فضيحة فسادٍ أخرى شغلت الرأي العام اللبنانيّ، سياسيّين ومواطنين وإعلاميّين، على إمتداد السنة الماضية هي فضيحة الإنترنت غير الشرعيّ الذي تمّ تهريبه من قبرص وتركيا إلى لبنان بأسعارٍ زهيدةٍ، فيغطّي معظم المناطق اللبنانيّة ويغذّي بعض مقرّات الدولة اللبنانيّة ومؤسّساتها الأمنيّة والسياسيّة. ما أثار بلبلةً كبيرةً حول إمكانيّة وجود إختراقٍ أمنيٍّ وتجسّسٍ وإنتهاكٍ للسيادة، لاسيما من الجانب الإسرائيليّ، ناهيك عن خسارة خزينة الدولة اللبنانيّة لإيرادات بمئات ملايين الدولارات.

خرج بهذا الخبر إلى الملأ رئيس لجنة الإعلام والإتصالات النيابيّة النائب حسن فضل الله في الجلسة الشهيرة التي عقدت في 8 أذار الماضي، ليعلن بعدها عن وجود قطاعٍ ضخمٍ يُدار فيه الإنترنت غير الشرعيّ في لبنان، علمت به وزارة الإتصالات إثر ورود شكوى إليها تتهم 12 شركةً بالحصول على الإنترنت من الخارج على الرغم من أنّها غير مرخّصة. فتمّ تحويل الشكوى إلى القضاء المختصّ.

أين أصبح هذا الملف، اليوم؟ وما الذي توصّلت إليه التحقيقات؟     

سرقة قديمة.. ومستمرة!

يبدو أن خلافاً وقع بين المافيات على إقتسام السوق، فتضاربت المصالح بين الشركات، ما ساهم في فتح باب الملف على مصراعيه، علماً أنّ طريقة عمل هذه الشركات لم تستجد وإنما هي مستمرة منذ مدّةٍ سبقت الفضيحة وتكاد تكون أساسيّة في مدّ البلد بالإنترنت. فهذه الشركات غير مرخّصٍ لها، وهي تستقبل سعات إنترنت خلافاً للقانون ولحصريّة وزارة الإتصالات في هذا المجال، وتعمل من دون الإفصاح عن أرباحها، ولا تدفع أيّ مترتباتٍ للدولة. في المقابل، فإنّ الشركات المرخّص لها تحصل على جزءٍ من السعات الدوليّة من "أوجيرو للإتصالات"، وجزءٍ آخرٍ من السعات الدوليّة غير الشرعيّة بسبب أسعارها الزهيدة.

وقد تكفّلت وحداتٌ مختصّةٌ في "أوجيرو" بإجراء التحقيقات، وصادرت بعض الأجهزة والمعدّات، وبادرت إلى تفكيك بعضها بإشارةٍ من النيابة العامّة الماليّة. وعلى الرغم من مرور عامٍ على ذلك، لا يزال عمل قطاع الإنترنت غير الشرعيّ مستمراً في لبنان، حتى بعد الفضيحة. فتفكيك بعض المحطّات والأجهزة لم يُحدِث أيّ إنقطاعٍ في الإنترنت، علماً أننا نتحدّث عن قطاعٍ كبيرٍ من شركات الإنترنت غير الشرعيّ، ترجّح مصادر في وزارة الإتصالات (فضّلت عدم الكشف عن إسمها) أنّ نسبته تصل إلى 50 في المئة من سوق الإنترنت اللبنانيّة. واللافت أكثر حتّى من شبهة إستمرار عمل القطاع، هو بروز أسماء متورّطين في قضية الباروك الشهيرة (2009) التي كانت تبثّ من إسرائيل وتتجسّس على لبنان، في هذا الملف أيضاً. ما يثير علامات إستفهامٍ كثيرةٍ حول مدى الدعم الذي تحظى به هذه الشركات.

بين السياسة والقضاء، ما عاد معروفاً تطوّر ملف الإنترنت غير الشرعيّ. بعد مرور نحو عامٍ على فتحها، لم تتجاوز القضية مرحلة التحقيقات السريّة التي يفترض أن تليها مرحلة إصدار الأحكام. يجري التعتيم على مجريات التحقيق ولكن، من حينٍ إلى آخر، يُعلَن عن مجموعةٍ من الإدّعاءات بحقّ أفرادٍ، لن يكون آخرها الإدعاء على 12 شخصاً من "إدارة الجمارك" ومخلّصي البضائع بتهم تلقّي رشى وإدخال معدّات بطريقةٍ غير شرعيّةٍ إلى الأراضي اللبنانيّة، وفق ما أكّد فضل الله بعد جلسة اللجنة النيابيّة التي عقدت في 10 الشهر الحالي. وأكّد فضل الله أنّ الملف لا يزال في مرحلة الدفوع الشكليّة والمسارات القضائيّة، واللجنة مستمرةٌ في متابعة القضاء من أجل الوصول إلى النتائج المرجوة.

