تعرضت قناة الجديد خلال الليلتين السابقتين، لحملة من الترهيب والاعتداءات على مبناها من قبل مجموعة تنتمي الى الحركة السياسية التي يرأسها رئيس مجلس النواب نبيه بري (حركة أمل). وتجمع عدد كبير من الشبان أمام المبنى فراشقوه بالحجارة وأطلقوا المفرقعات النارية باتجاه المكاتب، ما أدى الى وقوع أضرار. أما خلفية الإعتداء فكانت حلقة من البرنامج الساخر "دمى كراسي" لشربل خليل، استضاف فيها النائب السابق حسن يعقوب (نجل الشيخ محمد يعقوب المفقود في ليبيا مع السيد موسى الصدر). أما بقية الشخصيات في الحلقة، وهي عبارة عن دمى، فمثّلت دور رئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس الليبي السابق معمر القذافي بالاضافة الى الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون. أثارت هذه الحلقة، رغم خلوها من أي مادة استفزازية، حفيظة حركة أمل، لينتهي الأمر بتصرفات عدوانية واضحة لم يحاول بري أو الحركة احتواءها.

ليست المرة الأولى التي يتمادى فيها مناصرو الرئيس بري بترهيب شخص أو جهة على خلفية أقواله وآرائه. قبلها تعرض صلاح نورالدين ومعه متظاهرون أثناء الحراك المدني عام 2015 لهكذا إعتداء: ضرب وإيذاء وتكسير. شكوى نورالدين ضد هؤلاء حفظت على الرغم من حصول الإعتداء ضده أمام كاميرات تلفزيونات عدة. اما دعوى بري بوجه الأخير فأصبحت على مشارف صدور قرار فيها (28-2-2017). وأمام هذا الواقع، يصحّ استرجاع جزء من مرافعة وكيل الرئيس بري المحامي وسيم منصوري: "مثول موكلي أمام عدالة المحكمة هو دليل على رفضه الإعتداء على أي مواطن". ذلك أن "لجوء المدعي إلى القضاء ليس شكليّا فهو الآن ماثل كمواطن أمام قضاء يحترمه ويجله". غير أن بري "ليس شخصاً عادياً"، لذا سيكون مثوله أمام القضاء هذه المرة ذا تعبير أدق عن السلطة التي يملكها تجاه مناصريه.

توضح وكيلة المحطة المحامية مايا حبلي لـ "المفكرة القانونية" أن الجديد امتنعت بعد الاعتداء الأول ( ليل 10/2/2017) عن الإدعاء على أي من المشاركين فيه. وقد انطلقت في قرارها هذا من اعتبار التحرك مجرد "ردة فعل شعبية". غير أن الإعتداء الثاني سبق بحملة على فايسبوك وهاشتاغ (#حملة_مقاطعة الجديد). وقد عبر العديد من مستخدميه عن نيتهم بالاعتداء على المحطة: "لن نرتاح إلى أن يذاع نشيد حركة أمل عبر الجديد/ رح يتغير اسم خلي عينك عالجديد الى انتبه على عينك بالجديد (عبارة مرفقة بصورة معدلة تظهر مقدمي الأخبار كمن تلقى لكمة على عينه)". الا أن الوضع تبدل بعد الليلة الثانية، عندما تحول الأمر الى استهداف منظم، فـ "تم التقدم بشكوى أمام مخفر الرملة البيضا ضد حركة أمل كحزب سياسي ممثلة برئيسه (بري) بجرائم الإعتداء والإيذاء والتعدي على الحريات العامة والمهنية". ويشمل الادعاء "كل الأشخاص الذين ظهروا بوضوح بالصور". هذا وكان النائب العام التمييزي سمير حمود قد أعلن عبر الجديد ليلة أمس أن "القوى الأمنية ستلقي القبض على كل من تظهره الصور مشاركاً في الإعتداء". على أرض الواقع، لم يعلن عن القاء القيض على أي منهم. ليظهر بوضوح كيف تكال الأمور بمكيالين، لو قارنا تعاطي القوى الأمنية مع شبان يعتدون على محطة تلفزيونية، بتعاملها مع متظاهرين يطالبون بحل بيئي لأزمة النفايات عام 2015. الأخيرون يمثلون  أمام المحكمة العسكرية. أما المعتدون على الجديد فيتداولون عبر هاشتاغ "حملة_مقاطعة_الجديد"، نكتة تستخف بالشكوى المقدمة ضد بري أمام القضاء. ما يعكس شعور هؤلاء بكونهم والحزب الذي ينتمون اليه بمنأى عن المحاسبة ما دامت ارتكاباتهم تحصل باسم حزبهم ولمصلحته.

