"وكثر صراخ الناس من الرجال والنساء وشنع ضجيجهم لفقدهم الخبز بالقاهرة وجميع أرض مصر، من دمياط والإسكندرية إلى قوص. وضجت عامة المدن والقرى والأرياف تكرر وصف المقريزى لمصر فى أزمة العيش سنة 1413 أثناء حكم السلطان المؤيد وذلك في عام 2017. فقد شهدت العديد من المحافظات المصرية احتجاج آلاف المواطنين بتاريخ 7/3/2017 اعتراضاً على قرار وزارة التموين بخفض كمية الخبز المدعوم المسموح ببيعها لغير حاملي البطاقات التمونية الذكية. وقد امتدت التظاهرات لتشمل قطع بعض الطرق الرئيسية بمدينة الاسكندرية ومسار القطار والترام مما أدى إلى وقوع اشتباكات مع الشرطة أثناء فض التظاهرات وإلقاء القبض على بعض المحتجيين بالإسكندرية.

وكان وزير التموين والتجارة الداخلية علي مصليحي قد أصدر توجيها وزاريا رقم 5 لسنة 2017 بتاريخ 2/3/2017 مفاده خفض حصة كل مخبز من المخابز البلدية العاملة بمنظومة الخبز الجديدة بكافة أنحاء الجمهورية من 2000 رغيف خبز مدعم إلى 500 رغيف يومياً كحد أقصى، المسموح للمخابز صرفها للمستفيدين من نظام (الكارت الذهبى) الممنوح لأصحاب المخابز. وبحسب هذا النظام، تمنح مديريات التموين أصحاب المخابز التابعين لها بطاقات إليكترونية تدعى (الكارت الذهبى) يصرفون بها أرغفة العيش للمواطنين الغير حاميلن لبطاقات تموين إلكترونية أو يحملون بطاقات متوقفة ويستعملون بدلاً منها بطاقات ورقية.

وكانت الحكومة قد استحدثت هذا النظام (منظومة الخبز) بالعام المالي 2014/2015 وقد أنهت به نظام دعم الدقيق للمخابز. وكان سعر رغيف الخبز وقتها خمسة قروش، واستبداله بدعم على كل رغيف خبز يسجل بالكروت الذكية ويباع للمواطن بـخمسة قروش. ويتم تعويض أصحاب المخابز من وزارة التموين عن فرق السعر بثلاثين قرشاً. وقد وصل سعر رغيف الخبز خارج منظومة الخبز 75 قرشاً، وينتج عن القرار وقوع الضرر على 75% من المواطنين المستفدين من الكارت الذهبى بعد تخفيض الحصة الخبز الممنوحة لأصحاب المخابز.

وقد برر الوزير قراره بالحفاظ على المال العام لفساد منظومة الخبز المستحدثة بالمؤتمر الصحفى الذى عقد بعد اشتعال المظاهرات اوضح به ( انه لا عوده عن القرار ، ولان يتم لى ذراعنا ، وان اصحاب المخباز البلدية يقومون بالاستيلاء على الخبز المدعم ،وانه سيتم اصدار البطاقات الذكية لحاملى البطاقات الورقية المعتمدة من مديريات التموين آخر مارس الجارى)  . ثم عاد وتراجع وألغى قراره بعد ان انحازت وسائل الاعلام الرسمية المتحدثه بأسم الحكومة للاحتجاجات.

وفى ذات السياق ما زالت نيابة الأموال العامة تحقق فى اتهام مسؤولي الشركة الخاصة بتشغيل البطاقات التموين الإلكترونية بالحصول على حصص دعم تقدر بمبلغ 200 مليون جنيه فى القضية رقم 15595 لسنة 2016، وقد انتشرت شائعات بيونيو الماضى بتسريب 11 ألف و700 بطاقة تموين من مديرية التموين بمحافظة الاسكندرية وعدم تسليمها لمستحقيها. ومع استمرار الفساد وتوغله بوزارة التموين ومديرياته بالمحافظات، يتحمل المواطن تبعات الفساد، فضلاً عن تحمله أخطاء الوزارة بعدم إصدار البطاقات الإلكترونية المتوقف إصدراها منذ 6 أشهر. وقد اتهمت وزارة التموين أصحاب المخابز بافتعال الأزمة بقول أحد مسؤوليها (هما اللى بيحركوا الناس علشان مصالحهم)[1] .

وأعادت أزمة الخبز الحالية إلى الأذهان انتفاضة الخبز 1977 وهي مظاهرات شعبية جرت يومى 18 و19 يناير 1977 بعدة مدن مصرية رفضاً لمشروع ميزانية الدولة واتخاذ إجراءات تقشفية ورفع الأسعار وبخاصة الخبز لتخفيض العجز بالموازنة بموجب اتفاق مع صندوق النقض والبنك الدوليين. وقد استمرت الاحتجاجات ىنذاك طوال يومين حتى رضخت الحكومة بقيادة الرئيس الأسبق محمد أنور السادات وتراجعت عن القرارات الإقتصادية بزيادة الاسعار.

ويبدو أن برنامج الإصلاح الإقتصادي الشامل التى تتخذه الحكومة سبيلاً للنهوض بالإقتصاد المصري يعمل بشكل ما على إفقار الموطنين عن طريق تحميلهم تبعات هذا البرنامج الذى وضع بالتنسيق مع البنك الدولي. ويمثل القرار عبءاً جديداً على  المواطنين على إثر ارتفاع التضخم السنوي وارتفاع أسعار السلع الغذائية، بعدما قامت الحكومة برفع اسعار الوقود بالتزامن مع تحرير سعر صرف الجنية المصرى مقابل الدولار. وقد أدى هذا الأمر الأخير إلى إنخفاض قيمة الجنية لأكثر من نصف قيمته. كما ارتفع معدل التضخم السنوي بيناير الماضي ليصل إلى 24.3% وهو ثاني أعلى مستوى له منذ 1992، بحسب بيانات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء[2]، وعلى إثر تسلم الحكومة المصرية الشريحة الأولى من قرض البنك الدولى والبالغ قيمتها مليار دولار فى سبتمبر 2016 .

ولتهدئة الإحتجاجات، قامت قوات الجيش والشرطة بتوزيع الخبز مجاناً على المواطنيين، ثم ألغى وزير التموين والتجارة الداخلية قراره، معتذرا من المواطنين الذين لم يتمكنوا من شراء الخبز.

 

 

[1] - خبر بجريدة اصوات مصرية بعنوان (اصحاب المخابز وراء افتعال أزمة الخبز http://m.aswatmasriya.com/news/details/73707   
[2] - خبر بجريدة مدى مسر بعنوان "التضخم السنوى عند ثانى اعلى مستوى له ربع قرن".