"التأخير المتكرر" العنصر الأبرز الذي ارتبط به تحديد موعد الإنتخابات البلدية. ومرد ذلك هو تأخير القيام بالخطوات الضرورية لإجرائها وهي تباعا: تجديد ثلث أعضاء مجلس الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات[1]، التصويت على تنقيح القانون المتعلق بالإنتخابات والإستفتاء[2] وأخيراً المصادقة على مجلة الجماعات المحلية[3].

ثلاثة مواعيد : نهاية 2015 ، أكتوبر 2016 ومارس 2017 تمّ التراجع عنها بسبب عدم المصادقة على القانون الإنتخابيّ حتى أصبح موعد الإنتخابات المحلية في حكم المجهول في الوقت الذي يؤكد فيه رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أن الهيئة مستعدّة لإجراء الإنتخابات في ظرف ثمانية أشهر من المصادقة على القانون. وكان آخر مؤشرات التأخير، عدم اكتمال النصاب القانوني لعدد النواب في الجلسة العامة ليوم الثلاثاء 10 جانفي 2017 المخصصة لتجديد أعضاء مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

مسائل خلافية بين الأحزاب تعطل المصادقة على مشروع قانون الإنتخابات

تعطلت المصادقة على تنقيح قانون الإنتخابات بسبب مسألتين رئيسيتين: الأولى تتعلق بمنح حقّ التصويت للقوات الحاملة للسلاح، فيما تتعلق الثانية بالتمويل العمومي للقائمات الإنتخابية.

بالنسبة لمسألة منح حقّ التصويت للقوات الحاملة للسلاح من أمنيين وعسكريين، فإنها تعتبر عائقا كبيرا أمام إنجاز الإنتخابات المحلية. فرغم الإتفاق على عدم تشريك العسكريين داخل لجنة التوافقات البرلمانية، فإن الجدل بقي قائما بشأن مشاركة الأمنيين[4]. وبانقضاء الآجال المحدّدة لتقديم مقترحات التعديل، أصبحت مسألة تقديم المقترح المتعلق بمنح العسكريين والأمنيين حقّ التصويت محصورة بالحكومة صاحبة المبادرة التشريعية في هذا الخصوص[5].

وهذه المسألة ذات أهمية كبيرة لاتصالها بالحياد التاريخي للمؤسسة العسكرية التونسية في الصراعات السياسة والتخوف من عودة "دولة البوليس"،.وهو تخوف اختلفت في التعبير عنه مواقف منظمات المجتمع المدني وبعض الشخصيات الحقوقية والعسكرية والنقابية الأمنية:

فمن جهة أولى اعتبر رئيس جمعية ”عتيد“ لمراقبة الإنتخابات السيد معز بوراوي، أن مجلس نواب الشعب يناقش أمرا محسوما دستوريا حيث يكفل دستور الجمهورية الثانية حق الإنتخاب لكافة المواطنين دون استثناء بما في ذلك الأمنيين والعسكريين. وهو ما تخوله أيضا المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس[6]. ويتوافق هذا الرأي مع ما عبر عنه عدد من المختصين في القانون المساندين للحق في التصويت[7]  تأسيساً على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات (منها الحق الانتخابي) المنصوص عليه بالفصل 21 من الدستور[8]..كما يتوافق أيضا مع إصرار النقابات الأمنية على حق أعضائها في الإنتخابات. فقد اعتبر عماد بلحاج خليفة الناطق الرسمي باسم الإتحاد الوطني لنقابات الأمن التونسي أن عدم منح الأمنيين حقّ التصويت يعتبر إقصاء ممنهجا لهم وحرماناً لحقهم الدستوريّ في الإنتخاب[9].

ومن جهة ثانية، ثمة معارضة لمنح التصويت للأمنيين والعسكريين [10]  تمسكا بمبدأ الحياد التام للمؤسستين الأمنية  والعسكرية في مفهومه الشامل والمطلق المنصوص عليه بالفصلين 18 و 19 من الدستور[11].

أما المؤسسة العسكرية، فقد التزمت الصمت واقتصرت التصريحات على مواقف لقيادات سابقة. فقد طالب رئيس أركان جيش البر السابق محمد صالح الحامدي في رسالة إلى الرأي العام "بترك القوات الحاملة للسلاح بعيدا عن السياسة خاصة أنه ليس من مصلحة البلاد في الوقت الراهن أن يتسرب هذا ”التلوث“ إلى داخل المؤسسة العسكرية والأمنية"..[12]

أما الهيئة المستقلة للانتخابات، فقد أكد عضو مجلسها السيد نبيل بفون أن مشاركة الأمنيين والعسكريين في الإنتخابات البلدية مسألة سياسية بامتياز[13].

