنيابة المنصورة قد قامت بزيارة لبيت المقدس لأداء فريضة التقديس فى غضون عام 2007، بعد موافقة جهة عملها على منحها إجازة خاصة بذلك لثلاثين يوماً. وعند عودتها، فوجئت بقيام جهة الإدارة بأحتساب مدة الاجازة من رصيد إجازتها الاعتيادية. وإذ تظلمت من ذلك، حفظ تظلمها مما دفعها لإقامة طعن أمام محكمة القضاء الإداري، دافعة بعدم دستورية نص البند المذكور أعلاه لمخالفته نصوص المواد (2 ،8، 40 ،46 ،68) من الدستور الصادر 1971 المطبق وقت إقامة الدعوى الدستورية.

وبالرغم من أن  القانون المطعون بعدم دستورية أحد مواده قد ألغي بالقانون رقم 81 لسنة 2016 بإصدار قانون الخدمة المدنية ، إلا ان المحكمة قد قررت أن إلغاء النص التشريعي لا يحول دون النظر والفصل فى الطعن بعدم دستوريته من قبل من طبق عليهم ذلك القانون خلال فترة نفاذه وترتبت بنتيجة ذلك آثار قانونية بالنسبة إليهم.

أسانيد المحكمة الدستورية

قررت المحكمة أن مباشرة رقابتها القضائية على دستوريّة النصّ المطعون فيه تخضع لأحكام الدستور القائم[2]  دون غيره، باعتباره الوثيقة الدستورية الحاكمة للنزاع المعروض عليها، صوناً له وحمايته من الخروج على أحكامه باعتبار أن له مقام الصدارة بين قواعد النظام العام. وفي هذا الإطار، ذكرت أن الدستور التزم فى المادة (64)[3] منه على أن حرية الاعتقاد مطلقة، وعلى حق اصحاب الديانات السماوية فى إقامة شعائرهم الدينية.

كما تبين للمحكمة من خلال استقصاء النصوص الخاصة بحرية العقيدة فى الدساتير المصرية المتعاقبة[4] والإعلانات الدستورية الصادرة بعد ثورة 25 من يناير،أنها ألتزمت بمبدأ حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة ،لارتباطها الوثيق بالمواطنة التى اعتبرها الدستور أساساً لبناء الدولة. ومن أجل هذا، فإن حرية الإعتقاد من الحريات اللصيقة بشخص الإنسان التى لا تقبل انتقاصاً أو تعطيلاً بموجب نص المادة (92)[5]. ومن ثم لا يجوز أن يكون صون تلك الحرية لمن يمارسونها إضراراً بغيرهم، ولا أن تيسر الدولة -سراً أو علانية- الإنضمام إلى عقيدة ترعاها إرهاقاً للآخرين فى الدخول فى سواها، ولا أن يكون تدخلها بالجزاء عقاباً لمن يلوذون بعقيدة لا تصطفيها. وليس لها بوجه خاص إذكاء صراع بين الأديان تمييزاً لبعضها عن بعض.

وحيث أن الدستور قد أوكل للقانون تنظيم هذا الحق، بما لا يمسّ أصله أو جوهره، وهو القيد العام الذى وضعه الدستور على سلطة المشرع العادي فى تنظيم ممارسة الحقوق والحريات. وهذا ما ضمنته المادة 92 من الدستور.

المساواة أمام القانون

وفي نفس السياق، قرّرت المحكمة فى حكمها أن مبدأ المساواة أمام القانون قد ردّدته الدساتير المصرية المتعاقبة انتهاء بالدستور القائم الذى تناوله بالمادتين (4، 53). وقد رأت المحكمة أن مبدأ المساواة يمتد على جميع الحقوق التى يقرها القانون ويكون مصدراً لها . ومن ثم لا يجوز للقانون أن يقيم تمييزاً غير مبرر تتنافر به المراكز القانونية التى تتماثل فى عناصرها.

ونص القرار على أن التقديس ببيت المقدس من الواجبات الدينية للمسحيين التى أقرها المشرع ونص عليها صراحة فى المادة (53) من قانون العمل رقم 12 لسنة 2003[6]، وأن هذا الأمر يستتبع اعتبارها إحدى الشعائر الدينية التى أوجب الدستور على المشرع العادي كفالتها بحرية لأصحاب الديانة المسيحية. وقد نظم النظام القانونى عن طريق قانون العمل ممارسة وتطبيق هذه الفريضة بالنسبة لفئة من العاملين دون غيرهم من شاغلي الوظائف العامة، من خلال تقرير الحق فى الاجازة لممارستها، بأعتبارها أحد الحقوق المتفرعة عن الحق فى العمل والحق فى الوظيفة العامة، الذى كفل الدستور الحفاظ عليهما وحمايتهما. ومن ثم لا يجوز للسلطة التشريعية المساس بهذه الحقوق أو تعطيلها أو الإنتقاص منها وإهدار حقوق يملكها العامل، وعلى الأخصّ تلك التى تتصل بالأوضاع التى يمارس فيها عمله ويندرج تحتها حقه بالإجازة التى لا يجوز لجهة العمل حجبه عمن يستحقه. كما ينبغى عليها تمكينه من أداء فرائضه الدينية التى تقرها الاديان السماوية على أساس المساواة ودون تميز بين العاملين المتماثلين فى مراكزهم القانونية ومن بينهم المخاطبون بأحكام قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة ممن يتناولهم النص المطعون فيه. وعليه، يكون النص المخالف لذلك عدواناً على الحق فى العمل، والحق فى الوظائف العامة، والحق فى ممارسة الشعائر الدينية ،فضلا عن كونه متعارضاً لمبدأي المواطنة والمساواة اللذين كفلهم الدستور، بأعتبارهما أساساً لصيانة المجتمع ووحدته الوطنية.

