أصدر القاضي جاد معلوف حكماً حمى تلفزيون "الجديد" من رقابةٍ مسبقةٍ أراد أن يفرضها عليه، بقوّة القانون، أحد المستفيدين من قطاع الإتصالات في هذا البلد. لحمايتها، قدّم متن الحكم مطالعةً تسوق دراساتٍ تثبت ترابطاً بين حريّة الإعلام والفساد، على قاعدة أنّ "نسبة الفساد تتضاءل كلما إزدادت حريّة التعبير". وهي مقاربةٌ بالغة الأهميّة في السياق الإعلاميّ المحليّ، إذ تدلّ على كيفيّةٍ في تأسيس دولة ما بعد الحرب اللبنانيّة أتاحت وتتيح الحريّة والفساد معاً.

في معظم الدول المحيطة، تُعاق الحريّة بالمنع الصريح، فيرتاح النظام إلى أدائه وفساده. في لبنان، إجترح أمراء "الطائف" معادلةً تتيح الإثنين بشروط التأسيس، في زمنٍ سبق الكثرة والإتاحة في التعبير. وعلى ضوء السنة الفائتة التي شهدت إنفلاشاً لافتاً في الفساد ترافق مع تصاعدٍ في الدعاوى القضائيّة الساعية إلى لجم حريّة التعبير، يمكن أنّ يُقرأ حكم القاضي معلوف كإنتصار للمقاومات الإعلاميّة، الممأسسة والفرديّة، يتيح لها البقاء، حتى ولو حصّن النظام نفسه راهناً ضد قدرتها التأثيريّة.

الحريّة، لا التسريب

في مقدّمة نشرة أخبار يوم 19-11-2016، كشف "الجديد" حصوله على تسجيلٍ صوتيّ لأربعةٍ من المرتبطين بشركة "تاتش" للإتصالات، إن بعقد عملٍ أو بصفقة فسادٍ، يناقشون مجريات سرقةٍ عامّة. فسارع إثنان من الواردة أسماؤهم – نصري خروف وشركة "أوركسل" - إلى مطالبة القضاء بوقف بثّ التحقيق. إلا أنّ معلوف ردّ الطلب، رافضاً إخضاع الإعلام لرقابةٍ مسبقةٍ، ومطَمْئناً المدّعين إلى أنّ: 1- السماح بالعرض لا يعني تأكيد الإدانة، 2- القانون يتيح مقاضاة الإعلام إنّ عرض ما يجافي الحقيقة، بعد أنّ يعرضه.

في تبريره لحكمه، قدّم معلوف مطالعةً تعيد تثبيت أقدام حريّة الإعلام في دور حماية المستهلك/ة من فساد القطاعات العامّة والخاصّة. لذلك، حاصر النظام اللبنانيّ التعبير وأدواته بشكلٍ بنيويٍّ منذ إتفاق الطائف (1989). مع نشوء الجمهوريّة الثانيّة، تمّ تنظيم الإعلام المرئي والمسموع بصيغٍ قانونيّةٍ أتاحت لرجال النظام أن يمتلك كلٌّ منهم حصّةً في حرية التعبير، إنّ على أسسٍ حزبيّةٍ أو على أسسٍ طائفيّة. بالتالي، يمكن للشعب أنّ يستفيد من حريّة إعلامه في فترات الحدّة السياسيّة بمختلف درجاتها وإشتباكاتها، لمّا تعلو الأصوات بالفضائح المتبادلة ويصبح الحصول على المعلومات تسريباً واعياً.

قام رجال الدولة بتفقير المرافق الإعلاميّة العامّة حدّ الإفلاس، بالتوازي مع تعزيز مؤسّساتهم الإعلاميّة الخاصة، بما يؤمّن لهم سيطرةً على الخطاب العامّ وإستثماراً فرديّاً فيه. هشّموا القطاع العام، وصادروا القطاع الخاص. فلا خبر عاجل يصدر عن "تلفزيون لبنان" الغارق في أزماته وأزمنته، وإنما يصدر الخبر عن الشاشة الأقرب للسياسيّ المعنيّ. وكذلك، لو أتت شاشةٌ بفضيحةٍ عن سياسيّ، تُساق كـ"حملةٍ" من السياسيّ صاحب المحطة ضد السياسيّ المستهدَف بالفضيحة. المعلومات متاحةٌ، حريّة تداولها متاحةٌ، أما قدرتها التأثيريّة فقد تخصخصت كالكثير سواها من مرافق الحياة العامّة: تؤثّر في الجماهير، ولا تؤثّر في النظام. إذ عشنا صيفاً من التظاهرات والفضائح خلال الحراك المدنيّ صيف 2015، وبقيت فضائح السرقة والإدارة في ملف النفايات مستمرة حتى الساعة، ومع ذلك، لم يُقَدّم أيّ مسؤول أُعلِنَ فساده للمحاكمة. هناك مَن كوفئ بحلقاتٍ تكرّمه، وهناك من فاز بمناصب تدلّله، وهناك من بدا قابلاً للإستغناء عنه إذ كلفة حمايته صارت أقلّ أهميةً من فرصة إستبداله، فمُنح الذهاب الحرّ إلى منزله، وفي جعبته ملاييننا نحن وقطاعنا العامّ. وثّق الإعلام ذلك كلّه، لكنّ القدرة التأثيريّة للإعلام تقع تحت حصار النظام منذ تأسيس الجمهوريّة الثانية. معظم المؤسّسات محاصرة، ومعظم المؤسّسات فيها مقاومات.

