الجزء الأول: الروم والبدوي


خريطة انتقال الملكية في حيّي الروم والبدوي خلال السنوات العشرة الماضية

مقدمة

شكّل مشروع “أن نرسم بيروت من روايات مستأجريها” مبادرةً لنقاش إمكانيّات السكن في بيروت، وفهمها ضمن سياقاتها التاريخيّة والإجتماعيّة. كثيراً ما وُصفت بيروت بأنها ورشة بناءٍ دائمة. فالرافعات تشكّل جزءاً من أفق المدينة، سواءً على الساحل أو في قلب الأحياء السكنيّة. تعمّر هذه الورش الجديدة أبراجاً فاخرةً، تتشكّل غالبيتها من مبانٍ سكنيّةٍ راقيةٍ غير متاحةٍ إلّا لشريحةٍ صغيرةٍ من المجتمع. وقد أدّت هذه السياسات إلى الحدّ من إمكانيّة السكن في بيروت، وإخلاء العديد من الأسر منخفضة ومتوسّطة الدّخل من البيوت والأحياء التي لطالما عاشت فيها وإستمدّت سبل العيش منها.

في هذا المشروع، ننطلق من تجارب المستأجرين القدامى، ومسارهم السكنيّ، والمحاولات المستمرة لإخلائهم - سواءً عن طريق قانون الإيجار الجديد الذي صدر في شهر نيسان 2014 أو عبر عمليّات السوق العقاريّ وضغوطاته، لنروي تاريخ الحيّ من وجهة نظر قاطنيه. كما تتيح رواياتهم مراقبة تنوّع سبل الوصول إلى سكنٍ جديدٍ والهشاشة المرتبطة به. فقد أطلق قانون الإيجار الأخير سلسلةً من النقاشات حول الحقّ بالسكن، وسمح بممارسة المزيد من التهميش والعنف الإجتماعيّ والنفسيّ على المستأجرين القدامى. وأشارت تقارير عدّة أن الجهات الرئيسيّة الفاعلة في صياغة هذا القانون والمستفيدة الأولى من عمليات الإخلاء، هي حفنةٌ من المستثمرين والمطوّرين العقاريّين الذين لطالما إستفادوا من دعم السلطات العامّة والمحليّة. في ظلّ غياب أيّ ضوابط أو سياساتٍ لتأمين السكن اللائق والبدائل الميسَّرة، تنتقل الضغوطات والمشاكل المرتطبة بالسكن إلى المستوى الفرديّ، بينما تتواجد جذورها في نقصٍ وإهمالٍ من جهة الدولة. فاللوم ليس على الأفراد بل على خللٍ بنيويٍّ تتوجّب معالجته. على ضوء الواقع المذكور، يهدف المشروع إلى إعادة صياغة النقاش حول قوانين السكن، وطرح وجهات نظرٍ جديدةٍ إنطلاقاً من مفهوم الحقّ في المدينة، لمواجهة الضغوطات القائمة وإيجاد مساحةٍ لمناهضة السياسات المدينيّة الراهنة.

المشروع هو نتاج ورش عملٍ، خضنا من خلالها تجربةً جماعيّةً في البحث الميدانيّ والنقاشات التالية له. وتعرّفنا مع المشاركين والمشاركات عن كثبٍ إلى ستة أحياءٍ بيروتيّة، لنفهمها من خلال روايات سكّانها المستأجرين والمالكين القدامى. بحثنا في تاريخ تشكّل الحيّ، ملكيّة الأراضي، والمشاريع العقارية المخطّط لها فيه.


