تشير أرقام وزارة الماليّة إلى أنّ مجموع ما تكلّفته الدولة اللبنانيّة في ملف النفايات هو مليار و981 مليون دولار منذ العام 1996 وحتى العام 2013. يتوزّع هذا المبلغ على ثلاث كلفاتٍ أساسيّةٍ هي الجمع والكنس، والطمر، والمعالجة. وعلى الرغم من أنّ 608 مليون دولار من إجماليّ المبلغ قد خصّصت لمعالجة النفايات، فإنّ الشركة المشغّلة، أيّ "سوكلين" وأخواتها، لم تنفّذ إلا نسبةً ضئيلةً من أعمال المعالجة لم تتخطَّ 4 في المئة في العام 2010. وهي، بذلك، تكون قد هدرت ثلث الكلفة التي تحملّتها الدولة، أيّ حوالي 60 مليون دولار، سنويّاً[1]. أما في العام 2015 فإجماليّ الكلفة التي تحملّتها الدولة وصل إلى مليارين و257 مليون دولار[2].

أمام أزمة النفايات، والحراك الشعبيّ الذي أنتجته، بادر "حزب الكتائب اللبنانيّة"، ممثّلاً بالنائب سامي الجميّل، إلى التقدّم بشكوى أمام النائب العامّ الماليّ القاضي علي إبراهيم، في شهر تموز 2015. طالب الجميّل في شكواه بملاحقة كلّ من يظهره التحقيق مسؤولاً عن وقوع الأزمة. خمسة أشهرٍ مرّت منذ ذك الحين، من دون جديد. التبدّل الأول سُجّل إثر زيارةٍ نفّذها أفرادٌ من حملات الحراك الشعبيّ إلى إبراهيم، إذ تلقّوا وعدين: "إعلان نتائج التحقيقات في ملف سوكلين أمام الرأي العامّ" و"إعلان أسماء الوزراء الذين عرقلوا سير تحقيقات النيابيّة العامّة الماليّة، والملفّات التي تمّت فيها هذه العرقلة" خلال 10 أيام. بعدها بحوالي شهرين، وتحديداً في 25 شباط 2016، إدّعى إبراهيم على كلٍّ من "سوكلين"، و"سوكومي"، والشركتين الإستشاريتَين "دي جاي جونس" و"لاسيكو"، وكلّ من يظهره التحقيق متورّطاً، بشبهة هدر المال العامّ. بناءً عليه، أُحيل الملف أمام قاضي التحقيق الأول في بيروت غسان عويدات. أيامٌ قليلةٌ مرّت بعد الإدعاء، تلاها في الأول من آذار 2016  تقديم كلٍّ من وزارة المال والموازنة و"مجلس الإنماء والإعمار" لما بحوزتهما من أرقامٍ تثبت وجود هدرٍ ضخمٍ للمال العامّ، إلى "لجنة المال والموازنة" النيابيّة. فنقلها الجميّل إلى الرأي العامّ، داعماً بذلك موضوع شكواه. وعلى الرغم من إيجابيّة هذا التطوّر، فإنّ "سوكلين" لم تُبعَد عن ملف النفايات، ما يشي بفسادٍ في الإتّجاهَين: القضاء والحكومة.

المسار القضائيّ

أحال إبراهيم الملف أمام قاضي التحقيق بموجب المواد 363، 359 و359/219 من قانون العقوبات التي تتعلّق بالإختلاس وإستثمار الوظيفة. أما خلفية الإدّعاء فهو "حصول تلاعبٍ وأخطاءٍ ومماطلةٍ في تنفيذ عقد الجمع والكنس من قبل شركة "سوكلين"، وتقاضي الأموال عن أعمالٍ لم تُنجَز، في ظلّ غياب الرقابة الفاعلة والتقصير في إتمامها وفقاً للعقد. بالإضافة إلى حصول مخالفاتٍ في تنفيذ أعمال المعالجة والطمر التي يثبت عدم إنجازها وفقاً لشروط العقد مع شركة "سوكومي" وإستناداً إلى الكميّات المتّفق عليها، مع المطالبة بـ والإصرار على تقديم فواتير وقبض مبالغ غير مستحقّة. وأخيراً، عدم تنفيذ طريق الناعمة - عين درافيل – بعورتة، وفقاً للشروط الفنيّة المنصوص عليها في العقد".

