المفكرة: الجميع خلال الفترة الأخيرة يتحدّث عن جمعية "حماية واحات جمنة"، لو تعرّفنا بالجمعية والواحة، من هم أعضائها، وماهي أهدافها؟

الطاهري: تعود جذور الواحة إلى سنة 1912 عندما افتكّ المستعمر الفرنسي أرضا على ملك مواطني منطقة جمنة ووضع من تصدّى له حينها في السجن. حوّل المستعمر الأرض وبفضل جهود أبناء المنطقة إلى ضيعة فلاحية، أي واحة نخيل تنتج أجود أنواع التمور "دقلة النور". بعد الإستقلال سنة 1956، وقع اتّفاق بين الأهالي والسلطة التونسية على شراء أرضهم وقاموا بدفع نصف المبلغ (40 ألف دينار) ووقع تشكيل تعاضدية لتسيير الضيعة. وقد تمّ استغلال المال المجمّع من قبل والي المنطقة في مشاريع جهوية كشركة النقل بمدينة "نفزاوة" وشركة التقدّم التجارية ونزل الواحة بولاية قابس التي كانت جمنة تتبعها ترابيا. وبعد الجلاء الزراعي في 12 ماي 1964، وضعت السلطة يدها على الضيعة وغيّرت إسمها إلى أرض دولية[1] لتحيلها خلال سبعينيات القرن الماضي إلى شركة "ستيل" التي بقيت تستثمرها حتّى إفلاسها. وفي حدود سنة 2002، تمّ تسويغ الواحة إلى مقاوليْ أشغال عامة وطرقات كهرباء لم يحترما بنود العقد بشهادة لجنة مشتركة بين وزارتي الفلاحة وأملاك الدولة قام وفد منها بزيارة الواحة سنة 2011.

لهذا قام أهالي المنطقة يوم 12 جانفي 2011 أي قبل فرار الرئيس السابق باسترداد أرضهم وكوّنّا الجمعية حتّى نتمكّن من استغلال الواحة في إطار الاقتصاد التضامني. وقد نجحنا في ذلك فقد بلغ محصول السنوات الخمس التي سيّرنا فيها الواحة أكثر من ملايين دينار تونسي .

إنّ جمعية حماية واحات جمنة تضمّ 11 عضوا متطوّعا لا يتحصلون على رواتب، تشرف على واحة تحتوي على 11000 نخلة وتهدف أساسا للتنمية الجهوية العادلة وتحقيق مفهوم الإقتصاد التضامني الذي أثبت فشل الخيارات الاقتصادية التي اعتمدتها السلطة لسنين عدّة.

المفكرة: كيف تمكّنتم من خلال جمعيّتكم من إستغلال الواحة؟

الطاهري: خلال الموسم الفلاحي لسنة 2011، اضطررنا للإقتراض من عديد الأطراف حتّى نتمكّن من تسيير الواحة وإنجاح الموسم. لهذا قمنا باقتراض قرابة 120 ألف دينار، كما تحصّلنا على قرابة 34 ألف دينار كتبرّعات من عدد أهالي المنطقة إضافة لقرابة ألفي دينار من عدد من التونسيين المقيمين بالخارج. وقد تمكّنا خلال موسمنا الأول ذاك من بيع صابة التمور بمبلغ 969.500 دينار وهو مبلغ اعتبرناه بداية جيّدة لنا في إطار تسيير الواحة. وهنا أتساءل بدوري عن القيمة المالية للمحصول عندما كان يشرف على الواحة متسوّغون آخرين. فقد تمّ بيع المحصول (قبل سنة 2011) بمبلغ لم يتجاوز 16 ألف دينار فقط. ولهذا اعتبرنا في عديد المناسبات أنّ هناك شبهات فساد تحوم حول تسيير هذه الواحة سابقا.