خريطة انتقال الملكية في حيّ الروم خلال السنوات العشرة الماضية

حيّ الروم

على العقار رقم 641 في شارع مار مخايل، قام بيت كلٍّ من السيدة المُسنّة جورجيت، أم ميشال وزوجها المُقعد، مدام حياة، عائلة السيّد ناصيف، عائلة أبو وحيد، والسيّد جورج. يضمّ هذا العقار ثلاثة مبانٍ صغيرةٍ كانت تسكنها هذه العائلات الستّ، أربعةٌ منها بالإيجار القديم وإثنتان كملّاك قدامى، بالإضافة إلى محل «غارو» في شارع مار مخايل الرئيسيّ. بنى المالك الأساسيّ القسم الأماميّ من العقار خلال الثلاثينيّات، ثم بنى خلال الخمسينيّات القسمَين الخلفيّين. بعد وفاته، تملّك العقار الورثة، وهم 11 شخصاً، إثنان منهم فقط يقيمان في العقار، وتحديداً في مبناه الأماميّ. في العام 2011، قام مستثمرٌ بإسم «شركة ميكالانج» بشراء أسهم المالكين غير القاطنين في المبنى، ما حاصر المالكَين القاطنَين، فإضطرا على البيع.

أخلت الشركة السكّان تدريجيّاً وحضّرت لمشروعٍ كبير. حجز المالك الجديد بيت جورجيت بالشمع الأحمر بعد وفاتها وقبل أن يتمكّن أولادها من الدخول إلى البيت وأخذ أغراضها. أمّا أم ميشال وزوجها، ومدام حياة، وعائلة السيد ناصيف، وعائلة أبو وحيد، والسيّد جورج، فلم يستطيعوا البقاء في الحيّ لإرتفاع أسعار السكن فيه، وإنتقلوا إلى خارج بيروت.

هذه قصّةٌ واحدةٌ ضمن قصصٍ عديدةٍ يشهدها شارع مار مخايل.

قبل العام 2006، كان مار مخايل شارعاً صناعيّاً على أطراف المدينة، يتراصف فيه النجّارون والإسكافيّون وأصحاب الحرف منذ العشرينيّات. قبل حوالي 10 سنوات، قصدت المطاعم والحانات والمعارض الحيّ لتدنّي الإيجارات فيه وحبّاً بطابعه العمرانيّ والإجتماعيّ الفريد. في العام 2014، تمّ إحصاء حوالي 50 محلّاً جديداً في الحيّ للمصمّمين والفنّانين، بالإضافة إلى أكثر من 70 معرضاً فنيّاً وحانة ومطعم.[1]

بنتيجة هذا التحوّل الإقتصاديّ، وبين عامَي 2007 و2015، إرتفعت أسعار الشقق في مار مخايل من 2100 دولار للمتر المربّع إلى 4000 دولار.[2]


التشكيل المكاني في  حي الروم ـ ٢٠٨ مبنى. أجيالٌ متعاقبةٌ من النازحين إلى المدينة وجدت في حيّ الروم سكناً مناسباً وقريباً من مكان عملها. منذ العام 2006، بدأت المطاعم والحانات تدخل إلى الحيّ وتحلّ مطرح الصناعات القديمة. وقد قصدته لتدنّي أسعار الإيجار فيه، وإعجاباً بطابعه العمرانيّ والإجتماعيّ الفريد. ما تسبّب برفع أسعار الأراضي في الحيّ بنسبة 200 في المئة، وتهجير سكّانه.

كان لهذا الإرتفاع في أسعار الأراضي أثرٌ كبيرٌ على الوضع السكنيّ في الشارع، بما فيه التلّة السكنيّة المعروفة بإسم حيّ الروم. فيه، وجدنا أنّ أغلبية المباني مملوكةٌ من عدّة ورثة، يتشاركون أسهم عقارٍ واحد. غالباً، يصعب على المالكين المتعدّدين أن يفرزوا ملكهم، بسبب إرتفاع كلفة رسوم الفرز. لذلك، يسهل على المستثمرين والمطوّرين العقاريّين إقناع مالكين بالبيع، خاصّةً ممّن لا يسكنون في الملك نفسه. ما يجبر سواهم على البيع، لا سيما من ذوي الحصص الصغيرة. ويجد العديد من المالكين القدامى في البيع ربحاً ماليّاً يضمن شيخوختهم، في ظلّ غياب أيّ ضماناتٍ أخرى. فمعظم سكّان هذا الحيّ (مالكين ومستأجرين) هم من أصحاب الدخل المتدنيّ. فلطالما إستقطب العمّال والنازحين من الريف بحثاً على العمل في بيروت.

