انتهى قسم التشريع بمجلس الدولة المصري من مراجعة مشروع قانون العمل الجديد في ضوء أحكام المواد ذات الصلة من الدستور، والأحكام المستقرة للمحكمة الدستورية العليا، والإتفاقيات الدولية والإقليمية المتعلقة بالعمل والتي صادقت عليها مصر، وأعاده لمجلس الوزراء مرة أخرى. وأشار قسم التشريع بمجلس الدولة إلى وجود أكثر من 60 ملاحظة طبقا لتقريره نشرته جريدة اليوم السابع[1]. وبالنظر إلى هذه الملاحظات، يتبين لنا تقصير الحكومة في بذل العناية اللازمة لصياغة مشروعات القوانين. كما تمت الإشارة إلى وجود أخطاء إملائية ولغوية في المذكرة الايضاحية الشارحة للقانون وإلى وجود بعض الأحكام في المذكرة مغايرة لنصوص مواد القانون ذاته. وهذا الأمر يشير إلى مدى استهانة الحكومة وأعضائها بعملية التشريع والآثار المترتبة عليها، وعدم بذلها العناية المطلوبة للاضطلاع بمهامها. ومن الملاحظات، الملاحظات الشكلية التي يجب اتباعها في ضوء نصوص الدستور المصري الصادر في 2014، فلم يراعِ أحكام عدد من المواد والتي ألزمت بأخذ رأي جهات قضائية ومجالس مستقلة عدة في مشروعات القوانين المتعلقة بمجالات عمل القانون. كما جاء في الملاحظات أن الحكومة سعت غلى تفريغ القانون من أدوات حماية العمال والمطالبة بحقوقهم الأساسية كالحق في الاضراب وقواعد وإجراءات المفاوضة الجماعية. وسنشير إلى أبرز المخالفات التي وقعت فيها الحكومة والتي ذكرتها ملاحظات قسم التشريع في مجلس الدولة:

عدم عرض مشروع القانون على الجهات ذات الصلة

أشارت ملاحظات قسم التشريع إلى أن الحكومة لم تقم بعرض مشروع القانون على مجلس القضاء الأعلى لأخذ رأيه في النصوص المتعلقة بالمحاكم العمالية، والتحكيم والعقوبات. كما لم يؤخذ رأي كل من المجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي للأمومة والطفولة، والمجلس القومي لرعاية ذوي الإعاقة، والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، فكان يجب على الحكومة أخذ رأى هذه الجهات لتعلق القانون بعملها، إعمالًا لأحكام الدستور والقانون.

التفاف مشروع القانون على الحق في الإضراب

كما لاحظ القسم أن تعريف الإضراب في مشروع القانون، قصر الإضراب السلمي على الإضراب الذي يتم داخل مقر العمل، مع عدم تحديد معايير ضابطة لما يعتبر سلميا وما غير ذلك، خاصة حيال اختلاف الفقهاء القانونيين على مدى قانونية بعض الأعمال التي يترتب عليها تعطيل العمل كالإعتصام في أماكن العمل. ففيما يرى القائلون بقانونيته أن ذلك شكل من أشكال ممارسة الإضراب، يرى الإتجاه المعارض أن ذلك يمس بحق الملكية لصاحب العمل، ويحول دون انتفاعه به على الوجه الأمثل، كما يمس بحق العمال الآخرين غير المضربين والراغبين في أداء أعمالهم، ويتعارض أيضًا مع حق الدولة في الضرائب على الإنتاج والتي يعطل الإضراب في مقر العمل دفعها.

كما حظر مشروع القانون الإضراب أو الدعوة إليه أو إعلانه بالمنشآت الاستراتيجية أو الحيوية، وأحال تحديد هذه المنشآت إلى قرار يصدر من رئيس مجلس الوزراء. وقد رأى قسم التشريع بمجلس الدولة أن تحديد هذه المنشآت وبيان معايير تحديدها يجب أن يكون بموجب القانون، وعدم جواز منح هذه الصلاحية لقرار إداري يصدر من رئيس مجلس الوزراء، نظرًا لمساس هذا الحكم بأصل الحق.

