• مداهمة واقتحام 6 منظمات محلية ومحاولات مستمرة لإغلاق مقر مركز النديم.
  • تجميد أرصدة والتحفظ على أموال 5 منظمات محلية و4 منظمات دولية و7 نشطاء حقوقيين، وفي انتظار قرارات جديدة تطول منظمتين وثلاثة نشطاء.
  • منع عشرات النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان من السفر بشكل مفاجئ ومن دون سبب معلوم.
  • التحقيق مع عشرات النشطاء على خلفية عملهم في منظمات المجتمع المدني.
  • التشهير بالحقوقيين والطعن في مصداقيتهم بوساطة حملات إعلامية منظمة.
  • وأخيرا ضبط وإحضار الحقوقية النسوية عزة سليمان بقوة من الشرطة من دون استدعائها بشكل قانوني للمثول للتحقيق.
     

هذا هو حال المنظمات الحقوقية والمدافعين عن حقوق الإنسان في مصر. وجدير بالذكر أن استهداف هذه المنظمات ليس ممارسة مستجدة للسلطات العامة المصرية. لكن ما نشهده الآن هو محاولات حقيقية ليس فقط لتضيق الخناق عليها ولكن لتصفيتها وإنهاء عملها والأبعد من ذلك التنكيل بأعضائها. ومن شأن هذا التضييق أن يؤدي إلى إغلاق آخر منافذ التعددية في مصر بعد الهيمنة التي فرضها النظام الحاكم على الحياة السياسية والبرلمان والإعلام.

وكانت المواجهة بين أنظمة ما بعد الثورة والمجتمع المدني بدأت في وقت مبكر. ففي موازاة المظاهرات الكبرى في ميدان التحرير بتاريخ 3/2/2011 تم اقتحام إحدى هذه المنظمات الأكثر قدماً ونشاطاً في الأوساط الشعبية، وهي مركز هشام مبارك للقانون. وهو الأمر الذي فسره البعض في حينه كنتيجة لمواقف المنظمات الحقوقية التي أعلنت تأييدها للدعوة لتظاهرات يناير قبل بدئها، ونسّقت فيما بينها لإنشاء جبهة للدفاع عن متظاهري مصر[1]، وبخاصة من يتم توقيفه منهم. وقد استمرّت هذه المنظمات في تقديم الدعم القانوني لكافة المتعلقين في الأحداث المختلفة، بعد الثورة وحتى الآن، بالإضافة الي رصد وتوثيق كافة الانتهاكات[2] التي قامت بها الحكومات المتعاقبة سيما تلك التي وقعت أثناء فترة إدارة المجلس العسكري للبلاد. فأصدرت هذه المنظمات العديد من البيانات التي أدانت فيها إطلاق قوات الجيش الرصاص الحي على المعتصمين أو تسهيل وصول البلطجية إليهم وامتناع قوات الجيش عن القيام بدروها في حمايتهم، ثم تناولها بالنقد للسياسات الحكومية المعادية للحقوق والحريات[3]، والتي تزيد من إفقار وتهميش قطاع واسع من الشعب المصري، الأمر الذي عجل الصدام بين السلطات المصرية وحركة حقوق الإنسان.

وعلى مدى سنوات ما بعد ثورة يناير، طوّرت السلطات المصرية أساليب قمع الحراك الحقوقي بشكل عام، إلى أن وصلت لذروتها بعد 30 يونية 2013. وسنحاول هنا إجراء رسم سريع للممارسات التي فرضتها السلطة ومدى تأثيرها على عمل هذه المنظمات.