تاريخيّاً، بقيت لهذه المنطقة أراضٍ زراعيّة حتى فترة الإنتداب الفرنسيّ، عند تأسيس السكك الحديديّة ومحطة قطار مار مخايل سنة 1891. نشاط الإرساليات الفرنسيّة، كالمدارس والمستشفى
والكنائس، جذب الكثير من سكّان المناطق المجاورة، كما لجأ الأرمن إلى الحيّ من مخيم الكرنتينا. بعد الإستقلال وخلال الأربعينيّات، كان مار مخايل قد تحوّل إلى شارعٍ تجاريٍّ وحرفيٍّ بإمتياز، إنتقلت إليه العائلات المنخفضة الدخل والعمّال، فباع بعض مالكي الأراضي الموازية للشارع أراضيهم أو أخلوا بيوتهم وأجّروها للوافدين الجدد من الأرياف، بينما إشتروا أراضٍ وإنتقلوا إلى التلال المحاذية في الأشرفية، مثل حيّ الروم. فأصبحت مار مخايل منطقةً سكنيّةً للفئات الإجتماعيّة المتوسّطة والفقيرة. وبعدما كانت مصيفاً للعائلات الثريّة، إستقبلت تلّة حيّ الروم بدورها الوافدين الجدد بدءاً من الثلاثينيّات، لمّا وصلها عمّال سكّة الحديد، والمرفأ، وموظفو شركة “كهرباء لبنان”، ومعمل البيرة. يروي مالكو العقارات في حيّ الروم أنهم، في البدء، إشتروا أراضٍ وبنوا بيوتاً قرب مراكز عملهم. لكن، خلال الخمسينيّات والستينيّات، راح مالكو الأراضي يضيفون طوابق فوق بيوتهم لتأجيرها إلى الوافدين الجدد. فصار الحيّ سكنيّاً بإمتياز، يكثر فيه الإيجار كوسيلةٍ للسكن.


على الرغم من وضع شارع مار مخايل قيد الدرس، تُمنح تراخيص الهدم من وزارة الثقافة ومحافظ بيروت بشكل متكرر، بحجة أنّ لا قيمة "معمارية" لهذه المباني. يتم الالتفاف حول إشكالية هدم هذا الشارع القديم عبر فرض شرط عدم هدم الواجهة الأمامية.

 

اليوم، بدأنا نشهد نزوح السكّان من الحيّ إلى خارج بيروت، وتحديداً المتن الشماليّ. وبالنظر إلى خريطة الملكيّة في المنطقة، يلاحظ عددٌ هائلٌ من حالات بيع الأراضي والعقارات، بعضها إحتوى سكّاناً من فئة المستأجرين القدامى. وتمّ نقل الملكيّة قبل صدور قانون الإيجارات الجديد، كما حالة العقار ٦٤١، ما يشير إلى مضاربةٍ عقاريّةٍ وربحٍ غير مشروعٍ للمطوّرين العقاريّين الذي يشكّلون الفئة الوحيدة من المالكين الجدد.


