غصّ العام 2016 بكثيرٍ من قضايا الفساد، بعضها إرتبط بإجراء مناقصاتٍ وتلزيم شركاتٍ عبر عقودٍ شابها خللٌ، فتمّ رفعها إلى القضاء، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، مزايدة إدارة مواقف السيارات في مطار بيروت الدولي وإستثمارها، والمناقصة العموميّة لتلزيم عقد المعاينة الميكانيكيّة، وغيرهما.

يتناول هذا المقال قضيّة المطار، مذكّراً بمجرياتها، وواقفاً مع المعنيين على التتمّات وصولاً إلى راهنها.

الخرافي: خسر التلزيم.. ثم كسبه

منذ أيلول العام 2016، إلتزمت "شركة المرافق اللبنانيّة" المملوكة من مرزوق ناصر الخرافي مهام إدارة مواقف السيّارات في المطار وإستثمارها، بعدما كانت المشغّل الأساسيّ له على مدى 16 عاماً. فازت الشركة بالتلزيم الجديد إثر المزايدة الثانية التي أجريت في 4 تموز الماضي، والتي أدخلت إدارة المناقصات، ووزارة الأشغال العامّة والنقل، ومجلس شورى الدولة، وديوان المحاسبة، في نفقٍ من التجاذبات والصراعات والخلافات، حتى بلغ الأمر حدّ إيجاد تفسيراتٍ مختلفةٍ للقانون نفسه وللصلاحيّات بين الأطراف. لقد شهدت الأزمة تجاوزاً خطيراً لسلطة القضاء، ومع ذلك، إلتزمت شركة الخرافي مهمة إدارة المواقف، ولم تتأثر أعمالها بهذه الخلافات على الرغم من دقّة مستوياتها.

تفيد تفاصيل هذه القضية بأنّ مجلس شورى الدولة تلقّى مراجعة إبطالٍ للمزايدة الثانية، قدّمتها في 29 حزيران 2016 شركة VIP parking التي فازت بالمزايدة الأولى (أعلنت نتائجها في 18 أيار). وأتت مراجعة الإبطال هذه إثر إسقاط نتيجة المزايدة الأولى والإعلان عن مزايدةٍ ثانيةٍ، في ظلّ ملاحظاتٍ عديدةٍ قدّمتها إدارة المناقصات وتدخّلاتٍ سياسيّةٍ شهدها الملف. فأصدر مجلس شورى الدولة قراراً بإلغاء المزايدة الثانية قبل إجرائها بيومين، أيّ في 2 تموز الماضي، بسبب وجود ثغراتٍ في دفتر الشروط، كمخالفتها موجبات المنافسة والمساواة بين العارضين. إلا أنّ وزير الأشغال العامّة آنذاك غازي زعيتر طلب من إدارة المناقصات ألّا تلتزم بقرار "الشورى"، فلم تلتزم به. ولفت زعيتر إلى أن شركة الخرافي، إثر إعلان نتائج المزايدة الأولى، كانت قد قدّمت مراجعة إبطالٍ إلى "الشورى" ولم ينظر فيها، ما إعتبره تعاطٍ بإستنسابيّةٍ مع المراجعَتين.

في الممارسة القانونيّة

من حيث المبدأ، قرار "الشورى" ملزِمٌ للوزير المختصّ ولإدارة المناقصات، كون القرار صدر نتيجة مخالفة شروطٍ أساسيّةٍ لا تكميليّة في العقد. ولم يأتِ رأي "الشورى" إستشاريّاً، بل نصّ قراره صراحةً على وجوب إعادة صوغ دفتر شروطٍ جديدٍ يستوفي شرطَي المنافسة والمساواة. لكن زعيتر وإدارة المناقصات قالا أنّهما لم يتسلما تبليغاً رسميّاً بذلك آنذاك.

تحوّل التلزيم إلى سجالٍ قانونيٍّ خاضه "الشورى" مع الوزير زعيتر من الناحية المذكورة أعلاه، ومع  ديوان المحاسبة أيضاً من ناحيةٍ أخرى. ففي 31 آب، وافق ديوان المحاسبة على نتيجة المزايدة التي رست على شركة الخرافي، بحجّة أنّه أجرى دراسةً للملف من الناحية الماليّة، وتبيّن له أنّ المزايدة سليمةٌ وتصبّ في مصلحة الخزينة العامّة، إذ تمدّها بمبلغٍ يزيد عن ستّة مليارات ليرةٍ لبنانيّة. وقع الخلاف إذاً بين الهيئات القضائيّة، كلٌّ ضمن مهامها. ما أثار التساؤلات حول مدى جواز هذه التناقضات في القرارات الصادرة عن القضاء. إذ بدا واضحاً حينها أن "الديوان" إستطاع تجاوز قرار "الشورى" بمنح موافقته على التلزيم، علماً أنّ "الديوان" يصدر موافقته في إطار الرقابة الإداريّة وليس القضائيّة. فهل يحتمل القانون هاتين الوجهتين؟