كان من المفترض أن تعقد اولى الجلسات أمام عويدات في 11 نيسان 2016، وأنّ يواكبها إعتصامٌ دعت إليه حملات الحراك الشعبيّ. غير أنّ موعد الجلسة الأولى أرجئ إلى 25 نيسان، وكان قد إنضم حينها إلى فريق الإدّعاء الوزير السابق وئام وهّاب بالإضافة إلى مجموعةٍ من البلديّات والمحامي زياد بيطار الذي طلب من القاضي عويدات إتّخاذ صفة الإدعاء الشخصيّ[3]. عقدت آخر الجلسات أمام القاضي عويدات في 3 تشرين الثاني 2016، ولا تزال القضيّة حتى تاريخه في مرحلة تبادل الدفوع الشكليّة. إستجوب القاضي عويدات الشركات المدّعى عليها ودعا جهة الإدعاء إلى التعليق على مضمون الإستجواب. إلّا إنّ الأخيرة أرادت أنّ يتمّ إستجواب ممثلٍ عن مجلس إدارة شركتَيّ "سوكلين" و"سوكومي" أو رئيس مجلس الإدارة ميسرة سكرة، للحصول على معلوماتٍ دقيقةٍ، بينما حضر الإستجواب ممثلٌ عن مجلس الإدارة تمّ تعيينه خلال فترة الدعوى[4].

في حديث إلى "المفكّرة القانونيّة" عرض فيه آخر مستجدات هذه القضيّة، أكّد المحامي واصف حركة أنّ القاضي عويدات ردّ الدفوع الشكلية المقدّمة من الطرفين. وبما أنّ أيّاً من الطرفين لم يستأنف القرار، كان من المفترض أن تُعقد الجلسة الأولى للبتّ في موضوع الشكوى في 11 كانون الثاني 2017. إلّا أنّ القاضي، وفقاً لحركة، إضطر لتأجيل الجلسة بسبب عدم تمكّنه من الحضور. أجّلها إلى موعدٍ غير محدّدٍ حتى اللحظة.

"سوكلين" متّهمة.. ومستمرة

إشكاليّة العلاقة مع "سوكلين" لا يحدّها العام الفائت. ففي خلال العقود الماضية، نُصّبت "سوكلين" ونصّبت نفسها حلّاً وحيداً لأزمات النفايات المتكرّرة. وقد سبق للرئيس سعد الحريري أن جاهر بذلك في جلسة 20 تشرين الأول 2010 الحكوميّة في قوله: "إمّا تمديد عقود "سوكلين" وشقيقاتها، وإمّا خلّوا الزبالة تطمركم"[5]. وقتها، تمّ التمديد لـ"سوكلين" في ظلّ عدم تحرّك القضاء، وعلى الرغم من تقرير ديوان المحاسبة 1/99 الذي إعتبر عقود "سوكلين" باطلة[6]. وفي تجربة العام الفائت، لم تردع الملاحقة القضائيّة أيضاً الحكومة عن تمديد العقود، في إطار ما عرف بإسم المرحلة الإنتقاليّة. فإنتهت جلسة مجلس الوزراء المنعقدة في 12 آذار 2016 إلى إستمرار شركتَي "سوكلين" و"سوكومي" بأعمالها المعتادة إلى حين إعطاء أمر المباشرة بالتنفيذ للشركات التي ترسو عليها التلزيمات. بذلك، تمضي الشركة بأعمالها بينما يجري "مجلس الإنماء والإعمار" مناقصاتٍ للشركات المؤهّلة، كلٍّ وفق إختصاصها، بأنّ تنفّذ أعمال الكنس والجمع والنقل، ثم الفرز والطمر الصحّيّ[7].

