لم تشهد العلاقة بين النظام المصري والمنظمات الحقوقية، ما تشهده الآن من تضييق من خلال استخدام كافة السبل من التشويه الإعلامي، والحصار الأمني، وترسانة قوانين بتجريم العمل الحقوقي. والجديد الذي أخصص له هذا المقال هو دخول مجلس القضاء الأعلى في هذه المواجهة المفتوحة مع المنظمات الحقوقية المصرية. ففي 3 مارس/ آذار 2016[1] تقدّم المجلس الأعلى للقضاء ببلاغ ضد القاضيين هشام رؤوف الرئيس بمحكمة الاستئناف وعاصم عبد الجبار نائب رئيس محكمة النقض بزعم الإشتغال بالسياسة والتعاون مع مؤسسة غير شرعية "المجموعة المتحدة للاستشارات القانونية والمحاماة"[2] التي يديرها المحامي الحقوقي نجاد البرعي لإعداد مشروع قانون لمكافحة التعذيب والضغط على رئيس الجمهورية لإصداره. وبناء على هذا البلاغ، قامت وزارة العدل بانتداب قاضي تحقيق، للتحقيق مع البرعي متهمة إياه بتأسيس جماعة غير مرخصة باسم "المجموعة المتحدة محامون مستشارون قانونيون" بغرض التحريض على مقاومة السلطات العامة وممارسة نشاط حقوق الإنسان من دون ترخيص، وتلقي تمويل وإذاعة أخبار كاذبة عمداً وتكدير الأمن العام وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة. كما اتهمت القاضيين بعدد من الإتهامات من بينها الإشتغال بالسياسة. وتوالى التحقيق مع المحامي نجاد البرعي لست جلسات، قبل أن يتم تحديد جلسة 18 يونيو 2016  للإستماع لأقوال القاضي هشام رؤوف، وجلسة 19 يونيه 2016 للإستماع لنائب رئيس محكمة النقض المستشار عاصم عبد الجبار.

وتعود وقائع الإتهام إلى أن المجموعة المتحدة قد عقدت ورشة خبراء في ١١ مارس ٢٠١٥ لعرض ومناقشة مشروع قانون، تم إعداده بمشاركة خبراء قانونيين ومستشارين، وساعد في الاشراف على الصياغة القانونية للمشروع القاضيان هشام رؤوف وعاصم عبد الجبار، للعمل على أن تتلاءم الصياغة مع نصوص الدستور، وتتماشى مع المعايير الدولية، وتتوافق مع التوصيات التي أقرت مصر بقبولها أثناء جلسة الاستعراض الدوري الشامل لملفها الحقوقي أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في عام ٢٠١٤. وبعد أن أرسلت المجموعة المتحدة مسودة مشروع القانون إلى وزارات الدولة المعنية، ومنها وزارة العدل، فضلًا عن إرساله لرئاسة الجمهورية؛ فوجئ القاضيان المشاركان في إعداد القانون بأخبار صحفية تؤكد -نقلاً عن مصادر قضائية- ندب قاضي للتحقيق معهما على خلفية مشاركتهما في إعداد مشروع القانون، وفي ورشة الخبراء التي نظمتها المجموعة المتحدة.

ويعتبر هذا الإجراء تطوراً مؤسفاً من جهتين:

  • إنخراط هذه الهيئة القضائية بما تمثله في قمع المنظمات المدنية، مع ما يكشفه ذلك من رؤية متطرّفة لكبار القضاة لما هو سقف العمل الحقوقي. فما حدث يمثل سابقة فريدة من نوعها، فلم يتصل علمنا سابقا بواقعة كتلك تتصدى فيها أعلى هيئة قضائية مصرية لأنشطة المنظمات المدنية وتتعامل معها باعتبارها منظّمات غير شرعية، رغماً عن كون الشكل القانوني للمجموعة المتحدة شركة محاماة. ومن شأن قرار هذه الهيئة، بما تتمتع به من أدوات سيطرة على القضاء، أن يضعف آمال الحقوقيين بالتمتع بالمحاكمة العادلة أمام القضاء المصرية،  
  • ولكن أبعد من مسألة قمع المنظمات الحقوقية، من شأن هذه القرارات أن تشكل تقييداً غير مبرر لحرية القضاة أو إنخراطهم في أي إصلاح قانوني ومنعهم من التواصل مع المنظمات المدنية أو على الأقل ربط أي حرية بالتواصل مع هذه المنظمات بموافقة مسبقة من قبل المجلس نفسه. وما يزيد الأمر قابلية للنقد هو أن هذا القرار صدر تبعا لمشاركة القاضيين في "مراجعة صياغة مشروع القانون للوقوف على مدى الملاءمة الدستورية لنصوصه".

 


[1] بعد التحقيق معه لإعداده قانونا يكافح التعذيب.. نجاد البرعي: «مصدوم من التهمة»  http://tinyurl.com/hftwxz8
[2]  شركة محاماة مصرية تهتم برفع القدرات الفنية والإدارية والقانونية لعملائنا وتعزيز فرصهم على التطور والمنافسة الجيدة؛ بما يساعد على ارتقاء المجتمع وتقدمه.  https://ug-law.com/ar /