الحراك الاجتماعي الذي تعيشه لبنان هذه الأيام تزامنا مع المطالب المرفوعة من أجل الغاء المادة 522 من قانون العقوبات التي تجيز تزويج المغتصبة من مغتصبها لتسهيل إفلاته من العقاب، يعيد إلى الأذهان حراكا مشابها خاضته الحركة النسائية والحقوقية المغربية في أواخر سنة 2013 اعتراضا على مقتضيات مماثلة منصوص عليها في الفصل 475 من القانون الجنائي[1]، في فقرته الثانية.

المقتضى القانوني ذاته موجود في أكثر من بلد عربي واسلامي يعكس ثقافة مجتمع ذكوري يحكمه هاجس المرأة والشرف (العائلي).

  • قراءة في الفصل 475 من القانون الجنائي المغربي  قبل التعديل

الفصل 475 من القانون الجنائي القديم كان ينص على ما يأتي:

"من اختطف أو غرر بقاصر تقل سنه عن ستة عشر عاما، بدون استعمال عنف ولا تهديد ولا تدليس أو حاول ذلك، يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من مائة وعشرين إلى خمسمائة درهم.

ومع ذلك، فإن القاصرة التي اختطفت أو غرر بها، إذا كانت بالغة وتزوجت من اختطفها أو غرر بها فإنه لا يمكن متابعته إلا بناء على شكوى من شخص له الحق في طلب إبطال الزواج، ولا يجوز الحكم بمؤاخذته إلا بعد صدور حكم بهذا البطلان فعلا" .

بقراءة الفصل 475 من القانون الجنائي يلاحظ أنه كرس مبدأ عاما مفاده توقيف المتابعة الجنائية متى تزوج الشخص من ضحيته التي غرر بها أو اختطفها، وعليه، فإن النص المذكور يتطرق لحالتين فقط: 

أ- التغرير: ويكون ذلك باستعمال وسائل تدليسية واحتيالية لنقل الفتاة القاصر برضاها إلى مكان غير مكانها الأصلي (بيت الأسرة)[2].
ب- الإختطاف: ويكون باستعمال القوة لإرغام الفتاة القاصر على مغادرة مكان إقامتها إلى مكان آخر، دون رضاها أو رضا وليها.

للوهلة الأولى يبدو أن هذا الفصل لا يتعلق أبدا بالاغتصاب، والذي يعني الاتصال الجنسي الكامل الذي يتم بين رجل وامرأة بدون رضاها، وانما يتعلق بأفعال أخرى تتمثل في التغرير أو الاختطاف، وهي لا ترقى أبدا لمستوى الجناية، وانما تبقى مجرد جنحة، يعاقب عليها بحبس لا تتجاوز مدته خمس سنوات.

لكن الاجتهاد القضائي مند صدور القانون الجنائي قبل أزيد من نصف قرن، كرس توجها بمقتضاه عمل على تمديد مقتضيات الفصل 475 المتعلقة بالإعفاء من العقاب في حالة زواج المختطف أو المغرر بضحيته، لتشمل حالة الاغتصاب أيضا، وذلك أمام ارتفاع طلبات الزواج المقدمة من أسر الفتيات المغتصبات، بهدف تجنب الفضيحة خاصة في الحالة التي ينجم عن اغتصاب الفتاة افتضاض بكارتها.

وهو ما يعني أن إعفاء المغتصب من العقاب في حالة زواجه من الضحية هو اجتهاد قضائي بني على أساس تفسير لنص قانوني بخلفية مجتمعية ذكورية محكومة بالأعراف والتقاليد التي تختزل شرف المرأة في بكارتها[3].

  • "أمينة" قصة انتحار طفلة مغتصبة  عجلت بتغيير قانون

لعدة سنوات طالبت منضمات حقوقية وجمعيات نسائية بتعديل الفصل 475 من القانون الجنائي الذي يتم توظيفه بغية إفلات المغتصب من العقاب عند زواجه من الضحية.

لكن مأساة الطفلة أمينة الفيلالي ذات ستة عشر ربيعا والتي انتحرت بعدما أرغمت من الزواج من مغتصبها، عجل بإحياء هذا المطلب من جديد، حيث قام تحالف ربيع الكرامة الذي يضم جمعيات نسائية وحقوقية، بتنظيم حملة مناصرة واسعة لإلغاء مقتضيات هذا الفصل الذي يشرع للإفلات من العقاب. وووجهت الحملة في بداية الأمر برفض من وزارة العدل التي قدمت رواية مخالفة لقصة انتحار الطفلة خديجة، مؤكّدة أن زواج القاصرات مسألة قانونية ومشروعة من شأنها صيانة شرف الأسرة.