كما خلا مشروع القانون من تنظيم حق الإضراب بالنسبة للموظفين العموميين، في ظل خلو قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 من أي أحكام تتعلق بتنظيمه. وهذا الأمر يضع الدولة في حالة فراغ تشريعي فيما يتعلق بإضراب الموظفين العاملين في الدولة ويفتئت من حقهم الدستوري في ذلك.

المفاوضة الجماعية دون ضوابط وإجراءات

لم يوضح مشروع القانون القواعد الإجرائية التي تنظم إجراءات وقواعد كلا من المفاوضة الجماعية وعقود العمل الجماعية، فلم يوضح كيفية تواصل العمال مع أصحاب الأعمال أو الإدارة المفوضة بذلك. كما لم يوضح أيضا دور الجهة الإدارية المختصة، ما يفرغ هذه الأدوات من مضمونها ومبتغاها وهو تسوية النزاعات العمالية الجماعية بشكل ودي بين العمال وأصحاب الاعمال.

الإسراف في العقوبات

أسرف مشروع القانون في تجريم كثير من الأفعال التي هي بطبيعتها ناتجة عن التزامات في علاقات عقدية مدنية، لا يتوافر فيها المبرر المشروع للتجريم والعقاب. فلا يجوز أن يؤثم المشرع أفعالًا في غير ضرورة اجتماعية، ولا أن يقرر عقوباتها بما يجاوز قدر هذه الضرورة. واقترح مجلس الدولة إعادة النظر في كل مواد العقوبات وإلغاء ما ليس هنالك ضرورة لتجريمه من أفعال لا تعد عدوانًا على المجتمع، أو على سلطة الدولة في الرقابة على التشغيل والتفتيش، وعلى الأخص يجب إلغاء التجريم على المخالفات المتعلقة بإخلال صاحب العمل بالتزاماته العقدية تجاه العامل، لكونها ليس فيها اعتداء على المجتمع يبرر تجريمها، ويمكن الاستعاضة عنها بالنص على حق العامل في استصدار أمر وقتي من القاضي بإلزام صاحب العمل بما يدعيه من حق.

الاعتداء على اختصاص مجلس الدولة

في محاولة من الحكومة للهروب من رقابة القضاء الإداري، نصت على أن المحكمة العمالية تختص بنظر الدعاوى والمتعلقة بالمنظمات النقابية العمالية، والتي قد تكون في بعض الحالات من المنازعات الإدارية التي يختص بها مجلس الدولة، وفقًا للمادة 190 من الدستور.

التزامات للعمال الأجانب دون ضمانات لأصحاب الأعمال

خلا مشروع القانون من تنظيم حقوق والتزامات العمال الأجانب. فبينما ألزم صاحب العمل بتحرير عقد العمل، أعطي للعامل وحده الحق في إثبات هذه العلاقة. وقد رأى قسم الفتوى والتشريع بالمجلس أن هذه المادة يشوبها شبهة عدم الدستورية إذ حرم صاحب العمل من إثبات هذه العلاقة رغم كونه طرفها الأول وهو ما يعد إخلالًا بمبدأ المساواة الذي كفله الدستور، ويتنافى مع التزام الدولة ببناء علاقات عمل متوازنة بين الطرفين، ويخالف الاتفاقية العربية لمستويات العمل.

انتقاص لحقوق النساء

فيما يتعلق بإجازة الوضع اكتشف قسم التشريع في مجلس الدولة وجود تعارض بين مشروع القانون المقدم وقانون الطفل. كما رأى أن طلب مجلس الوزراء بألا تكون إجازة الوضع أكثر من مرتين مخالفًا لقانون الطفل التي جعلتها 3 مرات. كما يتعارض أيضًا مع مواد قانون الطفل فيما يتعلق بتحديد شروط وأوضاع إلحاق أطفال العاملات بدور الحضانة.

فشل في حفظ حقوق العمال

غالباً ما كان يتعرّض العمال للضغوط من أصحاب الأعمال عن طريق وقفهم عن العمل بحجج واهية، كالحفاظ على سلامة التحقيقات التي تجريها معه الجهة الإدارية، فتصبح الإدارة صاحبة الإختصاص في التحقيق، وتماطل في إجرائه ويستمر وقف العامل لثلاثة أشهر كاملة دون أجر، ثم يغلق التحقيق ويعاد العامل لعمله مرة أخري.

