أصبح الحديث عن وجود " مافيا "  متخصصة في جرائم الآثار حديثا علنيا إذ تنقل الصحف التونسية بصفة متكررة خاصة في الآونة الأخيرة أخبارا حول تفكيك شبكات متخصصة في سرقة الآثار والتنقيب عنها بطريقة غير قانونية[1].

هذه السرقات الأثرية لم تقتصر على فترة الإنتقال الديمقراطي ما بعد 14 جانفي بل هي امتداد لاعتداءات سابقة وصلت إلى حد تورط النظام السابق فيها الذي كان على علم بهذه الاعتداءات. فقد تمّ العثور في قصر سيدي الظريف الرئاسي على 57 قطعة أثرية إضافة إلى قيام السلطة بعمليات لإخراج عقارات من الملك العمومي الأثري والتفويت فيها للخواص.وتم إلغاء هذا التفويت بإصدار 14 أمراً[2] بموجب المرسوم عدد 11 لسنة 2011 والمؤرخ في 20 مارس 2011.

تبين هذه الاعتداءات حجم الخطر الذي يهدد هذه الثروة الوطنية. وإن غالبا ما تشمل هذه النهديدات الآثار نظرا لطبيعتها المادية، فإن التراث غير المادي يعاني هو أيضا من التجاهل على المستوى القانوني والواقعي. ففي الوقت الذي تصنف منظمة اليونسكو التراث إلى تراث مادي وإلى تراث لا مادي وتخصص لكل منهما اتفاقية دولية منفردة لتكريس حمايتهما[3]، ما زالت مجلة حماية التراث التونسية مقتصرة على تنظيم وحماية التراث المادي[4] التي لم يقع تنقيحها حتى بعد مصادقة تونس على اتفاقية اليونسكو لصون التراث غير المادي لتتلاءم مع التصنيف الجديد ولتقر الحماية لكلا الصنفين.

لا يتعلق الإشكال فقط بالاعتراف القانوني بالتصنيف الدولي ضمن مجلة التراث وإنما في عدم اتخاذ تونس لأي إجراءات جدية من أجل تنفيذ هذه الاتفاقية وتجسيد أهدافها بصون التراث اللامادي منذ المصادقة عليها ما يستدعي الحاجة إلى مراجعة القوانين وإلى تحديد دور وزارة الشؤون الثقافية في تأسيس برامج دائمة لا تتغير بتغير الوزير.

ويعتبر مشروع "مدن الحضارات" الخاص بمجال التراث الذي أعلن عنه وزير الشؤون الثقافية الحالي محمد زين العابدين ضمن البرنامج الوطني للثقافة والمحافظة على التراث لسنة 2017، الأول من نوعه بعد الثورة في مجال حماية التراث المادي واللامادي. وهذا المشروع الذي يأتي متزامنا مع مشروع "مدن الفنون" الخاص بالميدان الثقافي، يهدف إلى تثمين التراث الوطني في بعديه المادي واللاّمادي بإدماجه في إطار مسالك ثقافية وإبرام 50 عقد استغلال للمعالم والفضاءات الثقافية والتراثية ودعم مبادرات لحوالي 50 جمعية ثقافية تنموية في مجال تثمين الذاكرة والتاريخ والتراث وفي مجالات تنظيم الزيارات للمتاحف والمعالم والمواقع الأثرية والتاريخية. وقد قدرت الكلفة التقديرية لمشروع «تونس مدن الحضارات» بـ 2 مليون دينار.

رغم هذه الإيجابيات، فإن التخوف ما زال مطروحا خاصة حول الطابع المناسباتي لهذا المشروع. ويبدو هذا التخوف مشروعا في ظل تغير برامج وأولويات الوزارة مع كل تحوير وزاري فيها وفي ظل إحصائيات مفزعة  صرح بها مدير وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية رضا قاسم أكد فيها أن تونس "لا تستغل سوى 53 معلما أثريا من بين حوالي 30 ألف موقع"[5] إضافة إلى الإهمال المتواصل للتراث اللامادي. وما يعمق " أزمة التراث " في تونس هو ضعف الهياكل المشرفة على هذا القطاع التي من أهمها المعهد الوطني للتراث، المحدث بموجب الأمر عدد 1609 والمؤرخ في 26 جويلية 1993 ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية المحدثة بموجب الأمر عدد 11 والمؤرخ في 25 فيفري 1988 والمتمعن في كلا الأمرين المحدثين للهيكلين يلاحظ التقارب والتشابه في الوظائف المنوطة بعهدتهم رغم استقلال كل هيكل عن الآخر وتمتعهما بشخصية معنوية واستقلالية مالية.

