تقع واحة جمنة وقريتها في الجنوب الغربي التونسي. وتصنف الضيعة كما القرية كأرض دولية"[1]. اكتسبت الدولة ملكية العقار الذي تبلغ مساحته قرابة الأربعمائة هكتار بموجب قانون الجلاء الزراعي[2]، وهو القانون الذي أحال لها العقارات الفلاحية التي كان اغتصبها المستعمر. وفي ظاهرة فريدة من نوعها، اصطلح سكان الضيعة على تسمية العقار الذي يقطنون أطرافه "هنشير المُعَمر" (والمعمر يعني باللغة الشعبية المستعمر) بالنسبة إلى شيوخهم و"واحة ستيل" (وهي إسم شركة عامة) [3] لمن لم يعايشوا الحقبة الاستعمارية. وقد دلت التسمية ببساطة على حالة غربة السكان المحليين عن الرقعة الجغرافية التي يقطنون فيها. في الأيام الأولى لثورة 14-01-2011، انتهز أهالي جمنة فرصة تراجع السلطة العامة وضعفها ليستولوا على الضيعة ويعلنوها أرضا لهم تديرها جمعية تولوا تكوينها. وقد أسموا جمعيتهم "جمعية حماية واحات جمنة" بما قطع مسار غربتهم عن أرضهم. مارس سكان جمنة بواسطة جمعيتهم لأول مرة في تاريخهم مفهوم الحق في الملكية الذي حرمتهم منه دولة الإستقلال. وكان من آثار ممارستهم للفعل المحجر أن وصفوا بغاصبين للعقار وخارجين عن القانون .

تمرد واحة جمنة، قصة نجاح

توصل أهالي جمنة وقد استغلوا العقار الذي كان قبل استيلاء المستعمر عليه من أملاك أجدادهم لتحقيق إنجازات تنموية بارزة كما يؤكد ذلك رئيس الجمعية[4] السيد طاهر الطاهري[5]. فقد إستفادوا من مداخيل ضيعتهم في "بناء قاعة مغطّاة رياضية لفائدة المعهد الثانوي بجمنة وقاعات دروس وقاعة مطالعة ووحدات صحية بالمدرستين الإبتدائيتين، وبناء سوق تمور مغطّى لفائدة البلدية وتعشيب الملعب الرياضي واقتناء سيارة إسعاف لفائدة مركز الاتّحاد التونسي للقاصرين ذهنيا (مؤسسة عمومية) وإهداء هذا المعهد 50 فسيلة  نخلة[6] حتّى يتمكن من توفير موارد ذاتية في مستقبل منظور. كما وفرت مواد مكتبية (حواسيب، آلات ناسخة) لفائدة مركز الحرس الوطني وللمكتبة العمومية وللمستشفى المحلّي أيضا، وموّلت مهرجانات ثقافية كما وفرت منحا دراسية لطلبة القرية من محدودي الدخل دون أن تغفل الإستثمار في الضيعة بغراسة 2500 فسيل نخل جديد"[7].

أدّت إدارة تشاركية لا يبغي القائمون عليها الربح الخاص لمساحة عقارية تقارب مائتي هكتار مشجرة نخيلا[8] إلى تحقيق تنمية كان لها أثر على محيط الضيعة الطبيعي وعلى الواحة. وتكشف مقاربة بسيطة أن الدولة التونسية بكل كوادرها ومواردها كانت فشلت في تحقيق ذات النجاح. فديوان الأراضي الدولية المؤسسة التي تتصرف في 193 ألف هكتار من أخصب الأراضي التونسي لم يفلح في تحقيق توازنات مالية ينهي خسائره المتفاقمة من سنة لأخرى[9]. وقد أحرج نجاح الجمعية في تجربتها السلطات الحكومية التي أعياها فشلها في إدارة العقارات الفلاحية العمومية، فأقنعت ناشطي الجمعية في سنة 2012 بتحويلها لشركة إحياء فلاحي أي لشركة استثمارية. وهذا الأمر يعني عمليا التحول لرجال أعمال فلاحة ممن يبحثون عن الربح الخاص وانخراط تجربتهم في منظومة المؤسسات التي تعاني فشلا في إدارتها للعقارات الفلاحية. ولكن سرعان ما تراجع هؤلاء عن إحداث الشركة ليواصلوا إنهاء الإدارة التطوعية والجماعية للضيعة ومعها قصة نجاحهم.