وقد حاول مشروع القانون التصدي لمثل تلك الحالات من خلال النص على حق صاحب العمل في أن يوقف العامل عن عمله مؤقتًا، لكن مع صرف كامل أجره . ومن هذه الحالات، حالة الوقف عن العمل إذا اتّهم العامل بارتكاب جناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة أو الآداب العامة أو أي جنحة أخرى داخل العمل. إلا أن قسم التشريع في مجلس الدولة رفض هذا النص بذريعة أن حكم صرف الأجر في هذه الحالة يتعارض مع الغاية التي قام عليها المشروع وهي ربط الأجر بالإنتاج إذ أن الموقوف لا ينتج، وليس من العدل تحميل صاحب العمل بأجر لا يقابله إنتاج ولا سيما في حالة اتهامه في جناية أو جنحة. ونرى أن مجلس الوزراء لم يحسن صياغة النص في هذه الحالة، ونتحفظ أيضا على تعليق قسم التشريع بمجلس الدولة. فإذا كان اتهام العامل بالجنحة او الجناية يرجع لخصومة كيدية وملفقة من صاحب العمل وبرّأت ساحته المحكمة المختصة بعد ذلك. فهل يظل محروما من أجره أيضا؟

وتكرّر نفس الأمر في حالات تشغيل العمّال من خلال متعهد أو مقاول، وهي إشكالية كبرى يواجهها العمّال في ظلّ العمل بالقانون الحالي حيث يقوم العامل التابع للمقاول بنفس أعمال العامل الأساسي بالشركة المورد اليها العمالة، ولكن مقابل امتيازات وحقوق أقل. فعالج مشروع القانون هذه المشكلة من خلال حظر تشغيل عمال عن طريق متعهد أو مقاول توريد عمال. وقد اعتبر قسم مجلس التشريع بالمجلس هذا الأمر غير دستوري لتعارضه مع الحرية الشخصية وحق الملكية لصاحب العمل. كما أنه يتناقض بحسب رأي مجلس الدولة مع ما جاء في موضع آخر من ذات القانون حول الجهات المسموح لها بإنشاء مكاتب لتشغيل المتعطلين. ونرجع ذلك أيضا الي عيوب الصياغة الواردة في مشروع القانون. فبدل أن يعالج المشروع هذا القصور من خلال منح العاملين كافة نفس المميزات المالية والاجتماعية والتأمينية، نجد المشروع نص على حظر تكوين الشركات بالأساس وهو ما رفضه مجلس الدولة.

لم تختلف معالجة الحكومة لإشكاليات قانون العمل، عن غيرها من المشاكل التي تواجهها. فالحلّ الأوّل الذي تطرحه الحكومة يقوم دائما على المنع والحظر والمغالاة في العقوبة، وهي الأمور التي يتمحور حولها مشروع القانون، بداية من تشديد العقوبات في قانون قائم بالأساس على علاقة تعاقدية مدنية لا يتسنى أن يترتب على مخالفتها أي عقوبة جزائية، ثم الانتقاص من حقوق النساء وفي النهاية حظر شكل مهم من إشكال الشركات بدلا من إدخاله بشكل رسمي في علاقات العمل وحفظ حقوق العمال، عن طريق إيجاد حلول اجتماعية، ىوإجرائية للإشكاليات التي تواجه القانون القائم، وعدم الإعتماد على الحظر والمنع والمغالاة في العقوبات. وجدير بالذكر ان مشروع القانون لم يعلن عنه بشكل رسمي من قبل الحكومة، ولم يطرح لنقاش اجتماعي، في الأوساط العمالية ومع المنظمات المدنية. فكما أشرنا سالفا فإن الحكومة لم تعرضه على الهيئات والمجالس الواجب أخذ رأيها في مشروع القانون طبقا للدستور، ولم يتصل علم الرأي العام بمشروع القانون إلا مع اعلان قسم التشريع بمجلس الدولة عن ملاحظاته.

 

[1]  "كوارث تشريعية" فى قانون العمل الجديد.. تشريع مجلس الدولة يضع أكثر من 60 ملاحظة تهدد دستورية القانون ويطالب بإعادة صياغة مواده.. مشروع القانون يحوى مواد متناقضة ويتعارض مع قوانين أخرى  http://tinyurl.com/hct2tcz