أولاً: التشويه الإعلامي والاغتيال المعنوي لحركة حقوق الإنسان

دأبت الحكومات المتعاقبة بعد ثورة يناير على استخدام نفس نهج حكومات مبارك في تشويه سمعة الحركة الحقوقية المصرية ولكن بوتيرة أعلى وأكثر شراسة من ذي قبل. وقد بدأ ذلك باستخدام بعض الأبواق الإعلامية المحسوبة على الأنظمة المختلفة –بعض مذيعي البرامج، والصحفيين- ولم يختلف في ذلك الإعلام الموالي للمجلس العسكري عن القنوات الإعلامية للإخوان. فكلاهما كان يصف منظمات المجتمع المدني المدافعة عن حقوق الانسان بأنها طابور خامس وممولة وعميلة للخارج بالإضافة إلى انتشار ألفاظ من شأنها تحقير الحركة الحقوقية "الحكوكيين" و "النوشتاء" "وحكوك الإنسان". وما لبث أن تطور الهجوم الإعلامي على الحركة الحقوقية واشترك في ذلك الاعلام الرسمي للدولة. فتبنت بعض المؤسسات الرسمية الحملة الشرسة على الحركة الحقوقية والتي بدأت في سبتمبر 2011 بنشر جريدة الإهرام وهي إحدى أهم الصحف القومية تحقيقا صحفيا بعنوان أسرار التمويل الأجنبي للجمعيات الأهلية. وقد وصفت عمل المنظمات بأنه عبث بالأمن القومي يستدعي مواجهته بالقوانين الرادعة. وأشارت الجريدة إلى تتبع أسرار التمويل الأجنبي للجمعيات الأهلية من واقع إحصاءات وأرقام وزارة التعاون الدولي التي تعلن لأول مرة، وهو ما يشير إلى وجود أصابع حكومية/أمنية وراء الإعلان عن هذه الأرقام. ثم تبعتها جريدة الفجر بنشر معلومات مسربة ومغلوطة عن التمويلات التي تلقتها منظمات المجتمع المدني المصري وأشارت إلى 39 منظمة غير حكومية على الأقل ليست مسجلة في وزارة التضامن الاجتماعي بموجب قانون رقم 84، ولكنها تعمل بصفة قانونية كشركات خاصة أو مكاتب محاماة، ويتم التحقيق معها الآن. واستمرت هذه الحملة في تناولها للحركة الحقوقية بشكل ممنهج وكاريكاتوري، ما دفع برنامج الإعلامي الساخر باسم يوسف لتخصيص حلقة لها في برنامجه لنقد هذه الحملة في شهر ديسمبر 2011 وقبيل اقتحام عدد من مراكز المنظمات بأيام قليلة[4].

وبعد 30 يونية، زادت حدة الهجوم على الحركة الحقوقية المصرية، بعدم تم استخدام العمل الدرامي لهذه الغاية. ولعل أبرز هذه الأعمال زأكثر تعبيرا هو مسلسل القيصر[5]. ويوجه هذا المسلسل إتهاما مباشرا لمنظمات المجتمع المدني العاملة في مصر، بأنها تعمل لصالح الدول الأجنبية وتلتزم بأوامرها، كما تسعى لتهريب قيادي في إحدى الجماعات الجهادية من السجون المصرية إلى الخارج بهدف كسب رضاء أمريكا ونيل التمويل الأجنبي منها.

وتبين الحملة الإعلامية كما التطور اللاحق لمحاصرة المنظمات قضائيا وقانونيا، أن مسألة التمويل الخارجي شكلت بالنسبة إلى النظام الحاكم الذريعة والأداة المفضلتين، نظرا لما توحي به من شبهات تدخل خارجي وجني أرباح ضد المصلحة الوطنية وما تستثيره تاليا من مواقف مسبقة ضد هذه المنظمات، بمعزل عما قامت أو تقوم به. فبذلك، تظهّر السلطة العامة سياستها القمعية ضد المنظمات على أنها سياسة شجاعة يفرضها الحرص على الصالح العام واستقلال الدولة ضد الإستعمار، فيما يتحول أي خطاب حقوقي مهما كان صادقا وملتزما وضروريا للدفاع عن المجتمع إلى خطاب مأجور ومشبوه. وما يؤكد ذلك هو أن الخطاب الإعلامي الموجه ضد هذه المنظمات وضعها كلها في سلة واحدة، مركزاً على التمويلات التي تحصل عليها، فيما أن حديثه عن عملها أو عن مدى نفعه بقي مقلا وغائبا تماما. 