المفكرة: هل تقبّل أهالي المنطقة فكرة تسيير الواحة عن طريقة جمعيتكم؟

الطاهري: خلال الثورة، حاول بعض الأشخاص في عديد القرى إفتكاك مساحات من الأراضي الدولية والضيعات الفلاحية وتجزئتها وتقسيمها فيما بينهم. ومن هذا المنطلق، حاولنا منع هذا التمشّي حتى لا تقسّم هذه الأراضي. وقد تدخّل عقلاء منطقة جمنة خاصة لإقناع العديد بضرورة المحافظة على وحدة الأراضي الفلاحية. ونتيجة وعي عديد المواطنين بهذه الفكرة، حافظنا في منطقة جمنة على وحدة الأراضي. لهذا، قمنا بتأسيس جمعيتنا حينها التي ساندها عديد المواطنين. وفي مرحلة لاحقة، قمنا بالاتّصال بممثلي السلطة سواء المحليّة أو المركزية وعلى امتداد جميع الحكومات المتعاقبة بعد الثورة كما اتّصلنا بأغلب الأحزاب السياسية التي ترشّحت لجميع المحطّات الانتخابية. ولم نجد أيّ اعتراض من جانب جميع هؤلاء بل إنّ عدداً من الوزراء شكروا مجهوداتنا وثمّنوا دور الجمعية تحب قبّة البرلمان. لكن ما راعنا هو موقف الحكومة الحالية: فبعد ارتفاع قيمة المحصول الأخير والذي بلغ مليون وسبعمائة ألف دينار تونسي تغيّر موقفها في اتجاه سلبيّ.

المفكرة: هل يعني هذا أنّكم قمتم بالإستيلاء على عقار تعود ملكيته للدولة وتولّيتم التصّرف فيه دون وجه قانوني؟

الطاهري: نحن لم نقم بالإستيلاء على أرض دولية. نحن جسّدنا مفهوم الوحدة الوطنية في واحة جمنة عندما وحّدنا جميع المواطنين والفاعلين بالجهة من أجل تطوير مشروعنا. وهنا أشير أنّ واحة جمنة لا تعود ملكيتها للدولة، بل إنّ مالكيها الأصليين هم متساكني الجهة. ولقد تحصّلنا سنة 2004 على حكم قضائي نصّ على رفض تجديد وتسجيل جزء من الأرض التابع للواحة لفائدة الدولة. كما أنّ الفصل عدد 28 من قانون سنة 1964 الخاص بالأراضي الإشتراكية ينصّ على انّه لا يمكن تمليك أو تسويغ أراض على ملك عروش لفائدة الدولة. لهذا، لا نعتبر أنّ واحة جمنة على ملك الدولة بل قام المستعمر الفرنسي بافتكاكها من مالكيها الأصليين. وفي سنة 1964، قمنا بدفع 40 ألف دينار لإعادة الواحة لمالكيها. إلاّ أنّ الدولة أخذت منّا المال لتحيل من ثمّ الواحة لفائدة شركة ستيل سنة 1974 وتسوّغ الهكتار بقيمة دينار تونسي فقط. أيضا وفي حدود سنة 2002 وعندما أعلنت شركة "ستيل" إفلاسها، تفاجأنا مرّة أخرى بتسويغها لمستثمريْن خواص الأوّل استغلّ 11 هكتار بقيمة 9 آلاف دينار في السنة والثاني سوّغ 74 هكتار بقيمة 9 آلاف دينار في السنة ما يعني أنّ الدولة اكترت النخلة الواحدة بقيمة 800 مليم فقط. ولهذا اعتبرنا هذه الصفقة ملفّ فساد بامتياز.

 

المفكرة: ماهي مقترحاتكم لحلّ مشكلة الواحة والوضعية العقارية بجمنة عموما؟

الطاهري: نحن كجمعية طالبنا بتطبيق الفصل عدد 14 من القانون الصادر سنة 1995 الذي ينصّ على السماح للدولة بكراء أو منح أراضٍ عن طريق الهبة للجمعيات أو المنظّمات التي تراعي المصلحة العامة، لكن وزارة الفلاحة طالبت فيما بعد بتطبيق الفصل عدد 16 من نفس القانون الذي ينصّ على إنشاء تعاضديات فلاحية دون أن توجّه لنا مقترحا رسميا حوله.

