في 22 أيلول / سبتمبر الماضي، إدّعى عددٌ من المحامين والناشطين المتضرّرين من مكبّ برج حمود للنفايات، ضدّ شركَتيّ "جهاد العرب للتجارة والمقاولات"، و"خوري للمقاولات". وطالب المدّعون بالتحقيق بـ"مجمل أعمال هاتين الشركَتين في هذا المكبّ، والكشف عن جبل النفايات، والتأكّد من إمكانيّة إحتوائه على موادٍ سامّةٍ ومشعّةٍ"، بهدف "إنارة المحكمة بالمعلومات عن الأعمال والمواد الكيميائيّة التي تضرّ بصحّة الإنسان والسلامة العامّة". وعقدت جلسة الإستجواب الأولى أمام محكمة الأمور المستعجلة في جديدة المتن، برئاسة القاضي رالف كركبي بتاريخ 10/11/2016.

أزماتٌ ترافق نشوءه

ترتبط قضية مكبّ برج حمّود بأزمة النفايات الممتدّة منذ تسعينيّات القرن الماضي. وقد تجدّدت مع إنتهاء عقد "شركة سوكلين" وأخواتها، ورفض كلّ العروض المقدّمة إلى "مجلس الانماء والإعمار" في أواخر 2015. ولم يؤدِّ إمتلاء الشوارع بالنفايات وإقفال مطمر الناعمة إلى إحداثٍ تطوّرٍ فعليٍّ في طريقة تعامل الحكومة مع قضية النفايات. على العكس، أعادت الحكومة إنتاج السياسات ذاتها في قرارها الصادر في 17 آذار 2016. إذ كلّفت "مجلس الإنماء والإعمار" بتنفيذ مجموعة مناقصاتٍ لإنشاء مطمَرَيْن مؤقّتَيْن، هما مطمر برج حمّود ومطمر الكوستابرافا. هذه المناقصات لم تشترط على الشركات الداخلة فيها أنّ تكون قد نفّذت سابقاً أعمال طمرٍ صحّيٍّ، بل إكتفت بإشتراط إمتلاكها لخبرةٍ بعمليّة إنشاء حواجز بحريّةٍ وسنسول[1].

قرار الحكومة هذا إرتكز إلى موافقة بلديتَيّ برج حمّود والسدّ - البوشريّة على المشروع، على أن تتلقى الأخيرة حوافز ماليّة في المقابل تساعدها في تنفيذ مشاريع إنمائيّة. إلا أنّ سرعان ما علّقت بلدية برج حمّود و"حزب الطاشناق" هذه الموافقة بعد بدء الأعمال في المطمر، لعدم تتطابقها مع خطّة السير المفترضة لها، إذ تخوّفوا من تراكم النفايات على الشاطئ. وقد صدر بيانٌ عن الجهتين ربط موقفهما بـ"التأخير الحاصل في تنفيذ الجزء الأول من المشروع، وهو إنشاء أوّل خليّةٍ صحيّةٍ في المطمر لإستيعاب النفايات المفرزة والموجودة على المواقف". واعتبر البيان أن هذا التأخير "سوف يؤدي إلى ضررٍ بيئيٍّ وصحّيٍّ أكبر من ضرر المطمر بحدّ ذاته"، وأكّد على رفض الجهتين أنّ يتحوّل شاطئ برج حمّود إلى مكبٍّ للنفايات "كما هو واقع الحال، وإذا لم يتمّ تنفيذ عملية إنشاء المطمر الصحّيّ ومعالجة جبل النفايات"[2]. وقد ربط البيان التأخير بوجود "إعتراضٍ على تنفيذ هذا المشروع الذي يعتبره البعض مسيئاً لسكّان المنطقة". ومن أبرز الجهات الرافضة للمشروع "حزب الكتائب اللبنانيّة"، الذي نفّذ إعتصاماً مفتوحاً إستمر لمدّةٍ تقارب الشهر ونصف الشهر، إعتراضاً على المضي قدماً بهذا المكبّ. حتّى أن النائب سامي جميل لم يتردّد في التعبير عن قبوله بإعادة فتح مطمر الناعمة في مقابل إقفال مكبّ برج حمّود[3].