ثانياً: اقتحام المراكز: لا ستر على أحد

بعد 25 يناير، شهدت الساحة الحقوقية سلسلة من الإقتحامات، والتي لم تكن تستند على أيّ من الشرائط القانونية اللازمة لمثل هذه التصرفات. ففي حين نص الدستور على حرمة الأماكن الخاص وعدم جواز دخولها إلا بأذن من النيابة العامة، فإن الجهات الأمنية اختلقت العديد من الذرائع من أجل اقتحام هذه المنظمات. واللافت أن هذه الإقتحامات استهدفت في غالبها منظمات عريقة لها رصيد هام جدا في مجال الدفاع عن الحقوق الإقتصادية والإجتماعية، وبخاصة في الأوساط الشعبية. وقد ترافقت هذه الإقتحامات عموما مع مصادرة أجهزة حاسب آلي وتوقيف أشخاص لفترات وجيزة من دون أن يستتبع ذلك في غالبية الحالات فتح قضايا جزائية بحقهم.

ومن أبرز المراكز المقتحمة، مركز هشام مبارك[6] والمركز المصري للحقوق الإجتماعية والإقتصادية[7]. كما تجدر الإشارة إلى محاولة إغلاق مركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب[8]، والتي تمت على أثر إصدار المركز تقريرا بعنوان حصاد القهر[9] حول انتهاكات وزارة الداخلية وقوات الأمن على مدى عام 2015. وتضمن التقرير الإشارة لـ 328 حالة قتل خارج مقار الاحتجاز و137 حالة قتل داخل مقار الاحتجاز. كما يسجل اقتحام منظمتين هما المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة ومرصد الموازنة العامة وحقوق الإنسان (منظمات مصرية غير حكومية)، بتاريخ 29/12/2011 على خلفية قضية التمويل الأجنبي من دون توجيه اتهامات لاي منهما في حينها[10] كما تم في فترة لاحقة اقتحام مقر مؤسسة بلادي[11] وراديو حريتنا[12].

 ثالثاً: استخدام القانون لتقييد العمل الحقوقي

1- استخدام قانون الجمعيات والتهديد بالغلق ... مهلة توفيق الأوضاع

بعد أيام قليلة من تشكيل الحكومة الأولى للرئيس عبد الفتاح السيسي[13]، نشرت وزارة التضامن الاجتماعي في كلا من جريدتي الإهرام وأخبار اليوم[14] إعلانا يدعو الكيانات المختلفة التي تمارس أنشطة وعمل الجمعيات الأهلية بشكل غير رسمي إلى توفيق أوضاعها والتسجيل كجمعيات أهلية لدى الوزارة تطبيقا لقانون الجمعيات. وكان هذا الإعلان بمثابة إنذار أول للمنظمات الحقوقية المستقلة والتي تمارس عملها بعيدا عن مظلة وزارة التضامن الاجتماعي وترفض العمل وفقا لأحكامه لما يفرضه من سيطرة أمنية على المنظمات العاملة في ظله. ويعتبر هذا الإخطار أول إجراء قانوني تخاطب من خلاله السلطات المصرية المنظمات الحقوقية، الأمر الذي ينبئ عن مواجهة قادمة لا محالة.

2- تجريم العمل الأهلي ... تعديل قانون العقوبات "قانون الأشياء الأخرى"

