تعرف “العدالة الانتقالية” بأنها مجموعة الأساليب والآليات التي يستخدمها مجتمع ما لتحقيق العدالة في فترة انتقالية في تاريخه, تنشأ هذه الفترة غالبا بعد اندلاع ثورة أو انتهاء حرب، يترتب عليها انتهاء حقبة من الحكم السلطوي القمعي داخل البلاد، والمرور بمرحلة انتقالية نحو تحول ديمقراطي. وهنا وخلال هذه الفترة الإنتقالية تواجه المجتمع إشكالية هامة جدا، وهي التعامل مع قضايا انتهاكات حقوق الإنسان سواء كانت حقوقا جسدية أو اقتصادية أو حتى سياسية. ومن الممكن أن نقول أنها عبارة عن فترة أو مرحلة ما بعد الأزمات، "الثورات". ويقصد بها العدالة التي تنتقل بالمجتمعات من حالات الصراع إلى حالة التوافق والسلام وصولا إلى نظام ديمقراطي يمنع تجدد الصراعات.

ولم تخرج تونس عن هذا الإطار للعدالة الانتقالية. فبعد إندلاع ثورة 14 جانفي 2011، وقع تبني فكرة العدالة الإنتقالية من خلال إحداث هيكل يعنى بتحقيقها وهو هيئة الحقيقة والكرامة صلب الفصل 148 من الدستور الجديد. وبالرجوع إلى القرار عدد 1 لسنة 2014 المؤرخ في 22/11/2014 المتعلق بضبط النظام الداخلي للهيئة، أنشئت هيئة الحقيقة والكرامة كهيئة مستقلة تتمتع بالشخصية القانونية والإستقلال المالي، من أهم مهامها تحديد مسؤوليات أجهزة الدولة أو أية أطراف أخرى في الإنتهاكات وتوضيح أسبابها واقتراح المعالجات التي تعمل دون تكرارها وإجراء التحكيم والمصالحة وفقا لأحكام القانون الأساسي للعدالة الإنتقالية. ويقتضي تحقيق المهام الموكلة لهيئة الحقيقة والكرامة التواصل مع عدة أجهزة  في الدولة من أبرزها المكلف العام بنزاعات الدولة باعتبار أن الدولة في شق من القضايا كانت متضررة وفي شق آخر مسؤولة عن انتهاكات قد تكون ارتكبتها أجهزة تابعة لها. وبالرجوع  لأحكام الفصول 1 و 2 و 3 من القانون عدد 13 لسنة 1988 المؤرخ في 7 مارس 1988، تُرفع من المكلّف العام بنزاعات الدولة أو ضده الدعوى التي تكون الدولة أو أية مؤسسة ذات صبغة إدارية طرفا فيها طالبة كانت أو مطلوبة لدى المحاكم العدلية أو الإدارية بما في ذلك قضايا التسجيل العقاري وإلا تكون الدعوى باطلة من أساسها. كما يتولى المكلف العام القيام بالحق الشخصي لدى المحاكم الجزرية لطلب التعويض عن الضرر الحاصل للدولة أو المؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية، كما يتولى تمثيل الدولة والمؤسسات العمومية أمام المحاكم الأجنبية وهيئات التحكيم الدولية كما يتولى إبرام الصلح في حق الدولة التونسية.

وإنطلاقا من المهام الموكلة لهيئة الحقيقة و الكرامة ولجهاز المكلف العام بنزاعات الدولة، فإن العلاقة بينهما تقتضي تكاملا وتواصلا دائما. وبالفعل، انطلق العمل منذ بدء إنشاء الهيئة بين الهيكلين بشكل نموذجي، لكن سرعان ما توترت العلاقة بينهما. فماهي الأسباب والآثار المترتبة على هذا التوتر؟

في الحقيقة، أول تجليات العلاقة بين الهيكلين كانت بمناسبة إبرام مشروع اتفاق صلح بين الدولة التونسية يمثلها المكلف العام بنزاعات الدولة وصهر الرئيس السابق سليم شيبوب بإشراف هيئة الحقيقة والكرامة وفق مقتضيات الفصل 25 من النظام الداخلي للهيئة الذي ينص على أن لجنة التحكيم والمصالحة تختص بالنظر في مطالب الصلح المتعلقة بالإنتهاكات على معنى القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 والقانون الأساسي عدد 17 لسنة 2014 المؤرخ في 12 جوان 2014. فالمدعو سليم شيبوب تعلقت به عدة قضايا، أبرزها المرفوعة من طرف المكلف العام بنزاعات الدولة في حقّ الدولة التونسية، وهي تصنف كانتهاكات في المجال المالي تضررت منها الدولة التونسية. وللتخلص من تبعات هذه النزاعات، قدّم هذا الأخير ملفاً لهيئة الحقيقة والكرامة وتحديدا للجنة التحكيم والمصالحة بهدف إبرام صلح بينه وبين الدولة. وفعلا تم إبرام إتفاق أولي بتاريخ 5 ماي 2016 بين المكلف العام بنزاعات الدولة في حق الدولة التونسية وشيبوب برعاية هيئة الحقيقة و الكرامة وقد تضمن هذا الاتفاق تمكين المكلف العام بنزاعات الدولة من الإطلاع على عرض الصلح المقدم من صهر الرئيس السابق سليم شيبوب على أن يقدم جوابه للجنة التحكيم والمصالحة في عضون ثلاثة اشهر من تاريخ إبرام الإتفاق. ورغم ذلك، لم يقدم المكلف العام جوابه ضمن المهلة المتفق عليها، ولا ضمن مهلة التمديد لشهر. فماهي أسباب هذا التأخير في الجواب؟