حدّد القرار مركزَين مؤقّتَين لإستقبال النفايات: برج حمّود – البوشرية، ومصبّ نهر الغدير، مع إعادة فتح مطمر الناعمة مؤقتاً أيضاً. وترافق قرار فتح المطامر مع توجّهٍ لدفع أموالٍ، تشبه الرشى، للبلديّات التي ستستقبل النفايات في نطاقها، على أنّ تتحمّل البلديّات المستفيدة جزءاً من هذه الكلفات تؤمّنه بدورها من الصندوق البلديّ المستقلّ. لم يتوقّف القرار عند هذا الحدّ من إعادة إنتاج السياسات ذاتها التي أوصلت إلى الأزمة، بل ذهب أيضاً إلى تحميل البلديات المستفيدة تكاليف تمديد العقود مع الشركتَين، بالإضافة إلى تكاليف إنشاء المطمَرين في برج حمود والكوستابرافا. كلّ هذه الكلفات يجب أن تؤمّن من الصندوق البلديّ المستقلّ، في تغييبٍ تامٍّ لإرادة هذه البلديّات.

وهكذا، إستكملت "سوكلين" أعمالها، وبدأ "مجلس الإنماء والإعمار" بإجراء المناقصات. فرست أهمّ المناقصات على شركة المقاولات المعروفة بإسم "جهاد للتجارة والمقاولات"، التي أتى من نصيبها إنشاء مطمر الكوستابرافا. وهي شريكةٌ في أعمال مطمر برج حمّود، عبر تقديمها المعدّات. كذلك، فازت بمناقصة الفرز والمعالجة عبر إئتلافها مع شركة SARICO البلغاريّة. واللافت أن الأسعار الفائزة بمناقصة الفرز والمعالجة جاءت أقلّ من الأسعار التي كانت تتقاضاها "سوكلين"، علماً أن نسبة الطمر ستنخفض بمعدل 20 في المئة[8]. وتبلغ الكلفة الإجماليّة للفرز والمعالجة 81 مليون دولار، تأتي ضمنها الضريبة على القيمة المضافة التي ستتكفّل بها الدولة. وبقي إسم "سوكلين" مطروحاً في إطار مناقصة الكنس والجمع، إلا أنّ فضّ العروض في تشرين الأول 2015 أدّى إلى تلزيم هذه الأعمال لإئتلاف "معوّض - إدّه" مع شركة "سوريكو" البلغاريّة، بقيمة 128 مليون و763 ألف دولار.

بتحقيق ذلك، تخرج "سوكلين" أخيراً من من هذا الملف، تاركةً خلفها إرثاً من المطامر والنفايات غير المعالجة. هذا الإرث ذهب إلى مقاولٍ آخر لا يقلّ نفوذاً عن "سوكلين".. فهل تعاقب "سوكلين" ليعتبر خلفاؤها من تجربتها؟

عمّال "سوكلين" إلى المجهول

شكّل عمّال "سوكلين" حلقةً أساسيّةً من الحلقات التي تأثّرت بمسار هذا الملف. وكما كلّ ملفّات الفساد الكبرى التي تتعلّق بهدر المال العام، يتحوّل عمّال الشركة الخاصّة المتعاقدة مع الدولة إلى "كبش محرقة". التطبيق الحرفيّ لذلك في حالة "سوكلين" إضطر العمّال على تنفيذ إضرابٍ عن العمل في مواجهة إحتمال صرفهم من دون تعويضات.

شهر تشرين الثاني من العام 2016 شهد على بداية إضراب مفتوحٍ نفّذه عمّال وموظفي شركتَي "سوكلين" و"سوكومي". وفقاً لما صرّح به عضو لجنة ممثلي موظّفي وعمّال "سوكلين" طلال حمدان لجريدة "الأخبار"، طالب العمّال الإدارة بمعرفة مصيرهم في حال إنتهاء مدّة العقد الموقّع بين الشركة و"مجلس الإنماء والإعمار" (http://al-akhbar.com/node/266701). كما طالبوها بدفع قيمة تعويضاتهم الكاملة بما فيها نهاية الخدمة، وبدل أشهر الإنذار، ومستحقّات الضمان، بالإضافة إلى تقديم تعويضاتٍ منصفةٍ للعمّال الذين لحقت بهم إصابات عمل. ويبلغ مجمل عدد العمّال في الشركتين حوالي ثلاثة آلاف عاملٍ، بينهم ألفان من غير اللبنانيّين.