بالنسبة للتمويل العمومي للقائمات الانتخابية فبعد توافق لجنة التوافقات داخل مجلس نواب الشعب على أن يكون تمويل القائمات الانتخابية تمويلا لاحقا أي بعد الإنتخابات، بقي الخلاف حول شرط التمويل: هل يعطى التمويل للقائمة التي تحصلت على 3 بالمائة أو على 2 بالمائة من الأصوات؟ وقد عقبت رئيسة لجنة النظام الداخلي والقوانين الانتخابية بالبرلمان كلثوم بدر الدين على هذه المسائل مرجّحة إمكانية المصادقة على تنقيح قانون الإنتخابات قبل موفى شهر جانفي وإرجاء الحسم  في مسألة التمويل العمومي ومشاركة القوات الحاملة للسلاح إلى سلطة الجلسة العامة للبرلمان[14].

بسبب كل هذا، يحذر رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات السيد محمد شفيق صرصار من أنّ تأخير الإنتخابات البلدية لسنة  2018 سيكون بمثابة "الكارثة". فمن غير المعقول بقاء البلاد دون انتخابات محلية رغم انقضاء 6 سنوات من بداية الثورة التونسية. وهو تأخير تتحمل مسؤوليته الأحزاب السياسية لأنها المتسببة فيه[15].

وفيما يتمحور الإختلاف الظاهر حول مسألة تصويت الأمنيين، فإن إثارة مثل هذه المسائل تخفي عدم استعداد الأحزاب للإنتخابات المحلية نظرا للانقسامات التي تطال الحزب الحاكم حزب حركة نداء تونس ولضعف المعارضة وخوفها من مزيد سيطرة الأحزاب على المقاعد في الهياكل المحلية بعد سيطرتها على الحقائب الحكومية واكتسابها الأغلبية في البرلمان وعدم الحسم في خارطة التحالفات الإنتخابية القادمة.

انتخاب هياكل محلية نجهل اختصاصها

إن كان السؤال الراهن يتعلق بتاريخ إجراء الإنتخابات البلدية، فإن مرحلة ما بعد الإنتخابات تحمل تحديا محفوفا بالمخاطر.فالباب السابع من الدستور التونسي حول السلطة المحلية بما تضمنه من "ثورة قانونية" نقلت التنظيم الإداري من نظام إداري مركزي إلى نظام لا مركزي يقوم على مبادئ الحكم المحلي[16]، يحتاج مزيدا من التفصيل. وهو تفصيل يحمله  مشروع مجلة الجماعات المحلية التي ستحدد كيفية تطبيق الباب السابع من الدستور المتعلق بالسلطة المحلية وكيفية توزيع صلاحيات أعضاء الجماعات المحلية وضمانات استقلالية السلطة المحلية في عملها.
وتجدر الإشارة إلى أن اللجنة المكلفة بتنظيم الإدارة والقوات الحاملة للسلاح داخل البرلمان لم تنهِ بعد دراسة هذه المجلة، الأمر الذي يعني إمكانية انتخاب هياكل محلية دون تحديد واضح لصلاحياتها. وهذا ما تعارضه منظمات المجتمع المدني التي أكدت أن البلاد ليست جاهزة بعد لتطبيق اللامركزية بسبب عدم المصادقة على مشروع مجلة الجماعات المحلية [17] وكذلك بسبب الإشكاليات المتعلقة بالتوازنات المالية لمختلف البلديات والصعوبات المتعلقة بتحقيق لا مركزية القضاء الإداري والمالي في ظل الهيكلة الحالية للقضاء التونسي والصعوبات المالية للبلاد [18] .

في انتظار الإنتخابات البلدية ذات الموعد المجهول، تبقى تونس دون هياكل محلية منتخبة منذ 6 سنوات.وهي فترة عجزت فيها النيابات الخصوصية المعينة عن القيام بالعمل البلدي اللازم، ما اضطر الحكومة لإصدار أوامر حكومية متكررة في تغيير تركيبة هذه النيابات من دون جدوى [19].

