حالة من الشحن رافقت الجزء الأخير من المؤتمر الصحافي لنقابات المهن الحرة المحامين، والذي دعا إليه نقيبا المحامين في بيروت وطرابلس، وعقد في بيت المحامي في بيروت. وقد خصص المؤتمر لإعلان موقف النقابة من مشروع قانون الموازنة، وسلسلة الرتب والرواتب. الفتيل الذي أشعل النار في دم بعض المحامين، فأدى إلى ما أدى اليه من إحتدام، كان توجيه النقيب أنطونيو الهاشم الشكر إلى أطراف في السلطة في ختام بيانه، بينهم رئيس مجلس النواب نبيه بري واصفاً إياه بـ "المحامي الأول". وكذا إلى نواب المجلس.

إذن، عند توجيه الهاشم الشكر الى النواب، وقف المحامي علي برجي مقاطعاً النقيب عن إنهاء بيانه قائلاً: "هؤلاء (النواب) غير شرعيين ولا يمثلوننا، بل نحن المحامون من يمثل الشعب، ونحن الوسيط بين الدولة والشعب". ورغم محاولات النقيب حمل المحامي على الصمت، غير أن الأخير أبى إلا أن يسجل إعتراضه هذا. وما أن تابع النقيب بيانه، حتى عاد لمقاطعته المحامي واصف الحركة محاولاً إبداء وجهة نظره في ما يتعلق بـ"النواب غير الشرعيين"، فأتاه الرد "أستاذ واصف هيدا مؤتمر صحافي لنقيب المحامين، ما حدا غير نقيب المحامين بيحكي".

هذه الحركة الإعتراضية أنتجت مناوشات دارت، بمجرد إنتهاء المؤتمر، بين المحامين المعترضين والمحامين المتواجدين في القاعة. فإنقسمت الآراء بين مؤيد للمحامين، ومعترض على طريقة تسجيل المواقف. من بين أبرز المواقف، الموقف الرافض لوصف رئيس مجلس النواب على أنه المحامي الأول: "نبيه بري ليس المحامي الأول في لبنان". أما برجي، فبقي صوته يصدح في أرجاء القاعة مندداً بإعتراف النقابة بشرعية مجلس النواب. ثم تابع قائلاً : "العصيان المدني هو الحل والإعتكاف في باحات قصور العدل، والتعبير عن الشرعية الحقيقية". هذا وقد اضطرّ على التصدي لكل من حاول إسكاته بالقول: "ما حدا يبيض، بدنا حقنا وما حدا عم يعطينا، حدا يقلي أين حصانة المحامي؟".

في حديث مع المفكرة، تكلم برجي عن هواجسه وما يعانيه بسبب عدم شعوره بالدعم الكافي في نقابته. في هذا الصدد، يشير برجي إلى أن المحامين يتعرضون "للتهديد المادي والمعنوي من السياسيين". بالمقابل: "نحن نعاني من عدم إتخاذ النقابة الموقف المناسب في ظل الوضع الحالي في البلد". وهو ينطلق في كلامه هذا من تعرضه "شخصياً للتهديد بالسلاح"، الأمر الذي إستدعى منه السعي وراء إيجاد حلول لحماية عائلته. 

في الإطار عينه، إعتبر حركة أن ""دور المحامين أساسي، فالمحامي هو أهم شخص في الدولة عندما يدافع عن حقوق الناس". يضيف: "ليس دور المحامي أن ياتي ويشرح الميزانية، بل المطلوب منه أن يسجل موقفا". فهو يعتبر أن أي توجه آخر يعني "تبرير لمن هم في السلطة، ونحنا مش جايين لنتفرج". ويكون بذلك قد وجه إنتقاداً واضحاً لمضمون كلمة نقيب المحامين خلال المؤتمر، وللصيغة التي تعاملت بها النقابة مع المشكلة.  ينتهي حركة بالرد على ما أشير إليه لناحية أن النقابة ليست للكلام في السياسة "إذا في نقابة المحامين ليس لدينا الحق بإبداء رأينا". بمعنى أنه لو بات التعبير عن الرأي في النقابة مقيداً، ماذا بقي لباقي الساحات؟  

في المقابل، إعترض عدد من المحامين على ما حصل معتبراً أن "من أراد الإحتجاج يمكنه أن يتظاهر في الخارج" . كما قال محام آخر "المحامي تحت سقف النقابة، لا يجوز عليه تخطي النظام". من جهته  المحامي رفيق الحاج إعتبر أن "ما أدلى به النقيب هو بإسم كل المحامين"، مضيفاً إن "أي محامي يريد أن يتدخل بمسألة حقوقية، هناك لجان إختصاصية داخل النقابة عليه الرجوع اليها". وإعتبر الحاج أن "النقابة هي قائدة وموجهة للتحرك العام، والنقيب هو المسؤول ويمثل النقابة". وهو يستند في كلامه الى كون "النقابات الحرة جيرت له حق التكلم بهذا المؤتمر ولا يحق الإعتراض على أية كلمة قالها". في السياق نفسه، أكدت المحامية مها أحمد عثمان أنها "تؤيد النقيب بكل كلمة قالها، وأن المؤتمر للنقيب مش لحدا ثاني"، مضيفةً إن "المحامي يحكمه قانون المهنة ولا يجوز لأحد تجاوزه".