إذن ملاحقة يوسف

ثمّة تحليلاتٍ تشي بأنّ الموظفين الجاري توقيفهم هم "كبش محرقةٍ" في هذه القضية، وأنّ المعنيين بمتابعة هذا الملف سيكتفون بهم لعدم قدرتهم على توقيف المسؤولين الكبار. وكانت معلوماتٌ مسرّبةٌ قد أشارت سابقاً إلى تسوياتٍ مع بعض أصحاب الشركات تقتضي عودتهم عن الأعمال غير القانونيّة، على الرغم من تصريحات المسؤولين الكثيرة التي أكّدت عدم تسوية وضع المخالفين ومحاسبة المسؤولين، بهدف إعادة المال العام إلى خزينة الدولة. لكنّ الواقع يؤكّد فشلاً في ترجمة هذه الأقوال إلى أفعالٍ، بدليل إذن ملاحقة رئيس "هيئة أوجيرو" عبد المنعم يوسف، الذي طلبه المدّعي العامّ الماليّ القاضي علي إبراهيم من وزير الإتصالات السابق بطرس حرب في قضية الإنترنت غير الشرعيّ بتهمة هدر المال العام، فماطل حرب لأشهرٍ بحجة دراسة الطلب، حتى خرج الإثنان من الوزارة.

يعتبر الوزير السابق شربل نحاس في حديث لـ"المفكّرة لقانونيّة" أنّ ما جرى "مسرحيّة هزليّة" الهدف منها التهرّب من منح الإذن للقضاء: "كان يفترض بإبراهيم أنّ يرفع شكوى إلى المرجع الذي يسمح له بتجاوز حجب الإذن.  ولكن، مع تعيين بديلٍ ليوسف، هل إنتهت القضية؟ يؤكد نحاس أنّ تنحّي موظّفٍ عن منصبه لا يمحي الجرم الذي إقترفه أبداً: "وهنا يأتي دور القضاء وفاعليّته في ملاحقة المخالفين. أما اللجنة النيابيّة فلن تقدّم أو تؤخّر في مجريات هذه القضية، حيث أنّ السلطة القضائيّة تتمتع بإستقلاليّةٍ عن السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة".

قضايا مماثلة ظهرت في واجهة الإنترنت غير الشرعيّ خلال العام الماضي أيضاً، ومنها: "غوغل كاش" و"التخابر الدولي غير الشرعيّ". إلى حدٍّ ما، وصل القضاء إلى أشخاصٍ معروفين، من بينهم رئيس مجلس إدارة تلفزيون "أم تي في" وشركة "ستوديو فيجن" ميشال غبريال المرّ بجرائم التعدّي على شبكة الهاتف وهدر المال العامّ، بعدما ثبت في التحقيق إرتكابهما لها. وقد ادعى المدعي العام المالي على الشركتين بجرم الإختلاس، وما تزال الدعوى عالقة أمام القاضي المنفرد الجزائي في جديدة المتن ربيع معلوف.

القضاء يجاري التيّار السياسيّ؟

يلفت المحامي فاروق المغربي "المفكّرة" إلى الخوف الدائم من أن يجاري القضاء التيّار السياسيّ في هذه القضيّة، كما في القضايا الأخرى، لاسيما أنّ للمغربي تجربته مع إخباراتٍ كثيرةٍ بدعاوى فسادٍ حُفِظَت ولم تسلك طريقها نحو القضاء المختصّ.

كذلك، أشار المسؤول في "الحزب التقدميّ الإشتراكيّ" صالح حديفة في حديثٍ مع "المفكّرة" إلى أنّ التجارب السابقة مع قضايا فسادٍ مشابهةٍ "أثبتت لفلفة الأمور في بعض الملفّات وكأن شيئاً لم يكن، ويعلم الجميع مدى هيمنة السلطة السياسيّة على القضاء في لبنان. ولكن، في الحقيقة، السلطة القضائيّة هي الكفيلة بتحصين نفسها، والشكوى الدائمة من التدخّل السياسيّ تتصل بالطرفين، ولا يمكن رؤيتها من طرفٍ واحد".

نشر هذا المقال في العدد 47 من مجلة المفكرة القانونية