أكد رئيس الجمهورية التونسية السيد باجي قايد السبسي في الحوار الصحفي الذي اجراه مع صحفيي  قناة نسمة التلفزية التونسية مساء يوم 19-02-2017 معارضته المبدئية لاعتماد العقوبات السجنية في حق من يتهمون باستهلاك المخدرات وبحثه عن حلول تيسر تحقيق التزامه الإنتخابي بإنهاء العمل بالقانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بالمخدرات. وذكر أنه حاول الحد من قسوة قانون المخدرات الذي يفرض عقوبة السجن لمدة سنة على من يتهمون باستهلاك المخدرات باستعمال آليتين هما العفو الخاص والمبادرة التشريعية. ولكن أمام معاينته صعوبة الإصلاح، بات يفكر في حلّ جذري يتمثل في منع تتبع من يستهلكون المخدرات قبل سن قانون جديد.

المبادرة التشريعية والعفو الخاص: حلول لم تنهِ المشكلة

كشف رئيس الجمهورية في تصريحه الصحفي أنه سخر صلاحية العفو الخاص التي يمنحه إياها الدستور[1] والقانون ليمنع بقاء من يحكم عليهم من أجل جرائم استهلاك المخدرات مسجونين طيلة مدة محكوميتهم التي يفرض القانون أن تكون سنة كاملة. وأفاد أن الامر آل للإفراج عن كل من يقضي شهرا فقط بالسجن وهو إجراء استفاد منه أكثر من سبعة آلاف شاب كانوا مسجونين.

من جهة أخرى، أكد رئيس الجمهورية أن مشروع القانون عدد79 لسنة 2015 المتعلق بالمخدرات[2] مبادرة صدرت عنه ويعكس رؤيته التي ترفض أن يعاقب من يضبط لأول مرة يستهلك المخدرات، وهي رؤية لم تجد قبولا من قبل نواب الشعب بعدما تمسك عدد منهم على مستوى لجنة التشريع العام بضرورة تعديله بما يؤول لمعاقبة كل من يتهم باستهلاك المخدرات.

 أدى الجدل حول مشروع قانون المخدرات كما أوضح ذلك رئيس الجمهورية لتعطيل المصادقة عليه. كما أدى تواصل نفاذ القانون عدد 52 لأن تمادت المحاكم في إصدار بطاقات الإيداع بالسجون في حق من يستهلكون المخدرات. وهو أمر دفع رئيس الجمهورية حسب تصريحه للتفكير ببديل يتمثل في إيقاف التتبعات مستقبلا في حق من يستهلكون المخدرات.

الإيقاف المؤقت للتتبعات: حلّ في انتظار صدور القانون الجديد  

كشف الرئيس عن اعتزامه دعوة  مجلس الأمن القومي[3] لاجتماع يعمم إثره قرارا بعدم  إثارة تتبعات عدلية مستقبلا في حق من يستهلكون المخدرات. وينتظر بالتالي أن يستعمل الرئيس ما لوزير العدل من سلطة رئاسية على الإدعاء العام لضبط سياسة جزائية توقف مؤقتا التتبعات العدلية في حق مستهلكي المخدرات. ويعدّ هذا التدخل متى تم أول تطبيق عملي لاحكام الفصل 115 من الدستور التونسي والذي يخضع عمل النيابة العامة للسياسة الجزائية للدولة. ومن المنتظر أن يترافق هذا التدخل مع معارضة قضائية لاعتبار أن الدستور يشترط أن يضبط القانون أساليب تحديد إلزام النيابة العمومية بالسياسة العامة الجزائية وأنه يقتضي تحقيق استقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية وأيضا بالنظر إلى مشروعية التساؤل حول إمكانية تحول هذه السياسة الى أداة لتعطيل نفاذ القوانين. ويصعب إبداء موقف من دستورية هذه المبادرة قبل توضح معالمها،وإن كان يخشى أن تشكل رغم إيجابيتها سابقة لفرض رقابة سياسية لرئيس الجمهورية على سلامة القوانين خارج أطر صلاحياته الدستورية.

ويؤمل في هذا الإطار أن يفتك القضاء زمام المبادرة فيفرض حقه الدستوري في تفريد العقوبات في حق من يتهمون باستهلاك المخدرات بما ينهي مبررات التدخل ويقطع مع الصرامة الشكلية التي لا زالت بعض المحاكم تعتمدها في تطبيقها لقانون المخدرات.

فالقضاء ليس آلة لإنتاج الأحكام الخالصة، إنما مساحة توزن فيها مسؤولية كل فرد وفق شخصيته وظروفه بموضوعية ومع مراعاة مقتضيات الصالح العام. 

 


[1] الفصل 77 من الدستور
[2] يراجع – كريم نمور ملاحظات المفكرة القانونية حول مشروع قانون المخدرات    
[3] احدث مجلس  لأمن القومي بمقتضى امر حكومي نشر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية بتاريخ 19-01-2017
وتتمثل مشمولاته في السهر على حماية المصالح الحيوية للدولة في اطار تصور إستراتيجي يهدف الى صون سيادة الدولة واستقلالها وضمان وحدة ترابها وسلامة شعبها وحماية ثرواتها الطبيعية
ويتولى المجلس التداول حول عدة مسائل تتعلق خاصة
السياسات العامة في مختلف المجالات المتعلقة بالأمن القومي
الاستراتيجيات الوطنية في المجالات المتعلقة بالأمن القومي
الخيارات الاستراتيجية في مجال الاستعلامات
الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف والارهاب وتحيينها بصفة دورية
 توجيه السياسة الخارجية وفق أولويات الأمن القومي
النظر في المسائل التى يعرضها عليه رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة
ويتكون  هذا المجلس الذي يعقد برئاسة  رئيس الجمهورية من رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب، والوزارء المكلفين بالعدل والدفاع والأمن والشؤون الخارجية والمالية ورئيس المركز الوطني للاستخبارات