في خطوة إستباقية من الحكومة وقبل انتهاء المدة الممنوحة لمنظمات المجتمع المدني لتوفيق أوضاعها طبقا لإعلان وزارة التضامن الاجتماعي، أصدر رئيس الجمهورية القانون رقم (١٢٨) لسنة ٢٠١٤، بتعديل المادة (٧٨) من قانون العقوبات الخاصة بتلقي تمويل بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية أو المساس باستقلال البلاد أو وحداتها أو سلامة أراضيها أو القيام بأعمال عدائية ضد مصر أو الإخلال بالأمن والسلم العام. وقد ترتب على هذا التعديل التوسع في نطاق التجريم لأي من أشكال العمل الأهلي. فلم تعد تقتصر على تجريم التمويل الوارد من الخارج، بل امتدت إلى التمويل من أي شخص طبيعي أو اعتباري وطني أو دولي سواء كان مصرياً أو يحمل جنسية أخرى. كما شمل التمويل من غير الدول الأجنبية، فجرّم الحصول على تمويل من المؤسسات الدولية المستقلة كذلك. كما توسع القانون في أشكال ما يعد جريمة سواء كان التمويل مادياً أو عينياً، بالإضافة إلى ما أسماه القانون "أي أشياء أخرى".  وبفعل هذه العبارات، أصبحنا أمام نص جنائي يجرم الحصول على أشياء غير محددة من جهات غير محددة والأسوأ من ذلك، أن عقوبة هذه الجريمة يبدأ من السجن المؤبد و بغرامة لا تقل عن خمسمائة ألف جنيه وتصل العقوبة للإعدام إذا كان الجاني موظفاً عاماً أو مكلفاً بخدمة عامة أو ذا صفة نيابية عامة. وهو ما دفع الأستاذ زياد بهاء الدين نائب رئيس مجلس الوزراء الأسبق والقريب من دوائر اتخاذ القرار يعبر عن قلقه إزاء "هذا القانون وصدوره دون مراعاة لقواعد التشريع المستقرة وبهذه اللغة الفضفاضة والصياغة الضعيفة، ما يشير إلى غياب واضح لآليات المراجعة القانونية المعتادة". ويضيف بهاء الدين أنه "بينما تشير ديباجة القانون إلى أنه قد تم عرضه على مجلس الوزراء وعلى مجلس الدولة، إلا أن معرفتي بأوساط القانون والتشريع في مصر تجعلني أشك في أن يكون هذا القانون قد أخذ حظه من التدقيق والمراجعة في أي من المجلسين أو في وزارة العدل على النحو الكافي وإلا لما خرج بهذا الشكل المعيب"[15]. ويرى بهاء الدين أن القانون نقطة تحول في علاقة الدولة بالمجتمع المدني ويعلق سيفا على رقاب ليس فقط العاملين في الجمعيات الأهلية وإنما كل من له نشاط عام، بما في ذلك الحزبي والنقابي والأهلي والاجتماعي. وهذا وضع لم تعرفه مصر منذ زمن طويل".

وقد ردت الأجهزة الحكومية على اعتراض بهاء الدين بأن هذا التعديل ضروري لمكافحة الجريمة المنظمة والتمويلات الخارجية لجماعات العنف المسلح وأنه بعيد كل البعد عن المنظمات الحقوقية. ولكن الواقع أثبت خلاف ذلك حيث يتم تطبيق هذه المادة الآن على النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان. ومن آخر هذه التطبيقات، الإتهام الذي وجهته هيئة التحقيق لكلاً من عزة سليمان مديرة مركز قضايا المرأة[16]، ومزن حسن مديرة مركز نظرة للدراسات النسوية[17] ومحمد زارع مدير المنظمة العربية للإصلاح الجنائي بتلقي تمويل أجنبي بالمخالفة لهذه المادة وغيرها من مواد قانون العقوبات والجمعيات[18]

3- قانون الكيانات الإرهابية، وقانون الإرهاب

لم تكتف الحكومة بتعديل قانون العقوبات. فمع بداية عام 2015، أصدرت قانونين آخرين الأول بشأن تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين[19] والثاني قانون مكافحة الإرهاب[20]. كلا القانونين ضما صورا عديدة لما يمكن اعتباره كيانات إرهابية، فتضمنا معاقبة كل من أنشأ أو أدار على خلاف أحكام القانون جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة، غرضها الدعوة لتعطيل الدستور أو القوانين أو عرقله عمل مؤسسات الدولة أو سلطاتها العامة أو الإعتداء على الحريات والحقوق التي كفلها الدستور والقانون أو الإضرار بالوحدة الوطنية. وتكون العقوبة السجن المؤبد إذا كان الإرهاب من الوسائل التي تستخدم في تحقيق أو تنفيذ الدعوة. ومن البيّن أن للجهات الأمنية ومن بعدها سلطات التحقيق في هذه الصورة هامش تقدير واسع، على نحو يسمح بعقاب الجمعيات الأهلية التي يمكن أن تنتقد تصرفات السلطات العامة أو تدعو المواطنين إلى التظاهر أو الاضراب للمطالبة بتحقيق إصلاحات، لأنها تكون قد أديرت على خلاف أحكام القانون ولو كان إنشاؤها مطابقا للقانون.[21]