خروج التعبير عن "الطائف"

خلال 27 عاماً مضت منذ نهاية الحرب، إرتاح النظام بقطاعيه الخاصّ والعامّ إلى هذا الوضع، حتى ظنّه فعلاً جنّةً للتعبير يتيحها للإعلام ويمنحها للمواطنين. لكنّ تطوّر وسائل التواصل وعولمتها خرجتا بحريّة التعبير عن الإعلام الممأسس المحاصَر بالرخص والإمتيازات والميزانيات. صارت إفتراضيةً ومُتابَعة، حتى إضطرت وسائل الإعلام الخاصّة على اللحاق بها والتداخل معها إذا أرادت الإستمرار كإستثمارٍ عصريّ. هذا الواقع أدخل تبدّلاً على التعبير، حريّته، والإعلام. فثار النظام ضد هذه الحريّة مؤخراً لمّا أصابت ناحيةً منه، وتكاثرت الدعاوى بحقّ الوسائل الإعلاميّة والمدوّنين والصحافيّين و... اليوم، النظام بسطوته على القطاعين العامّ والخاصّ يتعامل مع الإعلام وحريّته كواحةٍ تحتاج إلى ضبط. وهو، بذلك، يستمر في مسيرة لجم الأصوات التي تشقّ التركيبة الحاكمة منذ 27 عاماً. ففي المؤسّسات التي تمّ توزيع رخصها طائفيّاً وسياسيّاً، نشطت أجيالٌ من الصحافيين والصحافيات القادرين/ات بالكفاءة ونسب المتابَعة على الخروج عن إجماعاتٍ صارت هشّة أمام العصر. كذلك، على مرّ السنين، نشأت مؤسّسات صحافيّة أو ذات طابعٍ صحافيّ، صغيرة أو متوسطة، قادرة على الوصول إلى المعلومات وعرضها للرأي العام، خارج إدارة النظام للفضائح الإعلامية كأدواتٍ منفعيّة لطرفٍ ضد آخر. وقد أتى حكم القاضي جاد معلوف لينتصر لهذه الفئة المقاوِمة تحديداً. لقد مدّ هذا الحكم الخطاب النقديّ في المؤسّسات السائدة بدفعٍ وحمايةٍ يحتاجها دائماً في مفاوضاته على البقاء.

نحن لا نعيش في جنّةٍ إعلاميّةٍ، فحريّة التعبير عندنا لا تقترن بالقدرة على إحداث التغيير. وحتى التقرير الذي أشار إلى إمكانيّة فسادٍ والذي حكم معلوف بردّ الرقابة عنه، لم تعتبره النيابة العامّة إخباراً ولم تتحرّك للتحقيق فيه. القضية الوحيدة التي رفعت في هذه القضية كانت ضد الإعلاميين ولم تكن ضد المشتبه بهم في الفساد. صحيحٌ أنّ المعلومات متاحة، لكنها تُتاح مجرّدةً من القدرة التأثيرية. بطريقةٍ أو بأخرى، تلك وسيلةٌ لإسكات المعلومات بشكل عامّ. تصبح مادّة ترفيه، لا تغيير. مادّة للمعايرة السياسيّة، لا لحماية المواطنين.

أمام حشدٍ من المخابرات المركزيّة الأميركيّة، وقف الرئيس الأميركيّ المتوّج للتوّ دونالد ترامب وقال: "أنا في حرب مفتوحة مع وسائل الإعلام. الإعلاميون من أكثر الناس خداعاً على وجه الأرض". بالتالي، أطّر المادّة الإعلاميّة التي تنشر فضائحه وتنتقد سياساته كمادةٍ تنمّ عن كراهيّة، في جوٍّ إستقطابيٍّ حادٍّ في أميركا اليوم وفي بلادنا كلّ يوم. إنّ الخطاب السياسيّ الصاعد في العالم راهناً يشترط لتحقيق وعوده ضرورة التوجسّ من الإعلام وحريّة التعبير.

هنا، وفي ظلّ الملايين التي يتمّ تغريم المؤسسات الإعلاميّة بها وأوامر عدم التعرّض المستجدة التي تصدر بحقّ وسائل الإعلام، ظهّر القاضي جاد معلوف في حكمه ضرورة دعم "المادّة الناجية" من رقابة رجال النظام على الحيّز العام.

لقد تزامنت أزمة الصحافة مع تفاقم الفساد. وهي أزمةٌ تنهك التعبير، إن لجهة إقفال المؤسسات والإمتناع عن دفع الرواتب والمستحقات، أو لجهة تأسّسها في المال السياسيّ وإنصهارها في القطبيّة وإغراقها النقد في وجهات النظر وفي برامج الإثارة والتسطيح. هو واقعٌ يحاصر التعبير بنيويّاً، ومنذ التأسيس.

يقول جاد معلوف في متن الحكم: "واجب الدولة تأمين مشاركة القطاع الخاص في منع الفساد". هو يذكّر بالدولة، بينما النظام يهمشّها. هو يستدعي الدولة، بينما النظام يصادر صوتها. فالنظام يحتلّ كافة مقاعد الدولة: المعارِضة كما الموالية، العامّة كما الرسميّة. يعيق ظهورها كي لا نتذكّرها، يكتم نفسها كي لا تُسائله في أدائه، وينصرف بعدها هانئاً إلى إدارة مصالحه في القطاع الخاصّ. فكيف يأتيه تقريرٌ ويتجرّأ بسذاجةٍ على إقلاق راحته؟!

لكنّ، يبدو أن معركة القضاء بين النظام والدولة ليست محسومةً بعد. ولأجلها أيضاً، تُحمى حريّة التعبير.

نشر هذا المقال في العدد 47 من مجلة المفكرة القانونية