خريطة انتقال الملكية في حيّ البدوي خلال السنوات العشرة الماضية

حيّ البدوي   

جانيت هي من سكّان «كامب هاجين» في منطقة البدوي. تعيش على بُعد خطواتٍ من «كنيسة جورجيوس للأرمن الأرثوذوكس». بيتها صغيرٌ جدّاً، مساحته خمسةٌ وخمسون متراً مربّعاً، فيه صالون وغرفة نوم ومطبخ وحمّام. تسكن جانيت في هذا البيت منذ العام 2000 مع زوجها، لكنه توفي منذ أربع سنوات. إبنتها تعيش معها، وهي بدورها أمٌّ لولدين. تعمل جانيت خيّاطةً، ولا تجني الكثير من المال، إذ تتقاضى ألفي ليرةٍ لبنانيّةٍ مثلاً لتقصير السروال. ملكيّة البيت تعود إلى الوقف الأرمنيّ. الكنيسة تؤجّرها شقّتها بإيجارٍ ثابتٍ قدره مئتا دولار. لم يتغيّر الإيجار منذ وصولها إلى المنطقة منذ 17 عاماً.

سابقاً، سكنت جانيت وعائلتها في شارع مار مخايل بالإيجار القديم. ولكن، بالإتفاق مع المالك نفّذ أخاها الإخلاء مقابل تعويضٍ لم يعطها منه شيئاً. تقول أنه سلبها حقّها. أصل عائلتها من تركيا، لكن جانيت وُلدت هنا بعد الهجرة الأرمنيّة وقدومهم إلى لبنان، سكنوا بدايةً في منطقة المصيطبة ثم إنتقلوا إلى مار مخايل لقربها من مدارسهم في برج حمّود.

نشأ «كامب هاجين» كمشروعٍ سكنيٍّ في العام 1929، خصّص للّاجئين الأرمن الذين وصلوا إلى بيروت في العام 1922 هرباً من المجازر في منطقة كيليكيا. وقتها، اتخذت منظّمات “الصليب الأحمر” وسلطات الإنتداب الفرنسيّ إجراءات إقامة آلاف الخيم في منطقة الكرنتينا. إبتداءً من العام 1926، وبمبادرةٍ من جمعيّاتٍ أرمنيّةٍ وبمساعدةٍ من الإنتداب، تمّ إقتراح حلولٍ دائمةٍ لسكن اللّاجئين الأرمن خارج المخيّمات، فتمّ نقلهم تدريجيّاً إلى مناطق مجاورة للكرنتينا، مثل برج حمّود وكرم الزيتون و”مخيم هاجين” وشارع خليل البدوي و”كامب الأبيض[3].”


كامب هاجين: نوع الإشغال السكني في ٣٢٢ طابق ضمن ١٤٩ مبنى. 9 عقارات ملك قديم لمؤسسة دينية أو اجتماعية، يتم إشغالها إمّا من دون مقابل، أو بأسعار أرخص من السوق، أو وفق الإيجار القديم. ٤ منها، تقع على شارع أرمينيا الرئيسي، جميعها ملك اجمعية المرسلين الأرمن في أميركاب منذ عام ١٩٥١. 21 عقار انتقلت ملكيته بعد العام ١٩٩٢: 5 منها يشغلها مستأجرون قدامى. 8 منها للأخوان آرا ومهير ديكاسيان، أحدهم على شارع أرمينيا تمّ تأمينه عند بنك بيروت بقيمة ٥٦٥ ألف دولار، ويتم تحويله الى مطعم. 9 مباني و٤ شقق تحوّلت الى فوييه أو تؤجّر كغرف.

تكوّن “كامب هاجين” تاريخيّاً من ثلاثة عقاراتٍ كبيرةٍ مساحتها الإجماليّة 25 ألف مترٍ مربّع. قامت جمعية “إتحاد رفاق هاجين” بشراء الأراضي وضمّها وإعادة فرزها في قطعٍ صغيرةٍ بمساحاتٍ تتراوح بين 64 و115 متراً مربّعاً لسكن 400 عائلة. كان النظام الأساسيّ للمشروع يمنع الهدم في الحيّ، حتى مع مرور الزمن. [4]