كل هذه الإشكاليات تجعل رهان حماية التراث أولوية قصوى لا بد لوزارة الشؤون الثقافية أن توليها الاهتمام اللازم سواء في ضمان ديمومة برامجها أو كذلك من خلال مراجعة مجموع النصوص القانونية. فمجلة حماية التراث بحاجة لرؤية جديدة تعزز ما أتى به تنقيح 2011 بموجب المرسوم عدد 43 والمؤرخ في 25 ماي 2011 الذي شدد من العقوبات المسلطة على المعتدين على التراث. وهي رؤية لا بد أن تأخذ من جهة أولى بعين الإعتبار التراث بنوعيه المادي واللامادي في انسجام مع الاتفاقيات الدولية المصادق عليها وأن تعيد النظر من جهة أخرى في هيكلة وكالة إحياء التراث والمعهد الوطني للتراث كمصالح مختصة في التراث بما يضفي نجاعة في مجابهة الاعتداءات وفي صيانة المعالم الأثرية خاصة في ظل تعالي الأصوات المنددة بحالة التجاهل لأزمة هذين الهيكلين اللذين يعتبران "مقبرتي التراث" بحسب تصريح كاتب عام النقابة الأساسية لمحافظي التراث حمد غضباني[6].

وفي هذا السياق التشريعي، فإن خطوات وزارة الشؤون الثقافية ما زالت متجهة لإضافة قوانين جديدة عوض الاهتمام بمراجعة القوانين السابقة وتنظيم عمل الهياكل الموجودة بقوانين إداريا وماليا خاصة أنها تنكب منذ مدة على عقد اجتماعات تشاورية داخلية خاصة بمشروع قانون يتعلق بقطاع المتاحف.

 

[1] - بيان لوزارة الداخلية التونسية بتاريخ 18/01/2017 :تمكن أعوان إدارة الشرطة العدلية بالإدارة العامة للأمن الوطني بتاريخ 17/01/2017 من ضبط شبكة متكونة من 4 أشخاص ومتخصصة في سرقة الآثار والتنقيب عنها.
- " سبيطلة – ولاية القصرين : سرقة حجر أثري عمره حوالي ألفي سنة ووزنه طن من الموقع الأثري العبادلة السبعة " – إذاعة IFM التونسية – 07/01/2017
- " الإطاحة بعصابات الآثار في سليانة وبن عروس والحمامات : حجز 9 قطع أثرية وزوجة رئيس حزب سياسي مورطة." – جريدة الشروق 26/11/2016.
- " تفكيك شبكة للتنقيب على الآثار بباردو بحوزتها خريطة وآلة للكشف عن المعادن " – جريدة آخر خبر 28/09/2016.
[2]  تناول تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد برئاسة الأستاذ عبد الفتاح عمر التجاوزات المتعلقة بالآثار في الفرع الثاني عشر منه من الصفحة 303 إلى الصفحة 306.
[3]  اتفاقية اليونسكو المتعلقة بحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي المعتمدة في 16/11/1972.
اتفاقية اليونسكو لحماية التراث الثقافي غير المادي المعتمدة من قبل اليونسكو المعتمدة في 17/03/2003.
[4]  قانون عدد 35 لسنة 1994 مؤرخ في 24 فيفري 1994 والمتعلق بإصدار مجلة حماية التراث الأثري والتاريخي والفنون التقليدية.
[5]  تصريح إعلامي بمناسبة ندوة المندوبين الجهويين للثقافة المنعقدة بمدينة المهدية – 07/01/2017.
[6]  مقال الأستاذ حمد غضباني الكاتب العام للنقابة الأساسية لمحافظي التراث  بعنوان " إلى ما تستمر وزارة المحافظة على التراث في تجاهل مشاكل قطاع التراث " –نشر بموقع نواة بتاريخ  24/01/2016.