من جهة أخرى، أعلن وزير الفلاحة مؤخّراً أنّه سيتمّ تحويل الواحة إلى تعاضدية فلاحية. ومن ناحية المبدأ أشير أنّ جمعيتنا توافق على هذا المقترح. لكن نريد في المقابل من وزارة الإشراف أنّ تقدّم لنا وبدقّة تفاصيل هذا المشروع، لأننا اليوم نرفض إنشاء شركة لها طابع ربحي في الواحة. من جهة أخرى نطالب برفع تجميد الحسابات المالية للجمعية[2]. فنحن اليوم نعيش صعوبات مالية خاصة منها المتعلّقة بصرف أجور العاملين بالضيعة في الفترة المقبلة.

المفكرة: ما هو موقفكم ممنّ يحذّر من تجربتكم باعتباره دليل اعتداء على هيبة الدولة؟  

الطاهري: أعتبر أنّ هيبة الدولة هي من هبة مواطنيها. فعندما نلتمس أنّ الدولة تحارب الفساد سنكون أول الداعمين لها، وفي المقابل نحن لم نتحدَّ الدولة بل نحن مؤمنون بمبادئ الثورة التي نادت بالشغل والحرية والعدالة الاجتماعية. أمّا بالنسبة لتعميم تجربتنا على أراض تعرّضت للسرقة والإفتكاك، فسنقوم بمساندة هذه التجارب لأنّ أغلب الأراضي الدولية تعود ملكيتها الأصلية لفائدة العروش قبل أن يقوم المستعمر الفرنسي بافتكاكها. وأعتبر أنّ هذه الفكرة ستقوم بتشغيل العديد من العاطلين عن العمل وتساهم في التنمية الجهوية.

المفكرة: وزير الفلاحة أعلن مؤخّرا أنّ قرابة 20 ضيعة فلاحية ستمنح لعدد من الشباب أصحاب الشهادات العلمية، هل تعتبرون أنّ ملفّ جمنة نجح في إرساء تصور جديد للضيعات الفلاحية؟

الطاهري: في عديد المناسبات، اعتبرت أنّ ملف واحة جمنة سيدفع في اتّجاه تغيير التعامل مع الضيعات الفلاحية، من شأنه أن يكرس الإقتصاد التضامني الإجتماعي لهذه الأراضي الفلاحية التونسي.

المفكرة: تحوّلتم في الفترة الأخيرة لعدة دول أجنبية، فما الغاية من هذه الزيارات؟

الطاهري: لقد لاقت تجربة واحات جمنة اهتماما من قبل عديد الجمعيات والمنظمات التونسية، وفي هذا الإطار تلّقينا دعوات من البعض منها قصد المشاركة في محاضرات في النمسا وفرنسا وإيطاليا لمزيد التعريف بالتجربة. وهناك، وجدنا تعاطفا من قبل منظمات نقابية أجنبية وقد طلبنا منها دعم تجربتنا من خلال الإمضاء على عرائض توجّه للمسؤولين التونسيين، وأشدد على أنّه لا مجال لإدراج هذا التضامن ضمن إطار التدخل في شؤون تونس الداخلية.

نشر هذا المقال في العدد 7 من مجلة المفكرة القانونية في تونس


[1] عقار فلاحي مصنف كملك دولة خاص.
[2]  تولت الدولة التونسية بتاريخ 10-10-2016 إصدار بطاقة إلزام عدد 8839 ضد سعيد الجوادي الذي أرست عليه مزايدة بيع محصول واحة جمنة  لموسم 2016 وجمعية حماية واحة جمنة. وتلزم هذه البطاقة من صدرت ضدهما  بأن يدفعا بالتضامن بينهما مبلغ مليون وسبعمائة ألف دينار تونسي لفائدة خزينة الدولة التونسية. واستنادا لها تولى المكلف العام بنزاعات الدولة التونسية بتاريخ 21-10-2016 إجراء عقلة توقيفية على حسابات الجمعية بالبنوك التونسية بموجب اعتراض إداري. وكان من أثر هذا الإعتراض أن جمدت البنوك حسابات جمعية جمنة. ويعد هذا التجميد وإجراء احترازي في انتظار بت القضاء في صحة بطاقة الإلزام. للإطلاع على ملف قرارات تجميد أموال جمعية جمنة، يراجع ياسين النابلي، "خاص – تجميد الحسابات البنكية لجمعية جمنة والتاجر سعيد الجوادي" موقع النواة،21-10-2016.