بيان النقابة

أمران أساسيان تمحور حولهما بيان النقابات الذي تلاه الهاشم: المساس بالـ"الضمانات المعنوية للقضاة"، والمساس بحقوق المهن الحرة منها المحاماة. وعن القضاء إعتبر البيان أنه "لا يجوز تضمين أي من النصوص ذكراً لصندوق تعاضد القضاة في عداد سائر الصناديق". يضيف الهاشم أنه "من غير الجائز إدراج نصوص تتعلق بالعطلة القضائية في معرض مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب. فللسلطة القضائية قوانينها الخاصة ولا يدخل القضاة في عداد الموظفين". كما يتوجب تأمين ضمانات إضافية "تشجع القضاة على الصمود وتحفزهم على المزيد من الجهد، في مقدمتها وضع قواعد ثابتة (...) تؤدي إلى تكريس مبدأ فصل السلطات وعدم المس بالحقوق المكرسة للقضاة".

وفيما كانت النقابة قد راسلت المحامين على خلفية إلغاء المادة 77 من مشروع قانون الموازنة، أي إلغاء كل "النصوص القانونية التي تجيز للإدارات العامة تحصيل مبلغ من المال لغير أشخاص القانون العام (أي لغير إدارات الدولة)". وهو ما يؤدي إلى حرمان النقابة من الموارد الضريبية التي كانت مكرسة كحق لها، مثال تحصيل نسبة الواحد في الألف من عن العقود العقارية من قبل الدوائر المختصة. وهنا لا بد من الإستطراد بالقول بالتذكير بالدور الذي يفترض أن تلعبه نقابة المحامين بما يتصل بالشأن العام على الرغم من كونها تنتمي إلى أشخاص القانون الخاص. فالأخيرة مثلاً هي الجهة التي تعمل على مأسسة نظام المعونة القضائية لتامين حق الإنتصاف، ما يؤدي إلى القول أن حرمانها من هذه الأموال، هو حرمان لفقير إضافي من حقه بالوصول الى العدالة. لناحية هذه المادة، أشار الهاشم أنه قد تم سحب هذه المادة من مشروع الموازنة. يبقى أن تؤكد الأيام القادمة هذا الأمر.

إلى ذلك، تكلم الهاشم تفصيلاً عن المواد التي تمسّ نقابة المحامين وسائر المهن الحرة. من بينها مثلاً "سقوط الضرائب غير المسددة بمرور الزمن، بحجة النقص تم تبرير ذلك بالنقص الكبير الذي تعاني منه الإدارة في ملاكاتها ويحول دون تمكينها من إتخاذ الإجراءات الآيلة لتفادي سقوطها". كذلك تطرق الى
" التعديل للادارة بإجراءات تبليغ المكلف بالضريبة، من خلال الاكتفاء بإرسال التبليغ اليه بواسطة الفاكس أو البريد الإلكتروني بدلاً من الآلية الراهنة أي الإشعار عن طريق التبليغ الشخصي والتوقيع على الإستلام" . وهو ما يشكل "مساساً بحقوق المكلف لجهة حقه بالإعتراض قبل مرور الزمن". بالإضافة الى مواد عديدة فندها أيضاً.

وقد سجل النقيب موقفاً مدافعاً عن حقوق المواطنين، الأمر الذي يصبّ في صلب الدور المتوقع من النقابة، وذلك عندما قال: "إذا كانت هذه الشركات أو المؤسسات غير قادرة على دفع غراماتها وضرائبها، الرافضين للسلسلة من السياسيين، يغضون النظر عن مصادر الفساد والهدر التي يمكن أن تشكل مصادر تمويل حقيقية دون اللجوء إلى جيوب المواطنين، ومنها الضرائب والغرامات على المخالفات الواقعة على الأملاك البحرية، ووقف التهريب الممنهج عبر المرافىء الجوية والبحرية، من تسديد غرامات التحقق والتحصيل، في وقت تمر معه الخزينة في ظروف حرجة وهي بحاجة إلى إيرادات. فهل من الجائز أن تلجأ الدولة إلى تهديد كاهل المواطن العادي بفرض ضرائب إضافية؟"