وجدت السلطة السياسية في تصرفهم تحديا لقوانينها ومؤسساتها، واتجهت للتصدي للتجربة وفق القانون. المواجهة بين الطرفين عرفت إنطلاقتها الفعلية بعدما أعلنت جمعية إحياء واحة جمنة بداية موسم سنة 2016 لجني التمور اعتزامها على بيع محصول الواحة على رؤوس نخله[10] لأفضل مزايد. نبهت الحكومة الجمعية إزاء مواصلة إجراءات البتة[11] ، كما استصدرت حكما قضائيا استعجاليا بمنع عملية البيع[12] . اكتفت الجمعية في مواجهتها بأن أجلت موعد البتة ليوم 09/10/2016 معتبرة ذلك إذعاناً منها للمقرّر القضائيّ. وتبعا لنجاح تجربتها ومصداقيتها، تجنّد جانب هام من المشهد الحقوقي لمناصرتها علاوة على عدد من نواب الشعب والأحزاب السياسية، مما مكنها في النهاية من إجراء بتة بيع محصول سنة 2016. وقد نجح أنصار التجربة في تثمين منجزاتها، فبينوا للرأي العام معطيات تكشف أهمية التجربة ومنها أن الضيعة التي كانت قبل الثورة تشغل سبعة عمال قارين فقط باتت توظف 134 عاملا قارا علاوة على عدد آخر من العمال الموسميين وأن الحكومة كانت تسوغ الضيعة لرجال الأعمال الخواص بمبلغ لا يتجاوز العشرين ألف دينار سنويا حال أن محصول ذات الضيعة تم بيعه سنة 2016 بمبلغ مليون وسبعمائة ألف دينار. ورغم ذلك، عمدت الحكومة إلى تجميد حساب الجمعية مهددة من اشترى البتة بتحميله تبعات خرق القانون. وقد لقي هذا الموقف دعما في الوسط الإعلامي والسياسي الرسمي وحتى القانوني، على خلفية التمسك بهيبة الدولة ووجوب وضع حدّ للإنفلات الأمني. وعرضت كتابة الدولة لأملاك الدولة والشؤون العقارية على الجمعية الإنسحاب من المشهد العام مقابل تعهد الحكومة بإرجاع المبالغ التي تم تسبيقها في أعمال الموسم الفلاحي وخلاص أجور العمال.

وبهدف إنهاء هذه المواجهة، توصّل وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري سمير بالطيب لإقناع أعضاء الجمعية بتطوير تجربتهم إلى تعاضدية إنتاج فلاحي بما ينهي مخالفتهم للقانون ويضمن في ذات الحين تواصلها بذات فكرتها ومبادئها[13]. وفي الإتجاه نفسه، عرض الوزير على مجلس الوزراء أن يتم تخصيص أحد عشر ألف هكتار من عقارات الدولة الفلاحية موزعة على عشرين تعاضدية فلاحية جديدة من ضمنها جمنة[14]. أدت القراءة الإيجابية لتجربة جمنة بعيدا عن فكرة صراع الدولة مع مواطنيها لأن اعتبر الإقتصاد التعاوني منوالاً للإنتاج يضمن الحفاظ على الرصيد العقاري العمومي ويسمح بذات الحين بحماية حقّ المجموعة المحليّة التي ترتبط بالعقار العمومي في أن تمارس حق ادارته.

