بمناسبة بدء جلسات الإستماع إلى الضحايا في تونس وما يستدعيه من تذكّر ومراجعة مجتمعية، تفرض أرشيفات الأجهزة الأمنية والمحاكم الإستثنائية العاملة في ظل حكومات الجمهورية الأولى نفسها على الباحثين الراغبين بالمساهمة في هذا الجهد. ويأتي هذا المقال المخصص لأحد جوانب أرشيف محكمة أمن الدولة المحفوظ في مؤسسة الأرشيف الوطني من ضمن هذه المقاربة وقوامه الرسائل التي وجهها ضحايا هذه المحكمة ومقربون منهم لقضاة التحقيق فيها. وتجدر الإشارة إلى أنه كان تم بعث هذه المحكمة بهدف النظر ب الجنايات والجنح التي تتعلق بأمن الدولة الداخلي والخارجي والضرب بسرعة على أيدي العابثين الذين تخامرهم فكرة شيطانية لضرب أمن الدولة الداخلي والخارجي"[1]. دفعت الأزمات السياسية التي عرفها نظام حكم الحبيب بورقيبة لأن تواترت دعوات هذه المحكمة للإنعقاد ولأن تشمل أحكامها كل العائلات السياسية والناشطين النقابيين المعارضين للنظام. وقد ارتبط تاريخ محكمة أمن الدولة بأزمة الحكم في ذلك العهد. وللتخلص من أثر هذا الارتباط، قرر الرئيس الذي أعقبه زين العابدين بن علي الإستغناء عن خدماتها بمجرد تسلمه للسلطة نهاية سنة 1987[2]. منذ ذلك الحين، باتت محكمة أمن الدولة جزءاً من التاريخ السياسي والقضائي التونسي. فلنتذكر (المحرر).  

كان ملف "تجمع الدراسات والعمل الإشتراكي التونسي" أول الملفات التي تحال على هيئة محكمة أمن الدولة. تعلّق الملف بمجموعة من الطلبة والجامعيين والإطارات الإدارية من ذوي التوجهات الشيوعية. وكان هؤلاء أصدروا بلاغات وصاغوا نصوصا تطالب بالإصلاح وتنتقد الحكم الشمولي للرئيس الحبيب بورقيبة وتطرح الشيوعية كبديل للنظام القائم[3]، وقد عرّفهم قاضي التحقيق لدى هذه المحكمة في إنابته آنذاك ب "عموم من يعتنقون المذهب الشيوعي الماركسي اللينيني ويثيرون البلبلة ويثيرون الطبقات الشعبية ويحمسونها ضد النظام" أو أيضاً ب"من تآمروا على أمن الدولة" كما ورد بالإتهام الموجه إليهم. وكان عددهم آنذاك 157 متهما منهم 60 طالبا فيما توزع بقيتهم بين إطارات عليا ممثلة اساساً في أساتذة جامعيين وإطارات حكومية وتربوية.

يظهر في ملف القضية وفي نظر المتهمين ذي النظرة النقدية للوضع القائم قاضي التحقيق كشخصية أساسية في الأبحاث وإن كان دوره القضائي يقتصر على إصدار إنابة عدلية لمصلحة سلامة التراب بوزارة الداخلية (فرقة أمن الدولة لاحقا) مباشرة بعد السماع الأولي للمتهم، ليعقب ذلك سماع ثان لذات المتهم ينتهي في آخر المطاف بإصدار قرار ختم بحث يعهد الدائرة الحكمية لمحكمة أمن الدولة بالإعتماد على الإعترافات التي سجلت لدى الباحث المناب. وإزاء ذلك، يبرز من خلال الملفات سعي من المتهمين وأسرهم وفي بعض الحالات معارفهم إلى إقناع هذا المرجع القضائي بوجوب لعلب دور أكبر حسبما يتحصل من المراسلات الموجهة إليه. فقد حفظ الأرشيف 77 مراسلة موزعة على الملفات الثلاثة للقضية، وجهت كلها "للسيد قاضي التحقيق بمحكمة أمن الدولة"، وأمكن تصنيفها على أساس مصدرها وفقا للآتي:

أولاً: مراسلتين صدرتا عن مرجعيات علمية: أولاهما  صدرت عن أستاذ جامعي بفرنسا ووجّهها لقاضي التحقيق التونسي ليحدثه فيها عن "التميُّز العلمي للطالب المتهم محمد الشرفي[4] ورجاحة فكره. رجاحة الرأي هذه والإعتدال اللذين بررا تمتيعه خلال السنة التي أوقف فيها بمنحة دراسية خاصة. أما الثانية، فصدرت عن أستاذ جامعي فرنسي ومدير كلية الآداب بتونس سابقا، يتعرض فيها لمناقب الطالب أحمد بن عثمان الرداوي[5].

 ثانياً: ثلاث عشرة مراسلة موجهة من أولياء لمتهمين موقوفين كان موضوع الطلب فيها يتراوح بين طلب السماح للإبن الموقوف باجتياز امتحان الباكلوريا و"التماس تحسين ظروف الزيارة" أو"الافراج عن الإبن العائل لأسرته". ومن بين هذه المراسلات، اثنتان متلاحقتان وجهتهما أم المتهم طالبة في الأولى السماح لإبنها بزيارة خاصة لوالده الذي يحتضر ويتمنى رؤية إبنه، وفي الثانية أن يؤذن لإبنها بحضور جنازة والده الذي توفي من دون أن يتسنى له رؤيته.

ثالثاً: ثلاث مراسلات هي عبارة عن طلبات زيارة خاصة، واحدة توجه بها صديق أحد المتهمين واثنتان صدرتا عن قنصل عام فرنسا بتونس وتعلقت بالسماح لفرنسيين بزيارة أحد الموقوفين لعلاقة ذاتية تجمعهما به.

رابعاً: 58 مراسلة وجهها المتهمون أنفسهم لقاضي التحقيق[6]. ويمكن تصنيفها بدورها وفق موضوعها. فمنها:

رسائل اتصلت بمجريات المحاكمة وغالبها ذات طابع إحتجاجي أو تضمنت طلبا في الإسراع بالمحاكمة. ومن بينها، رسالتان التمس فيهما من كتبهما استدعاءهما لمعاينة آثار التعذيب بجسديهما قبل زوالها وعرضهما على الفحص الطبي لهذا الغرض. ومنها أيضاً سبع رسائل احتجّ فيها المتهمون على قرار قاضي التحقيق رفض الإفراج عنهم طالبين منه فيها مراجعة قراره. وتبرز في هذا الإطار بشكل خاص رسالة صدرت عن "المتهم خميس الشماري"[7] لما ورد فيها من مبادئ تتعلق باحترام حقّ المتّهم في الحرية ومن دفاع عن استقلالية القضاء. واللافت هنا هو صدور هذه الرسالة عن متهم مسلوب الحرية في مواجهة قاض لا يؤمن بتلك القيمة.

رسائل اتصلت بشكل مباشر بظروف التوقيف (30)، كالمطالبة بإنهاء السجن الإنفرادي. كما تضمنت تلك المراسلات مطالب تتعلق بحقوق المساجين من قبيل طلب الإعتراف بصفة سجين رأي وفصله عن سجناء الحق العام، وتمكين السجين من أقلام وكتب وكراسات، إضافة للمطالبة بالحق في الإستماع للإذاعة وقراءة الصحف. وقد تضمنت اثنتان منها إعلاناً ببدء إضراب جوع احتجاجا على تجاهل مطالبهم.

رسائل اتصلت بممارسة حقوق ذات طابع اجتماعي، ومنها رسالتان لمتهمين طلبا فيها كل منهما الأذن له بعقد قرانه في السجن من فتاة ذكر هويتها وعبرا عن رغبته في الزواج منها رغم "الإعتقال"،

بالمقابل، متهم واحد فقط سعى للتبرؤ من التهم المنسوبة إليه من خلال إعلان ولائه للنظام الحاكم (انتماءه للحزب الاشتراكي الدستوري وتأييده الكلي للزعيم الحبيب بورقيبة الذي تمنّى له طول العمر). وقد تضمنت الرسالة تلك رفضاً تاماً للفكر الشيوعي.

