صادق مجلس الوزراء التونسي بتاريخ 25-02-2017 على إحالة مشروع قانون يعدّل القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء أعدته وزارة العدل لمجلس نواب الشعب. وبررت الحكومة طرحها لمبادرتها التشريعية بالحاجة "إلى تجاوز العراقيل والصعوبات العملية والقانونية التي حالت دون انعقاد أول جلسة للمجلس الأعلى للقضاء". وفيما أنّ نص المبادرة التشريعية لم ينشر بعد، فإن تسريبات إعلامية متعددة ومتطابقة تؤكد أنها تتصل بإجراءات الدعوة لانعقاد أول جلسات المجلس الأعلى للقضاء بما يسند صلاحية الدعوة لها لغير رئيس الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي بحكم شغور هذا المنصب من جهة وبما ينقص من النصاب القانوني المشترط لانعقاد الجلسات من جهة أخرى.

فرضت الحكومة بمبادرتها التشريعية على أعضاء المجلس الأعلى للقضاء ومن خلفهم القضاة وهياكلهم أن ينتقلوا من ساحة الفعل في أزمة انعقاد مجلسهم إلى خانة المفعول بهم الذين عليهم أن ينتظروا الحلول التي ستفرض عليهم بقوة القانون. ويبدو هذا الانتقال مآلا كان متوقعا باعتبار سوء إدارة أعضاء المجلس الأعلى للقضاء لخلافاتهم حول التعيينات في المناصب القضائية التي اقترحتها الهيئة الوقتية للإشراف العدلي واختيارهم وضع المجلس الأعلى للقضاء رهينة لصراعات عبثية حذرت المفكرة القانونية من مخاطر الإنغماس فيها طوال الأشهر الماضية.

كان ينتظر من القضاء التونسي الذي خاض معارك مشرفة من اجل فرض ضمانات استقلاليته أن يشكل القاطرة التي تجر القضاء العربي إلى فضاء الاستقلالية وكان يتوقع من قياداته أن تسعى لان تبرز في الممارسة قدرة القضاء المستقل على حسن إدارة مرفق القضاء. خيّبت حسابات هياكل القضاة واختيار جانب من أعضاء المجلس الأعلى للقضاء الإنخراط بشكل غير مباشر في الصراعات السياسية الانتظارات وفتحت المجال واسعا أمام السلطة السياسية للتدخل مجدداً في القضاء متذرعة بعجز القضاة عن إدارة أمورهم بمفردهم. وقد حرم هذا الأمر القضاء العربي من الإحتفاء بتجربة كان يؤمل أن تكون رائدة.

وتبدو عند هذا الحد خسائر صراع تركيز المجلس الأعلى للقضاء فادحة. ويؤمل أن يتنبّه أعضاء المجلس الأعلى للقضاء لخطورة المنزلق الذي وصلوا إليه، فيعقدون أول جلسات مجلسهم دون اشتراطات وقبل مصادقة المجلس التشريعي على مشروع القانون، بما يقطع الطريق على التدخل السياسي في شأنهم وبما يؤكد غيرتهم على استقلالية القضاء وقيمته الإعتبارية.