وبذلك، قدّمت جمنة نموذجا بديلا لتطوير أداء الأراضي الفلاحية الدولية، وهو أمر سعت إليه الدولة التونسية وعقدت من أجله الندوات والإستشارات دون أن تنتهي لتصورات عملية بخصوصه[15]. وقام حلّ جمنة لإدارة العقارات الفلاحية العمومية على الدعوة لمعاودة تجربة التعاضد الذي سبق وأن جربته جمنة كما تونس قبل نصف قرن[16] وانتهى مساره فيها للفشل. وتفرض استعادة التجربة طرح السؤال حول الفوارق بين التجربتين، تلك الفوارق التي قد تفسر ما ينتظر من إختلاف في المخرجات بينهما.

التعاضد حين ينبثق عن الإرادة الشعبية

إختارت الحكومة التونسية بداية ستينيات القرن العشرين الإقتصاد التعاوني نمطا رسميا للإنتاج فأصدرت التشريعات التي تنظم التعاونيات أو التعاضديات كما كان يصطلح على تسميتها[17]. وحاولت فرض إصلاح زراعي يقوم على بعث تعاضديات المالكين في العقارات الفلاحية الخاصة وتعاضديات الإنتاج فيما تعلق بالضيعات الفلاحية العمومية[18]. انتهت التجربة بداية سنة 1969 الى الفشل بعد أن انتفض ضدها فلاحو قرى الساحل التونسي[19]. وحفظت الذاكرة الشعبية من تلك التجربة نوادر عن مسيّري ضيعات تعاضدية كانوا يدعون انجاز حفريات لآبار وغراسة لحقول أمام وسائل الإعلام والمسؤولين المركزيين، حال أنهم في الواقع كانوا يسيئون التصرف ويثرون على حساب شعارات المرحلة وأموال المجموعة الوطنية.

ويظهر من إستذكار تجربة التعاضد الأولى في مقاربتها بتصور التعاضد كما أنتجته تجربة جمنة أن الاختلاف بين التجربتين يتعلق بالممارسة لا بالتصورات وهي تتمثل أساسا في الأمور الآتية:

أولاً: أن التعاضد الذي اعتمد في الستينيات جاء ضمن سياسة حكومية أملاها "المركز" أي السلطة المتمركزة في العاصمة على الجهات والفلاحين. في المقابل، يشكل التعاضد الجديد خياراً فرضته الجهات على السلطة المركزية.

ثانياً: أن تعاضد السلطة المركزيون طبقه مسؤولون حزبيون وإداريون التزموا بمخططات الدولة، فيما التعاضد الجديد هو نتاج إرادة شعبية عارضت سياسة الدولة واعتمدت على إرادة أفراد المجموعة ومقدراتهم لتغيير واقعهم. وهذا ما أكده رئيس جمعية حماية واحات جمنة للمفكرة القانونية حين ذكر أن "تجربة جمعيتهم انطلقت بديون قدرها مائة وعشرون ألف دينار تولى المتطوعون اقتراضها وأضافوا لها موارد من مالهم الخاص قدرها أربعة وثلاثون ألف دينار".

ثالثاً: أن التعاضد كسياسة عامة عُدّ في نظر من شملهم قيداً على حقهم في ممارسة حق ملكيتهم لعقاراتهم، فيما كان من خلال تجربة جمنة فرصة ليمارس من حرمتهم الجغرافيا والقانون من حق الملكية لوجه من وجوه هذا الحق. وآل تبعا لذلك التعاضد كسياسة حكومية إلى الفشل فتراجع عدد الضيعات التي اعتمد بها وانتهى إلى أن يكون مؤسسات فاشلة أو شركات يديرها أشخاص لا يؤمنون بالفكر التعاوني وإن كانوا يستفيدون من تشريعاته[20].

أدت الفوارق بين التجربتين لأن اتجه التعاضد في صيغته الأولى إلى الإنحسار والفشل، فيما إتجه التعاضد في صيغته الثانية لأن يتوسع ويكون عنوانا للنجاح في تحقيق التنمية. ويؤمل أن تشكل تجربة جمنة التي عرضنا جانبا يسيرا من فصولها لبنة من لبنات تطور الإقتصاد الذي يقوم على الإنسان كهدف وقوام لكل تنمية. كما يؤمل أن تكون تلك التجربة مصدر إلهام لتصورات عملية تعالج مشاكل قطاعات أخرى تعاني من صعوبات هيكلية سببها قصور نمط الإنتاجي الربحي على حماية استمراريتها. وقد تكون مؤسسات الإعلام الورقي التي باتت في أغلبها مهددة بالإفلاس الأولى بالاستفادة من تجربة نجحت بفضل تحمس جانب من الإعلام لمنجزاتها.