يؤكد المحامي بشير مراد لـ"المفكّرة القانونيّة" أن الحكم الصادر عن "الشورى" والقاضي بإلغاء المزايدة هو قرارٌ نافذٌ، "حيث كان يفترض بـ"الديوان" أن يتخذ قراره على ضوء قرار "الشورى"، وبمعزلٍ عن رفضه أو قبوله النظر في مراجعات إبطالٍ أخرى لم ينظر فيها "الشورى" سابقاً. وفي الأساس، كان يفترض بالسلطة السياسيّة أن تمنع تنفيذ المزايدة، لا أن تقف بوجه القضاء".

صادر: الدولة لا تحترم القضاء

يرى رئيس مجلس شورى الدولة القاضي شكري صادر أن هذا الواقع أنتج خلاصةً مفادها أنّ "الدولة لا تحترم القضاء، وهو جزءٌ منها ومن السلطة في آن، بتمنّعها عن أنّ تكون خصماً شريفاً أمام القضاء، حين ترفض تنفيذ أحكامه فتتمرد عليه في ظلّ صمتٍ وقبولٍ عامّ، بينما يفترض بها أن تسعى إلى تنفيذ قراراته. ما يحملنا إلى القول بأنّ ما وصلنا إليه اليوم مبكٍ. فقد حصلت الشركة على إلتزامها حالياً، ولم نسمع أيّ تعليقٍ في جلسات مجلس الوزراء، أو على لسان وزير، ولا حتى في نقابة محامين، حول المسألة".

ويضيف صادر في حديثه لـ"المفكرة القانونية" أنّ "مجلس الشورى سيلتزم القيام بواجبه على أكمل وجه، بمعزلٍ عن تجاهل البعض لقراراته، إلى حين حلول عهدٍ جديدٍ يجبر الملتزم على إنهاء خدماته، على إعتبار أنّ تلزيمه باطل. فلـ"الشورى" إمكانيّة إصدار القرارات، لكنه لا يملك سريّةً من المغاوير لتحرص على تنفيذ القرارات الصادرة عنه.. علماً أنّ الوزراء لا يلتزمون بنسبة 20 الى 25 بالمئة من قرارات "الشورى".

ويوضح صادر وجود وسائل تتيح له كرئيس "الشورى" الضغط على الأطراف المعنيّة وفقاً للمادة 93 من نظام "الشورى"، الذي يسمح له باللجوء إلى الغرامة الإكراهيّة على الدولة من أجل تنفيذ القرار، أو بتعويضٍ على المتضرر. ولكن صادر فضّل عدم اللجوء إليها، كونها ستأتي مكلفةً على خزينة الدولة.

يطرح هذا الواقع أسئلةً حول إستقلاليّة هيئات الرقابة التي تتصل بالسلطة السياسيّة في لبنان، ما يخلّف تداعياتٍ على مختلف القضايا المطروحة أمام القضاء. ففي ما يخصّ مزايدة مواقف سيارات المطار تحديداً، دعم طرفٌ سياسيٌّ الشركة التي رست عليها المزايدة الثانية، وهو طرف يمتلك كلمةً مسموعةً في ديوان المحاسبة، ما ساهم بتمرير هذه المزايدة إستناداً إلى موافقة الديوان على نتائجها وبمعزلٍ عن قرار الشورى.

على ضوء هذه التجربة، طرح حزب "الكتائب اللبنانيّة" مؤخراً وصْل الهيئات الرقابية بسلطةٍ غير سياسيّةٍ، حسبما يؤكده مستشار رئيس الحزب لشؤون الإدارة العامّة شارل سابا لـ"المفكّرة القانونيّة". ويرى سابا في مسألة مزايدة المطار أنّ "الديوان استطاع تمرير المزايدة لأن قرار الشورى إستند إلى دفتر الشروط، وليس إلى مخالفةٍ صارخةٍ، ما سهّل تمريرها. بغير ذلك، كان موقف الديوان ليكون صعباً. والدليل على ذلك أنّه إستند في تخطّيه قرار الشورى إلى أن صلاحيّة قضاء العجلة في المجلس لا تتعلّق بعمق الموضوع ومشروعيّة الملف وبعناصر تكوينه، بل تتعلّق بالإجراءات والتدابير المتّصلة بالمزايدة أو المناقصة، في المرحلة التي تلي وضع دفتر الشروط".

نشر هذا المقال في العدد 47 من مجلة المفكرة القانونية