وبناء عليه، قررت المحكمة أن النص المطعون الذى لم يتضمن تقرير الحق فى إجازة وجوبية للعاملين المسيحين لمدة شهر كامل، ولمرة واحدة خلال حياتهم الوظيفية لزيارة بيت المقدس، وقصر منحها على أداء فريضة الحج للعاملين المسلمين فقط، يكون مخالفاً للدستور. 

ويلحظ أن المحكمة رفضت دفع هيئة قضايا الدولة بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة، على أساس أن الحج لغة يعنى القصد، وأنه ورد بالنص المطعون فيه بصفة عامة مطلقة، بحيث يشمل الحج لبيت الله الحرام وزيارة بيت المقدس، وأن خطأ الجهة الادارية فى تطبيق النص لا يمثل عيباً دستورياً. وقد رأت المحكمة أن المشرع قد نص صراحةً على فريضة الحج منفردة باعتبارها ركناً من أركان الدين الإسلامى . ثم حرص حين أراد تقرير حق العامل المسيحي فى الإجازة لزيارة بيت المقدس على النص على ذلك صراحة بنص المادة (53) من قانون العمل ، ومن ثم تتوفر المصلحة الشخصية المباشرة للطاعنه. 

أثر الحكم بعدم الدستورية

وبالرغم من أن الحكم بعدم الدستورية يلغى قوة نفاذ النص التشريعى فيغدو معدوماً من الناحية القانونية، ويسقط كتشريع من تشريعات الدولة، إلا ان قانون العاملين المدنين بالدولة كان تم إلغاؤه أصلا بالقانون رقم 81 لسنة 2016 (الخدمة المدنية)، الذي تضمن عيوب التمييز نفسها الواردة في القانون السابق، لجهة تخصيص العاملين المسلمين بأداء فريضة الحج من دون التنصيص على حقوق العاملين المسيحيين بإجازة خاصة لأداء فريضة التقديس ببيت المقدس بنص المادة (52) منه.

ومن ثم، يقتصر مفعول الحكم بعدم الدستورية على الذين طبق عليهم القانون الملغى من العاملين بالوظائف العامة خلال فترة نفاذه. أما بخصوص أحكام القانون الجديد، من شأن الحكم أن يكشف العوار الدستوري الذي أصابه، مما يفرض على المجلس التشريعي تعديله ليجعله موائماً للدستور. ويكون للعاملين المسيحيين الذين تضرروا منه إقامة دعوى جديدة لإعلان عدم دستورية البند التمييزي المماثل الوارد في القانون الجديد.

مرفق رابط للحكم PDF   : http://www.cc.gov.eg/Images/L/374494.pdf

 


[1] - قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة رقم 47 لسنة 1978 .
[2] - الدستور الحالى لجمهورية مصر العربية هو الدستور الصادر بتاريخ 18/1/2014 .

[3] - تنص المادة (64) من دستور 2014 على أن " حرية الاعتقاد مطلقة. وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية، حق ينظمه القانون"
[4] - صدرت بمصر سبعه دساتير (دستور 1923 ثم دستور 1930، وحل محلهما دستور 1956ثم جاء دستور 1964، ثم دستور 1971 ، ثم الاعلان الدستورى الصادر بتاريخ 30/3/2011 ، اتبعه اصدار دستور 2012 ، ثم الاعلان الدستورى الصادر بتاريخ 8/7/2013 ثم دستور 2014 "الحالى" ) "
[5] - تنص المادة (92) من الدستور الحالى على أن" الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلاً ولا انتقاصًا. ولا يجوز لأى قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها "
[6] - قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 هو القانون المنظم لعلاقات العمل للعامليين بالقطاع بالقطاع الخاص . وتنص المادة 53 منه على أن " للعامل الذي أمضى في خدمة صاحب العمل خمس سنوات متصلة الحق في إجازة بأجر كامل لمدة شهر لأداء فريضة الحج أو زيارة بيت المقدس، وتكون هذه الإجازة مرة واحدة طوال مدة خدمته"