لكن تحالف ربيع الكرامة واصل حملة المناصرة مؤكدا أن اغتصاب القاصرات وتزويجهن يندرج ضمن أشكال العنف ضد النساء، وسرعان ما حظيت الحملة باهتمام وطني ودولي غير مسبوق توج بمصادقة البرلمان على مقترح قانون يتعلق بحذف الفقرة الأخيرة في الفصل 475، بعد مخاض طويل[4].

  • إلغاء قوانين أم إلغاء عقليات وممارسات ؟

رغم أهمية إلغاء الفقرة الثانية من الفصل 475 من القانون الجنائي الذي جاء انتصارا لحراك قادته منظمات المجتمع المدني، إلا أن هذه الخطوة وحدها تبقى غير كافية لحماية الفتاة المغتصبة، اذا لم يواكبها اشتغال على الأسباب التي تدفع بعض أهالي الفتيات المغتصبات إلى الترحيب بتزويجهن من المغتصبين، ومن أبرزها:

- ثقافة سائدة داخل المجتمع، تختزل شرف الفتاة في غشاء بكارتها؛

- قانون يشرعن العنف ويدافع عنه في مجتمع يعاني الفقر والتهميش ويرزح تحت ثقل تقاليد بالية ومتخلفة وأفكار ذكورية ورجعية عن مفهوم الشرف؛

- قانون جنائي يكتفي بزجر المغتصب دون أن يتضمن تدابير حماية وتكفل بالضحية؛

- قانون أسرة يكرس التمييز بين البنوة الشرعية والبنوة غير الشرعية، ويعفي الاب البيولوجي من أي مسؤولية تجاه ابنه الطبيعي الذي ينسب فقط لأمه.

لكل ذلك يمكن القول أن الغاء الفقرة الثانية من الفصل 475 من القانون الجنائي بالمغرب قد تكون خطوة مهمة، لكن ينبغي أن تتبعها خطوات أخرى مواكبة.

نشر هذا المقال في العدد 7 من مجلة المفكرة القانونية في تونس


[1]- صدر بتنفيذه ظهير رقم 1.59.413  بتاريخ 26 نونبر 1962 متعلق بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائي ومنشور بالجريدة الرسمية عدد 2640 مكرر، بتاريخ 5 يونيو 1963، ص 1253.
[2]- جاء في قرار المجلس الأعلى ( محكمة النقض حاليا ) :”موافقة الضحية القاصرة التي ثقل سنها عن 16 سنة الإلتقاء بالمتهم بمدينة القنيطرة التي رافقته ومكثت معه فيها بطيب خاطرها وذلك بإخراجها من مدينتها والمكوث معها خارجها تجعل جنحة التغرير لقاصرة بدون استعمال العنف المنصوص عليها في الفصل 475 من القانون الجنائي ثابتة في حقه ” .
– قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 27/12/2001 تحت عدد 1485/10 في الملف عدد 474/98 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 59 و 60 صفحة 399.

[3]- يلاحظ أن أسرة الفتاة الضحية لا تبادر الى عرض فكرة الزواج او القبول بها اذا تعلق الأمر باغتصاب فتاة سبق لها الزواج، مطلقة أو أرملة، ما عدا في حالة وجود حمل ناتج عن هذا الاغتصاب. مما يؤكد أن الهدف من هذا الزواج هو اتقاء الفضيحة سترا لفقدان البكارة أو لوجود الحمل.
أحمد الخمليشي: زواج المغتصبة والقاصرة بين النصوص القانونية والواقع العملي، سلسلة ندوات محكمة الاستئناف بالرباط، مطبعة الأمنية، الطبعة الأولى، ص 10.

[4]- المادة الفريدة من القانون رقم 15.14 القاضي بتغيير وتتميم الفصل 475 من مجموعة القانون الجنائي، الصادر بتنفيذه ظهير رقم 1.14.06 بتاريخ 20 /02/ 2014؛ منشور بالجريدة الرسمية عدد 6238 بتاريخ 13/03/2014، ص 3138.