4- مشروع قانون تصفية المجتمع المدني[22]

وافق البرلمان المصري 30/11/2016 ومن دون نقاش مجتمعي، على مشروع القانون السري، الذي تقدّم به ائتلاف دعم مصر، صاحب الأكثرية المؤيدة للحكومة في البرلمان، والذي وضع قيودا وعراقيل من شأنها تأميم العمل الأهلي بشكل عام وتصفية المنظمات الحقوقية بشكل خاص حيث اشترط أن تتوافق مجالات عمل المجتمع المدني مع خطة الدولة للتنمية، بالإضافة إلى وضعه للعديد من العراقيل التي يستحيل معها ممارسة العمل باستقلالية. وفي ذات الوقت، انتهج نفس النهج الذي سلكته الدولة في القوانين الثلاثة السابقة حيث غلظ العقوبات الجزائية المترتبة على بعض المخالفات الإدارية البسيطة.

رابعاً: الملاحقات الكيدية للحركة الحقوقية:

لم تكتف السلطة بالتخوين والترهيب، بل عمدت إلى اتخاذ إجراءات قضائية أكثر مباشرة تجاه المؤسسات الحقوقية والمدافعين عن حقوق الإنسان، من خلال استخدام القضية المفتوحة منذ عام 2011 وهي القضية المعروفة بقضية التمويل الأجنبي للمنظمات[23]، والتي باتت بمثابة السيف المعلق على رقاب الحراك الحقوقي برمته.

وتعود وقائع قضية تمويل الأجنبي للمنظمات القضية رقم 173 لسنة 2011 إلى إعلان وزيرة التعاون الدولي فايزة أبو النجا عن طلبها تشكيل لجنة تقصي حقائق من وزارة العدل للتحقيق في "التمويل الدولي المباشر لمنظمات مجتمع مدني مصرية وأجنبية". وفي شهر يوليو2011 أعلن مجلس الوزراء تكليف وزير العدل آنذاك، بتشكيل لجنة تقصي حقائق للكشف عن تمويل الجمعيات والمنظمات «بشأن ما أثير حول التمويل الأجنبي للجمعيات والمنظمات غير الحكومية التى تمارس نشاطها داخل مصر» ، وهي اللجنة التي قدمت تقريرها في أكتوبر 2011. وقد انتهى التقرير إلى أن نحو 39 منظمة غير حكومية وغير قانونية (أجنبية ومصرية) تمارس أنشطة ذات طابع (سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو أهلي أو خيري) دون الحصول علي ترخيص بذلك من وزارة التضامن الاجتماعي بالنسبة للمنظمات المصرية أو وزارة الخارجية بالنسبة للمنظمات الأجنبية، إضافة إلى 28 منظمة تتلقى أموالا من الخارج. وفي مارس 2012، غادر 17 من المتهمين الأجانب في القضية (بينهم تسعة أمريكيين) مطار القاهرة على متن طائرة أمريكية، بعد قرار النائب العام المستشار عبد المجيد محمود، برفع أسمائهم من قوائم الممنوعين من السفر، ودفعهم غرامة 32 مليون جنيه. هكذا هرب المتهمون الأجانب من القضية بعد مفاوضات أميركية مع المجلس العسكري الذي كان يحكم البلاد في ذلك الوقت، ثم أغلقت القضية في وقت لاحق في 2013 بإصدار أحكام مع إيقاف التنفيذ في مواجهة المصريين المتهمين في القضية. وهكذا انتهت القضية وذلك في شقها الخاص بـ«المنظمات الأجنبية»، بعدما أثارت توترًا حادًا في العلاقات بين مصر والولايات المتحدة، بينما ظلّ الشق الثاني الخاص بـ«المنظمات المصرية» مجمدًا في أدراج النيابة منذ العام 2012، إلى أن أعيد فتحها مرة ثانية بلا مقدمات أو أسباب، في 2014، وتم استخدام هذه القضية في التضيق على الحقوقيين المصرين من خلال عدة إجراءات منها المنع من السفر[24] (12 ناشطا) والتحفظ على الأموال[25] (7 نشطاء و5 منظمات) فضلا عن الإستدعاءات بما تخللها من إحضار بالقوة[26].