في مطلق الأحوال، هذه الازدواجية التي تنتهي الى إفلات كل محسوب على زعيم من العقاب، ليست جوهر هذا الموضوع. بل قمع الحريات باستخدام العنف والأساليب الميليشياوية، ليصبح كل شخص معرضاً للخطر لا على أساس رأيه فقط، لا بل على خلفية تناوله لموضوع بعينه. وهذه هي الحالة اليوم، حيث لم يعجب حركة أمل على ما يبدو كيفية تناول خليل لقضية الصدر باتجاه يفتح المجال لمساءلتها عن مدى حرصها الفعلي على القضية.

في حديث للمفكرة مع صحافي فضل عدم ذكر اسمه، أكد هذا الأخير أن "للإعلام دور بكسر المحظورات، للتمكن من الوصول الى الحقائق". والحال أن "كون حركة أمل تعتبر أن اختطاف الصدر قضيتها لا يخرجها من إطار المساءلة عما آلت اليه القضية، فقد تكون نفسها التي تعرقل تقدمها". من هذا المنطلق يجد الصحافي أن "ردة الفعل هذه على برنامج ساخر، لا تفهم الا كرسالة توضح مخاطر التفكير بمعالجة هذه المسألة بطريقة جدية لا يمكن دحض نتائجها". وتبدو أمل بهذا المعنى "متخوفة من إحراجها ربما، الأمر الذي يبرر عدم تبرئها من أفعال مناصريها هذه المرة".

والحال فقد بات الحزب التابع لرئيس مجلس النواب، موصوماً  بترهيبه كل محاولة للتعبير الحر ومسألة لا يستسيغها حزبه. بهذا الصدد لا بد من استعادة جزء من دفاع وكيل نورالدين المحامي نزار صاغية: "من غير المقبول أن يعتبر الرئيس بري نفسه بمنأى عن أحداث العنف التي افتعلت بحق المتظاهرين باسمه. فهو لم يعتبر قضية الذين تعرضوا للاعتداء قضية له، لم يدافع عن كرامة هذا المواطن، كلّ ما تحرّك لأجله كان الدفاع عن حقه الشخصي وكرامته الشخصية". لذا فان ما تفعله جهة الادعاء اليوم هو الدفاع عن كرامة شخص. أما ما نفعله نحن فهو الدفاع عن كرامة شعب تم تفقيره وإذلاله وتهجيره ولم يعد لديه إلا الكلمة كي يسائل المسؤولين الذين داسوه. وبالطبع، كرامة الشعب أعلى وأسمى من كرامة أي زعيم مهما بلغ شأنه... لماذا لم يتحرك الرئيس بري لضمان ملاحقة ومحاكمة كل الذين اعتدوا على المتظاهرين ومنهم نور الدين أمام كاميرات التلفزة ضنا بكرامة المواطنين؟ كرئيس مجلس نيابي، هل يُقبل أن يعبّر عن حساسية فائقة إزاء رفع يافطة ضده، فيما لم يعبر عن أي حساسية إزاء ضرب المواطنين بالعشرات في الشارع وباسمه؟". ومع هذه الحادثة الجديدة، يمكن إضافة: "هل يُقبل أن يعبّر الرئيس بري عن حساسية فائقة إزاء مقاربة قضية الصدر خلافا لوجهة نظره، فيما لا يجد حرجا في اعتداء عشرات من الشبان على تلفزيون الجديد وتاليا على حرية التعبير بإسمه؟"

والأهم من ذلك، باسم أي حصانة فعلية، هجم شبان حركة أمل على متظاهري الحراك؟ وباسم أي حصانة يهجمون اليوم على قناة تلفزية؟ وألا يتحمل القضاة والضابطة العدلية جزءا من المسؤولية حين تنصلوا من مسؤولياتهم في ملاحقة المعتدين على الحراك، فها نحن نحصد مزيداً من العنف والإعتداء من أشخاص يتصرفون فعلاً كأنهم أعلى من القانون وأن كل شيء مباح في سبيل عيون "الزعيم" من دون أي حسيب؟ بكلام آخر، ألسنا أمام جرائم إضافية ترتكب نتيجة سواد ثقافة الإفلات من العقاب.

للأسف، طارق يتيم ليس نموذجا يتيما، ولا النموذج الأخطر.