نشر هذا المقال في العدد 7 من مجلة المفكرة القانونية في تونس


[1] أي على ملك الدولة التونسية
[2] قانون 12-05-1964 والذي امم لفائدة الدولة التونسية العقارات الفلاحية التي كان يملكها مستوطنون أجانب فرنسيين اساسا '
[3] أدارت شركة ستيل وهي شركة قطاع عام ضيعة المعمر من 1972 لغاية حلها سنة 2002 
[4] تتكون الهيئة المديرة لجمعية حماية واحة جمنة من  السادة محمد الطاهر الطاهري: رئيس 2) علي حمزة : أمين مال 3) صالح عبد الجواد : كاتب عام 4) عليَّا عبد السلام : عضو 5) إبراهيم الخليل :عضو 6) أحمد كوشكار : عضو 7) عمر الرحموني : عضو 8) الحسين عبد القادر : عضو 9) منصور خليفة : عضو10) عبد المجيد الحاج محمد : عضو.
[5] للاطلاع على الحوار الكامل للسيد الطاهر الطاهري، المفكرة القانونية- تونس، العدد 7، ديسمبر 2016.
[6] أي نخلة صغيرة للغراسة.
[7] تصريح خاص بالمفكرة  القانونية انجزته الصحفية فاتن حمدي
[8] تمسح ضيعة جمنة 400 هكتار لكن مائتي هكتار فقط منها مشجرة نخيلا  أي مساحة فلاحية منتجة.
[9] Terres domaniales: Une équation à plusieurs inconnues  Najeh Jaouedi 18 -04- 2015 - «Réalités”
[10] معاملة يصطلح على تسميتها في الوسط الفلاحي التونسي بالتخضير
[11] البتة البيع بالمزايدة لأفضل مزايد
[12] صدر الحكم الإستعجالي عن المحكمة الإبتدائية بقبلي بتاريخ 15-09-2016. 
[13] تصريح سمير بن الطيب لإذاعة شمس أف أم بتاريخ 27-10-2016.  
[14]  اليوم في مجلس وزاري: نحو توزيع 20 ضيعة دولية على وحدات إنتاج تعاضد فلاحي من بينها جمنة، صحيفة الصباح الأسبوعي، 21-11-2016.
[15] نضمنت الاستشارة الوطنية حول تطوير استغلال الاراضي الفلاحية الدولية بداية من يوم  16-06-2015 وتم تقديم نتائجها بمجلس وزراء عقد بتاريخ 05-01-2016.
[16] استمرت تجربة التعاضد بين سنتي 1962 و1969. وتقوم هذه التجربة على فكرة الإقتصاد التعاوني أي أن تدار عملية الإنتاج بواسطة مجموعات من المتعاضدين يتقاسمون الأعباء ويقتسمون الموارد.
[17] استوحى كاتب الدولة للتخطيط والمالية أحمد بن صالح تجربته من التجربة السويدية، كما يؤكد ذلك الباحثون في تاريخ المرحلة.
[18] بمقتضى المخطط التنموي العشري 1961-1972
[19] يراجع سعيدة بو هلال، حسن ببّو يتحدث عن أحداث الوردانين (جانفي 1969) وآثارها على حركة التعاضد، صحيفة الصباح، 24-08-2008.  
[20] أكد السيد علي النوري العدوني المدير العام لهيكلة الأراضي الدولية في تصريحه للمفكرة القانونية، من أن المساحة الجملية للوحدات التعاضدية  تراجعت  من 250 ألف هكتار موزعة بين 213 وحدة تعاضدية حسب احصائها سنة 1981 إلى 18 وحدة تعاضدية تستغل 16 ألف هكتار فقط حاليا".