ويجدر الذكر أن ما يقوم به قاضي التحقيق ومحكمة الجنايات فيما يتعلق بالتحفظ على أموال المنظمات الحقوقية، جاء بتطبيق خاطئ للقانون، فجعل التحويلات البنكية في ذاتها جريمة، رغم عدم وجود تشريعات تُجرّم تحويلات سواء على الحساب الشخصي أو حساب المنظمات، وأن الفعل الذي يجوز العقاب عليه هو غاية استخدام هذه التحويلات. وهو ما خلت الأوراق من أي ذكر له سوى الحديث المرسل عن الإضرار بالأمن القومي، دون تحديد ما هو الفعل المادي الذي ترتب عليه الإضرار بالأمن.[27]

نهايات مأساوية؟

في ضوء ترسانة القوانين التي صدرت منذ 30 يونية، وبالنظر إلى الإجراءات الإنتقامية التي تم اتخاذها حيال المدافعين عن حقوق الإنسان، لم يعد مستبعداً إحالة الحركة الحقوقية المصرية مؤسسات وأفراداً كافة وبالتديج إلى المحاكمة بتهم تلقي التمويلات، والإساءة لسمعة مصر وغيرها من الاتهامات المغلفة التي دأب النظام على استخدامها، في ظل هذه  القوانين التي توسعت في تجريم كافة أشكال العمل العام، وأفرطت في النصوص العقابية. ولم يعد أمام المنظمات الحقوقية المصرية مجال للعمل إلا اذا تراجعت السلطة الحاكمة عن وجهه نظرها المعادية لحقوق الانسان بشكل عام بشقيها المدني السياسي، والاقتصادي الاجتماعي.