اعتصام "الكتائب" لم ينتهِ إلا تحت ضغط عودة النفايات إلى الشوارع اللبنانيّة من جديد، لا سيما أنّ الحكومة تركت كلّ معارضٍ لأدائها أمام خيارَين: إمّا تمتلئ الشوارع بالنفايات أو يُطمَر بها البحر، بغةى كريس المطامر كواقع. فعاد كلّ من البلدية و"حزب الطاشناق" إلى القبول بإستقبال النفايات، في ظلّ تساؤلاتٍ كبيرةٍ حول كيفيّة تنفيذ الأعمال برزت في دعوى المحامين والناشطين المتضرّرين التي تطالب بوقف الأعمال في المكبّ.

الخطر والدعوى.. بإنتظار التقرير

مطمر برج حمّود الذي يجري العمل فيه اليوم هو عبارةٌ عن موقفٍ مؤقتٍ للسيّارات صار يستقبل النفايات إلى حين إنشاء حاجزٍ بحريٍّ، وتأهيل جبل النفايات في برج حمّود، وإنشاء خلايا تستقبل النفايات لطمرها. غير أن بدء الأعمال أدّى إلى التقدّم بطلبٍ لوقفها أمام قاضي الأمور المستعجلة في جديدة المتن. إرتكز الطلب، من جهةٍ، إلى قيام "شركة خوري" بطمر النفايات في البحر قبل الإنتهاء من إنشاء الحواجز اللازمة، ومن جهةٍ ثانية، إلى وجود براميل تحتوي على مواد مشعّة وسامّة تمّ ردمها تحت جبل النفايات قبل عقود. ما يفيد بأن رفع النفايات منه بطريقةٍ عشوائيّةٍ حمّال خطرٍ كبير بسبب إمكانيّة تفجّر هذه البراميل أو تسرّب غازاتها السامّة على حدٍّ سواءٍ، وفي أيّ لحظة.

بناءً على هذه المعطيات، أصدر القاضي كركبي في 15 تشرين الثاني 2016 قراراً بوقف أعمال "شركة خوري" في جبل النفايات القديم في برج حمّود. وبرّر القاضي قراره بضرورة تفادي الخطر البيئيّ الذي يمكن أن ينجم عن هذه الأعمال. إلا أنه سرعان ما تراجع عن قراره هذا في الجلسة المنعقدة بتاريخ 22 أيلول 2016، بناءً على طلب وكيل "شركة خوري" المحامي مارك حبقة[4]. بذلك، يكون القاضي كركبي قد غضّ الطرف عن الخطر البيئيّ الذي سبق له أنّ توقّف عنده وتحدّث عنه، بانياً قراره على دفاع حبقة حصراً. وقد صدر القرار بينما لا تزال لجنة الخبراء، بالتعاون مع "المجلس الوطنيّ للبحوث العلميّة" و"الهيئة اللبنانيّة للطاقّة الذريّة"، تضع تقريرها حول وجود مواد سامّةٍ ومشعّةٍ في الجبل حتى اللحظة.

في حديثٍ لـ"المفكّرة القانونيّة"، أكّد المحامي حسن بزّي أن "الخبراء لم يقدّموا تقريرهم حتى اللحظة، بينما تحدّد موعد الجلسة المقبلة في 26 الجاري. وأوضح أنّه، من جهته، لن يقدّم إستئنافاً ضد قرار السماح لـ"شركة الخوري" بإستكمال أعمالها، "منعاً لبقاء الملف أمام هيئة الإستئناف لأشهرٍ. فإنتقال الملف إلى محكمة الإستئناف يعني رفع قاضي الأمور المستعجلة يده عن الملف، إلى حين البتّ بالطلب المقدّم للإستئناف. بالتالي، يتأخّر النظر في تقارير الخبراء إلى ذلك الحين والبتّ بها"، في حين أن كافّة التطوّرات في هذا الملف تنتظر التقرير الذي يفترض بـ"لجنة الخبراء" أن تصدره.

نشر هذا المقال في العدد 47 من مجلة المفكرة القانونية


[1] - بسام القنطار، "خوري يقدّم سعراً متدنيّاً جداً لمطمر برج حمّود... أين المعالجة؟"، green area، 22 حزيران 2016.
[2]  - الطاشناق وبلدية برج حمّود: لن نستقبل نفايات إعتباراً من صباح اليوم، Greenarea، 24 آب 2016.
[3] - بسام القنطار، مطمر برج حمّود على طاولة لجنة المال والموازنة النيابيّة... جلسة حاسمة الأربعاء، 29 آب 2016.
[4] - إلهام برجس، تطوّرات في دعوى برج حمّود: تجاوز لمبدأ الإحتراس إزاء المخاطر البيئيّة، "المفكّرة القانونيّة"، 22 أيلول 2016