لعقودٍ، سمح “كامب هاجين” بترتيباتٍ سكنيّةٍ تتيح سكن شرائح إجتماعيّة محدودة الدخل. فقد إنتقل العديد من مالكي الشقق الصغيرة للسكن خارج “الكامب” وأجّروها، في ظلّ منع الهدم. اليوم، حوالي نصف سكان “الكامب” هم من المستأجرين الجدد والعمّال الأجانب، يسكن معظمهم المباني المتألّفة من طابقين. ولكنّ، لقلّة المساكن المشابِهةٍ في المدينة، ومع تفاقم الحاجة إلى سكنٍ رخيصٍ، وجد مستثمرون صغارٌ سوقاً حيويّاً في عرض وحداتٍ سكنيّةٍ للإيجار. فأصبح رائجاً تحويل الشقق أو الأبنية إلى إمّا “فويّهات” أو غرفٍ تؤجّر منفردةً ضمن الشقّة، بهدف مضاعفة الأرباح. إلاّ أن ذلك كثيراً ما ينتج أوضاعاً سكنيّةً غير لائقةٍ، في ظلّ غياب الضوابط والسياسة السكنيّة.

ومع ذلك، نجد في “الكامب” أنواع ملكيّةٍ ساهمت بتأمين السكن الميسَّر واللائق للسكّان القدامى والجدد. ف”كامب هاجين” ليس حالةً فرديّةً في البدوي، إذ يحضر تاريخيّاً عددٌ من المشاريع السكنيّة لإيواء اللّاجئين الأرمن، وباتت هذه الترتيبات عبر السنوات ضماناً للسكن المستدام في الحيّ.

في شارع خليل البدوي، قامت جمعيّةٌ أرمنيّةٌ في فترة الثلاثينيّات بشراء أراضٍ، وفرزها، وتوزيعها كقطعٍ صغيرةٍ على العائلات الأرمنيّة.

وبمبادرةٍ من نادٍ أرمنيّ، يحضر مبنى مخصّص لمساعدة العائلات غير الميسورة عبر تأمين السكن المؤقّت لسنةٍ أو سنتين بلا مقابل، من أجل الحفاظ على التماسك الإجتماعيّ وتأمين السكن المدعوم. كما يمتلك الدير عقاراتٍ تؤجّر بأسعارٍ مخفّضةٍ لذوي الدخل المحدود.

عند غرب سكّة القطار التي تحدّ حيّ البدوي، نجد حيّ  «الكامب الأبيض»  على أطراف منطقة الجعيتاوي. تأسس االكامبب في العام 1927 لمّا إشترت الأرض هيئة  League of Nations Nansen Office for Refugees  بالتعاون مع الإنتداب الفرنسيّ، وخطّطت شبكة الطرقات، وقسّمت الأراضي. وقامت ببناء منازل [5] سكن فيها الأرمن بفعل أوراق ملكيّةٍ رسميّة. تدريجيّاً، تمّت إضافة طوابق من دون ترخيص. ومع مرور الزمن وموجات النزوح الداخليّ حتى اليوم، إستقبل الحيّ شرحاتٍ إجتماعيّةً متنوّعة الطوائف والجنسيّات، تبحث عن إمكانيّةً للعيش في المدينة بثمنٍ مقبولٍ.


العقار :3615 يقع على انحدار قوي جنوب “كامب الأبيض” ومطّل على كرم الزيتون، وقصته شبيهة بالعقار 1643 حيث ملكية الأرض تعود الى ورثة سليم فرح، بينما ملكية المباني للسكان. في العام 1976 تم استملاك قسم من هذا العقار، وعند تنفيذ مشروع جسر يرفان خلال سنوات التسعينات تم هدم عشرة مباني. عقب دعاوى تحت عنوان ادعوى إحراز ملكية أرضب - تظهر في الصحيفة العقارية منذ سنوات الستينات - بين مالكي الأرض ومالكي البيوت، تمّ إخلاء منذ سنوات قليلة سكان ١٣ من أصل المباني الـ ١٤ المتبقية-  بحجة عدم وجود أيّ سندات ملكية. هي اليوم مهجورة، وتم تخريبها كي لا يستولي عليها أحد.