تبعاً لما سبق بسطه، فإن موضوع الصلح هو انتهاكات مالية بالأساس أي أن المكلف العام بنزاعات الدولة سيبرم صلحا ماليا في حق الدولة التونسية. وبالرجوع للأمر عدد 2046 لسنة 1997 المؤرخ في 20 اكتوبر 1997، نتبين أن القانون حدد سقفا ماليا للمكلف العام بنزاعات الدولة في مجال الصلح لا يمكن تجاوزه وقد حدد هذا السقف ب 30 ألف دينار. أما إذا كان المبلغ أكثر من 30 ألف دينار وأقلّ من مائة ألف دينار، فإن قرار الصلح يعرض على مصادقة وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية. أما إذا تجاوز المبلغ 100 ألف دينار، فيتعين عرضه على لجنة المنازعات. والأكيد ان المبلغ موضوع الصلح مع السيد سليم شيبوب يتجاوز بكثير هذا السقف. وفعلا، فقد تمسك المكلف العام بنزاعات الدولة بهذه النقطة القانونية في أولى جلسات المصالحة بتاريخ 8 جوان 2016 وبيّن أن ليس له الصفة لإبرام الصلح مع شيبوب نظرا لوجود هذا العائق القانوني. كما بيّن أن القانون عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الإنتقالية وتنظيمها ينص على الجهة التي تمثل الدولة من دون أن يبين الجهة التي تمثلها.

فضلا عن ذلك، فقد نشب خلاف قانوني آخر بين المكلّف العامّ بنزاعات الدولة وهيئة الحقيقة والكرامة، وهو خلاف تعلّق بجملة الملفّات التي يمثل فيها المكلف العام الدولة أمام الهيئة وهو الخلاف الذي أحدث القطيعة بين الجهتين. فقد امتنعت الهيئة عن مدّ المكلف العام بنزاعات الدولة بالوثائق والمؤيدات التي قدمها الخصوم في كل القضايا سواء التي كانت فيها الدولة طالبة أو مطلوبة  معتبرة أن للهيئة وحدها حق الإطلاع على تلك الوثائق في حين تمسك المكلف العام بنزاعات الدولة بضرورة الإطلاع على الوثائق إحتراما لمبدأ المواجهة. وفي الحقيقة، فان موقف الهيئة غريب: فبالرجوع إلى الفصل 31 من القانون عدد 53 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية، نجده ينص على أنه لا يحق الحصول على المؤيدات والوثائق التي بحوزة الهيئة أو الإطلاع عليها إلا من قبل المعنيين بها والمؤاخذين بموجبها. وفي الحالات الأخرى، لا يكون ذلك إلا بمقتضى إذن منها أو من المحكمة. وعملاً بهذا الفصل وطالما أن الدولة طرف في النزاع سواء كانت طالبة أو مطلوبة، فإنه من واجب الهيئة إطلاع المكلف العام بنزاعات الدولة على الوثائق التي يقدمها الخصوم احتراما لمبدأ المواجهة وهو مبدأ أساسي لتحقيق محاكمة عادلة. فكبف يمكن للدولة أن تقدم دفوعاتها طالما لم تتطلع على وثائق الخصوم؟ وكيف يمكن الحديث عن عدالة انتقالية والهيئة التي تسهر على تحقيقها لا تحترم أدنى مقومات المحاكمة العادلة و هو مبدا المواجهة بين الخصوم؟ وقد نجم عن هذا الخلاف بين الهيئة والمكلف العام بنزاعات الدولة آثار سلبيّة عدّة، أهمّها مقاطعة المكلّف العامّ لجلسات الهيئة، مما نجم عنه تعطل مسار العدالة الإنتقالية باعتبار أن الدولة طرف أساسي في جل القضايا المرفوعة أمام الهيئة في حين أن اكتمال بناء الجمهورية الثانية يتطلب حتما غلق كل ملفات الماضي عبر آلية العدالة الإنتقالية والإنتقال إلى مرحلة التأسيس للحاضر والمستقبل. كما أن هذه القطيعة ستساهم في فقدان الثقة بين الضحايا والهيئة وبين الدولة والضحايا وبين الهيئة والدولة، فيتحول قانون العدالة الإنتقالية من نص يهدف إلى تضميد جراح الماضي ولمّ شمل أفراد الشعب إلى ميدان للقطيعة وتعميق الجراح.

الحل يكمن في نظري بالرجوع فورا لطاولة الحوار بين الجانبين والبحث عن حلول قانونية وهي بسيطة. ففي خصوص مشكل السقف المالي في مجال الصلح المبرم من المكلف العام بنزاعات الدولة، فإنه يمكن التدخل لتنقيحه وإلغاء هذا السقف أو إفراد مجال العدالة الانتقالية بنص خاص في مجال الإنتهاكات المالية يسمح للمكلف العام بإبرام الصلح دون الوقوف على سقف مالي معين. كما أنه على الهيئة أن تحترم أولا قانون العدالة الانتقالية الفصل 31 منه ومبدأ المواجهة وتمكن المكلف العام بنزاعات الدولة من الإطلاع على كل المؤيدات والوثائق. ففي النهاية، المكلف العام جهاز رسمي في الدولة ومكون أساسي من مكونات المنظومة القضائية.

نشر هذا المقال في العدد 7 من مجلة المفكرة القانونية في تونس