اختلفت الرسائل بحسب المطالب التي تضمنتها. لم يتخذ قاضي التحقيق قرارا ايجابيا الا فيما تعلق بطلبي الزيارة الذين صدرا عن القنصل العام الفرنسي. في المقابل، كان قرار قاضي التحقيق في بقية المراسلات هو نفسه: تدوين كلمة واحدة على ملف هؤلاء: "تضاف". ويؤكد تطابق القرارات رغم اختلاف مواضيعها، على أنّ سياسة تجاهل الطلبات والرسائل والإمتناع عن أي قرار كانت أسلوباً معتمداً بشكل منهجي في عمل قضاة التحقيق لدى محكمة أمن الدولة.

ختاماً، تجدر الإشارة إلى أن ما تضمّنته رسائل ملفات متهمي (محكومي) محكمة أمن الدولة من مطالب إنما تؤشر إلى وعي حقوقي بأن القضاة الذين تولوا تعقّب الشرذمة الضالّة كانوا يتولون عملياً تعقّب الفكر خدمة للنظام الكلياني. وإذ تُظهر تلك الرسائل معاناة شباب كان يتطلع للتمتع بالحق في المعرفة وأحياناً في تأسيس عائلة، فهي تظهر أيضا تصميم محرّريها على خدمة أوطانهم وفق تصوراتهم الفكرية وإن تطلب الأمر منهم تضحيات كبرى. فتح ملفات الماضي يفيد كثيراً في مداواة جراحه وفي استشراف المستقبل.

نشر هذا المقال في العدد 7 من مجلة المفكرة القانونية في تونس


[1] مداولات مجلس الأمة التونسي، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، عدد 19 بتاريخ 30-09-1968.
[2] تم حذف محكمة أمن الدولة بموجب القانون عدد 79 لسنة 1987 مؤرخ في 29-12-1987
[3] كان منطلق القضية على مستوى قاضي التحقيق الملف عدد 26958. وقد اختار قاضي التحقيق لاحقا أن يجزئ الملف إلى ثلاث قضايا باعتبار التهم التي وجهها. وربما تكون هذه التجزئة على علاقة برغبة السلطة الحاكمة بالحد من قدرة المنظمات الحقوقية على متابعتها.
[4] أفرج عن محمد الشرفي من سجن إيقافه بعد قضائه 15 شهرا من مدة محكوميته وأتم اثر ذلك دراساته الجامعية ليكون من أبرز فقهاء القانون بتونس وقد تولى خلال الفترة من 1990 إلى سنة 1994 وزارة التربية وأرسى حينها برنامجا هاما لإصلاح التعليم وان كان يؤاخذ بانتمائه للحكومة خلال اهم مراحل القبضة الأمنية لنظام زين العابدين بن علي.
[5] احمد بن عثمان  الرداوي من ابرز الناشطين الحقوقيين التونسيين  من مؤسسي فرع منظمة العفو الدولية بتونس توفي سنة 2008
[6] رسائل المساجين و عددها 58 :طلب منح حقوق السجين السياسي  28 رسالة  - إعلام باضراب عن الطعام  عدد 2 رسائل - طلب الافراج عدد 6 رسائل  - طلب السماح باجتياز امتحان عدد 2 رسائل - احتجاج على التعذيب و سوء المعاملة عدد 4 رسائل - طلب الحق في رؤية الأهل عدد  3 رسائل - طلب امضاء تفويض للزوجة للتصرف في أموال رسالة  - رسالة اعتذار  - طلب رؤية محام عدد 2 رسائل - احتجاج على رفض مطلب الافراج عدد 7 رسائل - طلب السماح بعقد القران عدد  2 رسائل
[7] يعد خميس الشماري أبرز الناشطين الحوقيين والسياسيين التونسيين قبل الثورة تم انتخابه إثر الثورة عضوا بهيئة الحقيقة والكرامة لكنه استقال لاحقا منها.