إستمرّ الإضراب من 19 إلى 23 تشرين الثاني، وأفضى إلى تعهّد الإدارة دفع مبالغ نقديّةٍ للعاملين كتعويضات. وجاء في بيانٍ أصدرته الشركة إنّها تتعهّد بدفع مبالغ نقديّةٍ للعمّال والموظّفين وفقاً لما تمّ الإتفاق عليه خلال المفاوضات. يذكر هنا أن التوصّل إلى هذا الحلّ إستلزم تدخّلاً مباشراً من وزير العمل سجعان قزّي الذي عقد إجتماعاً حضره إلى إدارة الشركة وممثلي العمّال والموظّفين، رئيس مجلس الوزراء تمّام سلام، ووزير الداخليّة والبلديّات نهاد المشنوق، وممثّلون عن الأجهزة الأمنيّة، ورؤساء كافّة إتّحادات البلديّات. مع ذلك، ووفقاً لرئيس نقابة سائقي الشاحنات في "سوكلين" طه نصّار، فإنّ التعويض الذي حصل عليه العمّال اللبنانيّون "غير منصف". إذ، بغض النظر عن عدد سنوات العمل، إحتسب في التعويض بدل شهرين إنذار وبدل شهرٍ عن كلّ سنة عمل. أما العمّال الاجانب فـ"لم نتمكن من معرفة إن تقاضوا أيّ تعويضٍ، حيث أنّ الشركة تصرّفت بتكتّمٍ شديدٍ إزاءهم".

في نهاية المطاف، فرضت مجموعةٌ من الضغوط على العمّال القبول بالعرض، وكان أبرزها بحسب نصّار: "رفض توظيفنا لدى جهاد العرب ("شركة العرب للمقاولات")، والمضايقات داخل الأحزاب التي ننتمي إليها". ومع ذلك، فإن الإنتقال للعمل في الشركة الجديدة بقي معلّقاً بـ"قبول الشركة لطلباتنا في التوظيف. إذ تمّ قبول بعضنا، وتمّ رفض آخرين، لا سيما كبار السنّ والمصابين في أثناء عملهم السابق".

نشر هذا المقال في العدد 47 من مجلة المفكرة القانونية


[1] الوكالة الوطنيّة للإعلام: كنعان بعد إجتماع لجنة المال: موضوع النفايات ليس سياسيّاً بل وطنيّ صحيّ وإصلاحيّ، 01 آذار 2016، http://nna-leb.gov.lb/ar/show-news/209333/
[2] -- هديل  فرفور، "رشى للبلديّات و"سوكلين" باقية: الحلّ المؤقّت... دائم"، الاخبار، مجتمع وإقتصاد، العدد 2837، 14 آذار 2016 ( http://www.al-akhbar.com/node/254124)
[3] -  هديل فرفور، إرجاء التحقيق مع سوكلين: "هذه الدعوى بسيطة"، الأخبار، مجتمع وإقتصاد، العدد 2860، 12 نيسان 2016 (http://www.al-akhbar.com/node/255909)
[4] - هديل فرفور، "العبرة في النتائج: التحقيق مستمر مع سوكلين وأخواتها"، الأخبار، مجتمع واقتصاد، العدد 3027، 7 تشرين 2016.
[5] - هديل فرفور، "العودة الى سوكلين: تمديد الحل المرحلي الدائم"، الأخبار، مجتمع وإقتصاد، العدد 2837، 14 آذار 2016 (http://www.al-akhbar.com/node/254127)
[6] - ميريم مهنّا، "ملف إدارة النفايات في لبنان: شركة "سوكلين"، الفساد والتعدّي على صلاحيّات البلديات وأموالها" ، المفكّرة القانونيّة، 12  تشرين أول 2015، نشر في العدد 32 من مجلة المفكّرة القانونيّة.
[7] - الوكالة الوطنية للاعلام، مجلس الوزراء بحث أزمة النفايات: الفرز من المصدر وإستحداث مطامر ومراكز معالجة مع حوافز للبلديّات، 12 آذار 2016، (http://nna-leb.gov.lb/ar/show-news/211368/)
[8] - هديل فرفور، "العرب يفوز بمناقصة الفرز والمعالجة أيضاً" ، الأخبار، مجتمع وإقتصاد، العدد 2976، السبت 3 أيلول 2016، http://www.al-akhbar.com/node/264216