نشر هذا المقال في العدد 7 من مجلة المفكرة القانونية في تونس


[1]  هم مجموعه من المحامين الحقوقيين المصريين يعمل العديد منهم بمنظمات المجتمع المدني وتأسست الجبهة عقب اضراب 6 ابريل 2008 لتقديم الدعم القانوني لللموقفين في ذلك الوقت https://www.facebook.com/fdep.egypt/
[2]  دفتر أحوال احد مبارات الحركة الحقوقية المصرية لرصد انتهاكات السلطة المختلفة  https://daftarahwal.wordpress.com/2016/02/25/ban-travel-arrest-airports-fullreport/
[3]  بيان صادر عن 11 منظمة حقوقية مصرية بعنوان أزمة حقوق الإنسان في مصر الحصاد المر لعشرة أشهر من الحكم العسكري http://www.cihrs.org/?p=313
[4]  حلقة من برنامج البرنامج لتوضيح الأكاذيب حول دور المجتمع المدني  https://www.youtube.com/watch?v=6IMS1J3XPd4
[5]  للمزيد طالع الموضوع الصحفي العمالة والطمع للتمويل الأجنبي.. صورة «القيصر» عن المجتمع المدني في مصر http://tinyurl.com/h2l7ul5
[6]   تم الإقتحام في 3/2/2011 وقد نفذته قوات تابعه للشرطة العسكرية وأخرى بالزي المدني في خضم المظاهرات الكبرى في مركز التحرير. وإذ تم توقيف جميع الموجودين آنذاك في المركز، تم من ثم إطلاق سراحهم بعد احتجاز غير قانوني دام لمدة 48 ساعة، دون توجيه أي تهم لهم.
[7]  في ديسمبر/ كانون الأول 2013 والقبض على كل الموجودين بالمكتب في هذا التوقيت كما قاموا بالإستيلاء على مجموعة من أجهزة الحاسب الآلي. وقامت وزارة الداخلية بتبرير هذا الاقتحام أنه كان بغرض القبض على أحد الافراد الصادر بحقه أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة على خلفية اتهامه في قضية تظاهر. وهذا الأمر يدحض باجراءات التوقيف والمصادرة التي قامت بها قوات الأمن تحت تهديد السلاح والتي لا يمكن تبريرها بأي شكل بمسألة مذكرة توقيف أحد العاملين فيه.
وللاطلاع على شهادة أحد المحامين الذين تم القبض عليهم تحت تهديد السلاح من مقر المركز https://www.youtube.com/watch?v=lHTVcZvNGB8
[8] فوجئ فريق عمل المركز في فبراير 2015 بتوجه عدد من رجال الأمن بصحبة موظف من حي الأزبكية لمقر المركز، لتنفيذ قرار بغلق عيادة النديم، بناءً على قرار من وزارة الصحة، وهو القرار الذي لم يتم تنفيذه لتصادف وجود محامي المركز في ذلك التوقيت والذي اتخذ الإجراءات القانونية اللازمة.
http://www.alnadeem.org/content/%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%8A%D9%85
[9]  https://drive.google.com/file/d/0B2-QqOchi4gFN004cXBxUjBQSnc/view?pref=2&pli=1
[10]  تم الاقتحام على اثر قضية التمويل الأجنبي لثلاث منظمات دولية هي: المعهد الوطني الديمقراطي، والمعهد الجمهوري الدولي ومؤسسة بيت الحرية، والتي حكم فيها بعد ذلك في 2013
[11]  وهي مؤسسة تهتم بالعمل مع أطفال الشوارع وتطوير مهارتهم وإعادة دمجهم في المجتمع http://anhri.net/?p=158715
وقد حصل الإقتحام في مايو 2014 بناءً على بلاغ – شفوي لم يتم تحريره الا بعد اقتحام المقر -من أحد الأفراد ادعى احتجاز ابنه –المتغيب لأكثر من 15 يومًا– بمقر المؤسسة، ومن اللافت أن قوات الشرطة اقتحمت المؤسسة قبل تحرير البلاغ ودون إذن من النيابة العام، وتم القبض على مؤسسي المبادرة وآخرين. وفي وقت لاحق ضمت تحريات النيابة للقضية متطوعين آخرين بالمبادرة، واثنين من أصدقاء محمد حسانين، لم يكن لهما أية صلة بالمؤسسة، وصدر بحقهم جميعًا –المتهمين الثمانية– أمر الإحالة من نيابة وسط القاهرة الكلية لمحكمة عابدين في 8 سبتمبر 2014، في القضية رقم 4252 لسنة 2014 جنايات عابدين، وهي الدعوى التي لا زالت منظورة حتى الآن بعد مرور أكثر من عامين ونصف.
[12]  راديو حريتنا هو إذاعة تبث عبر الانترنت منذ عام 2007، ضمن مبادرات مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف، كأحد أنشطة المركز للوصول لقطاعات أوسع من الشباب من أجل نشر ثقافة الاختلاف واحترام حقوق الإنسان. وقد قامت قوات الشرطة ومباحث المصنفات الفنية باقتحام مقر راديو حريتنا وقاموا بتفتيش مقر المنظمة والقاء القبض على المدافع عن حقوق الإنسان ومؤسس الراديو أحمد سميح. وفي اليوم التالي، قررت النيابة إخلاء سبيله بكفالة مالية قدرها 5 آلاف جنيه على ذمة القضية. واللافت أيضا أن قوات الامن لم تكتفِ بتحرير محضر بسبب ما أعلنت عنه من إذاعه محتوى بدون ترخيص ولكنها أجرت تحقيقا مع العاملين بالراديو، حول كيفية صياغة الأخبار والمحتوى الخبري، وما إذا كانوا تابعين لأية مجموعات أو قوى سياسية وهو ما يشير أيضا الى اختلاق ذرائع تمكنهم من اقتحام المنظمات الحقوقية وترهيب العاملين بها.