عقار :١٦٤٣ نوع الإشغال في ٥٥ شقة ٣٧ مبنى

وجود مجمّعات أو مشاريع سكنيّة مثل كرم الزيتون و”كامب الأبيض” و”كامب هاجين” وشارع البدوي، مهّد الطريق لعمليّاتٍ أخرى في مجال حيازة الأرض والوصول إلى السكن، تمّت عبر الحيازة غير الرسميّة. إستفاد ذوي الدخل المنخفض والوافدون الجدد إلى المدينة من تواجد هذه المجمّعات، وإنطلاقاً منها، إنخرطوا في ترتيباتٍ غير رسميّةٍ مع مالكي الأراضي من أجل الإستحواذ عليها، مثال العقارين ٣٦١٥ و١٦٤٣.

قبل ثماني سنوات والتحوّل الإقتصادي الذي طرأ على شارع مار مخايل خلالها، كانت البدوي منطقةً لا تزال تحوي سكّانها القدامى، تتكوّن من نسيجٍ عمرانيٍّ قديمٍ ومتماسك. كما عاش سكّانها بإستقرارٍ سكنيٍّ نوعاً ما، على عكس مناطق بيروتيّة أخرى بدأت موجة التغيّرات الكبيرة في تركيبتها السكنيّة والعمرانيّة منذ التسعينيّات، مثل رأس بيروت والمصيطبة وعين المريسة وغيرها. أمام الضغوطات العقاريّة وهجرة العديد من العائلات الأرمنيّة وقيام الورثة ببيع أملاكهم، لم تعد هذه البدائل والترتيبات وحدها كافيةً لتوفير الإستقرار السكنيّ. حتى المشاريع السكنيّة التي أُنشئت تاريخيّاً، صارت تتحوّل تدريجيّاً من مساحةٍ أمّنت السكن في مرحلةٍ تاريخيّةٍ ما إلى كتلةٍ عقاريّةٍ قابلة للبيع والشراء يتسارع نحوها المستثمرون.

أيضاً، يؤدّي المستثمرون والسماسرة المحليّين دوراً في تطوير سوق المنطقة العقاريّ. يروّجون لها بصفتها ”أصيلة”  و”تشبه حياة القرية في المدينة”، بينما يستأجرون مبانٍ قديمةً، ويحوّلونها إلى شققٍ مفروشةٍ حديثةٍ و”على الموضة”، ويعرضونها في سوق الإيجار بأسعارٍ مفارِقةٍ لقيمة الإيجار المتداول في المنطقة. يتسبّب هؤلاء برفع كلفة السكن فيها، ويجذبون السكّان المؤقّتين من السّواح وذوي الدخل المرتفع إلى منطقةٍ قَصَدها تاريخيّاً مَن لم يستطع تحمّل كلفة السكن في مناطق بيروتيّة أخرى. هذه التغيّرات تؤدّي إلى إخلاء مستأجرين قدامى كثر، كمستأجري مبنى “مقهى يريفان” الذي تمّ إخلاؤهم منذ حوالي ستة أشهر.. وإشتراه مستثمر.

أشغال عامة في العدد 47 من مجلة المفكرة القانونية، العدد 3: حق السكن

 

[GAIA Heritage Report [1
[2] منى فواز، ماريكي كراينن، داريا صمد، مقال قيد النشر

[3],[4] من مقابلة مع أنترانيك داكسيان، أستاذ في اجامعة هايغازيانب الذي أصدر كتاباً عن تاريخ االكامبب
[5] The ArmenianQuarters in Beirut, Report by The Middle East Studio Winter Semester 2009, ETH Studio Basel Contemporary Institute