[13]  حلفت الحكومة الاولي لعبد الفتاح السيسي اليمين الدستورية في 17 يونيو 2014, http://tinyurl.com/jh9l7zc
[14]  اعلان وزارة التضامن الاجتماعي بجريده الاهرام في 18/6/2014 وجريده اخبار اليوم في 19/7/2014
[15]  مقال لزياد بهاء الدين في جريدة الشروق http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=14102014&id=917f7ecc-b643-4a4a-83c2-13f8b409da44
[16]  http://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=14122016&id=65f4bc4e-589c-47b2-8a1f-69e44f67123f
[17]  http://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=14122016&id=d6e95198-b514-4801-9df5-8f5665698f1d
[18]  وجهت للمتهمين في هذه الدعوي مخالفة لمواد 78/1، و98 ج، و98 د من قانون العقوبات، والمواد 11، و17/2 (فقرة ثانية)، و76 من قانون الجمعيات الأهلية
[19]  القانون رقم 8 لسنة 2015
[20]  قانون رقم 94 لسنة 2015
[21]  http://www.legal-agenda.com/article.php?id=581
[22]  مشروع قانون تصفية المجتمع المدني في مصر http://www.legal-agenda.com/article.php?id=3330
[23]  لمطالعه المزيد يمكن الاطلاع على مقال سما اشرف بموقع البداية http://albedaiah.com/news/2016/03/17/109135
[24]  بدأت القائمة بمنع حسام الدين علي رئيس المعهد المصري الديمقراطي ونائبه أحمد غنيم في ديسمبر 2014، ثم في يناير 2015 منعت إسراء عبد الفتاح وفي شهر يونيو 2015 تم منع محمد لطفي، مدير المفوضية المصرية للحقوق والحريات. ثم طالت القائمة وامتدت لتشمل كلا من جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، ومزن حسن ميرة مركز نظرة للدراسات النسوية، وحسام بهجت مؤسس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ومحمد زارع مدير برنامج مصر بمركز القاهرة لحقوق الانسان وأحمد راغب مدير الجماعة الوطنية لحقوق الإنسان والقانون، ومالك عدلي من المركز المصري للحقوق الإقتصادية والإجتماعية، وعزة سليمان والدكتورة عايدة سيف الدولة من مركز النديم والعديد من النشطاء والمسؤولين في منظّمات المجتمع المدني المصري.
[25]  وحتى الآن، تم التحفظ على أموال كلا من حسام بهجت وجمال عيد وبهي الدين حسن وعبدالحفيظ طايل ومصطفى الحسن، وأحمد سميح إضافة إلى التحفظ على عدد من المنظمات وهي «مركز القاهرة لحقوق الإنسان» و«مركز هشام مبارك للقانون» و«المركز المصري للحق في التعليم» «مركز أندلس لدراسات التسامح»، وأخيرا تم التحفظ على أموال عزة سليمان ومركز قضايا المرأة. ويبدو أن سليمان لن تكون هي الأخيرة، فهناك دعوى أخرى في مواجهه كلا من مزن حسن و«نظرة للدراسات النسوية»، بالإضافة إلى محمد زارع وعاطف حافظ و«المنظمة العربية للإصلاح الجنائي»، وهي القضية المحجوزة للحكم لجلسة 11 يناير 2016. وطبقا للحظة الراهنة، هناك أحكام صدرت بالتحفظ على أموال 7 نشطاء و5 مؤسسات، ومتوقع زيادة هذا العدد دون أي سقف للتوقعات.
[26]  قام قاضي التحقيق والمسؤول عن استكمال التحقيقات في قضية التمويل الأجنبي باستدعاء عدد كبير من النشطاء العاملين بالمجتمع المدني. فقد تمّ استدعاء ثلاثة من العاملين بمركز نظرة للدراسات النسوية وإخضاعهم للتحقيق حول طبيعة عمله، ليتم استدعاء مديرة ومؤسسة المركز مزن حسن من بعد ذلك، وارجاء التحقيق معها لأجل غير مسمي. وقد تم اتباع الإجراء نفسه مع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ومع مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ومركز أندلس لدراسات التسامح ونبذ العنف. وكانت الدولة توجه رسالة لكافة النشطاء العاملين بالمجال الحقوقي بأنه لا عاصم لأحد بعد اليوم سواء من المؤسسين أو العاملين في هذه المنظمات. ولعلّ الفصل الأخير في هذه السلسة من التحقيقات هو ضبط واحضار الحقوقية النسوية عزة سليمان والتي تم اقتيادها من منزلها للتحقيق معها أمام قاضي التحقيق والذي أخلى سبيلها بكفالة مالية على ذمة القضية.
[27]  مرافعه فريق الدفاع في قضية التحفظ على أموال المنظمات https://www.madamasr.com/ar/2016/12/14/feature/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D9%85%D9%86-%D8%AC%D9%84%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%81%D8%B8-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84-%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%81%D8%A7/