 

[1]  الفصل 32 من القانون الأساسي عدد 23 لسنة 2012 والمؤرخ في 20 ديسمبر 2012 والمتعلق بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات :" ـ يتم التجديد لثلث مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات كل سنتين، وفي المرتين الأوليين يحدد من يشمله التجديد بالقرعة من بين أعضاء أول مجلس للهيئة، ولا يكون رئيس الهيئة معنيا بالتجديد في المرتين الأولى والثانية." – هناك تأخير في تجديد التركيبة كان من المفترض أن يكون التجديد في 8 جانفي 2016 بعد سنتين من انتخاب أعضاء الهيئة وفق ما ينص عليه هذا الفصل.
[2]  مشروع القانون الأساسي عدد 1 لسنة 2016 المتعلق بتنقيح وإتمام القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المؤرخ في 26 ماي 2014 المتعلق بالإنتخابات والاستفتاء.
[3]  مشروع القانون الأساسي عدد 23/2016 المتعلق  بمجلة الجماعات المحلية.
[4]  انقسمت الآراء بين من يرفض إسناد الحق للأمنيين والعسكريين في الانتخاب، خلال الإنتخابات البلدية المقبلة، على أن يتم تمتيعهم بهذا الحق في الإنتخابات التي تليها، وهو رأي كتلة حركة النهضة، وشق من كتلة حركة نداء تونس، وبعض المستقلين من نواب التيار الديمقراطي وحراك تونس الإرادة، فيما يبرز رأي آخر لكتلة الجبهة الشعبية وحزب آفاق تونس يدعو إلى إسناد هذا الحق على قاعدة المساواة بين المواطنين دون تأجيل وبصورة استثنائية منحه للأمنيين دون العسكريين.
[5]  الفصل 121 فقرة 5 من النظام الداخلي للمجلس : "بانقضاء الآجال المحددة لتقديم مقترحات التعديل لا يجوز بعد ذلك تقديمها إلا من قبل ممثل جهة المبادرة وتعرض هذه التعديلات على التصويت دون نقاش."
[6]  جريدة الصباح، 28 سبتمبر 2016، مقال بعنوان : ”مشاركة الأمنيين والعسكريين في الإنتخابات البلدية. ”عتيد“ ترى أن الأمر محسوم دستوريا“ وهيئة الإنتخابات تعتبرها ”مسألة سياسية“.
[7]  الأستاذة في القانون الدستوري سلسبيل القليبي (جريدة الصريح 26 سبتمبر) والأستاذ في القانون الدستوري أمين محفوظ (جريدة المغرب 30 سبتمبر).
[8]  الفصل 21 من الدستور التونسي : " المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون من غير تمييز."
[9]  تصريح لقناة الحوار التونسي، 24 سبتمبر 2016.
[10]  الأستاذ المنجي غريبي مقال بعنوان : "مشروع تنقيح القانون الانتخابي: لا مجال لإقحام الجيش والأمن الجمهوريين " جريدة المغرب 26 سبتمبر 2016 .
[11]  الفصل 18 من الدستور : " الجيش الوطني جيش جمهوري وهو قوة عسكرية مسلحة قائمة على الانضباط مؤلفة ومنظمة هيكليا طبق القانون ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه وهو ملزم بالحياد التام ويدعم الجيش الوطني السلطات المدنية وفق ما يضبطه القانون."
الفصل 19 من الدستور : " الأمن الوطني أمن جمهوري قواته مكلفة بحفظ الأمن والنظام العام وحماية الأفراد والمؤسسات والممتلكات وإنفاذ القانون في كنف احترام الحريات وفي إطار الحياد التام."
[12]  رسالة إلى الرأي العام من رئيس أركان جيش البر السابق محمد صالح الحامدي ، جريدة الصريح، 26 سبتمبر 2016.
[13]  صرح السيد نبيل بوفون أن" الحسم في هذه المسألة يعود إلى أنظار السلطة التشريعية وانه ليس للهيئة دخل في هذا الشأن إلا من الناحية التقنية واللوجستية مشيرا إلى انه في صورة الاتفاق على مشاركة الأمنيين والعسكريين في الإنتخابات فان عملية الاقتراع تتم قبل يومين على الأقل من موعد الاقتراع العام باعتبار أن تامين عملية الاقتراع الموافقة عادة ليوم احد يكون من قبل الأمنيين والعسكريين حتى تلتئم في أفضل الظروف."- جريدة الصباح، جريدة الصباح، 28 سبتمبر 2016، مقال بعنوان : ”مشاركة الأمنيين والعسكريين في الإنتخابات البلدية. ”عتيد“ ترى أن الأمر محسوم دستوريا“ وهيئة الإنتخابات تعتبرها ”مسألة سياسية "
[14]  تصريح للسيدة كلثوم بدر الدين في إذاعة محلية اكسبراس اف ام ، الأربعاء 11 جانفي 2017.
[15]  حوار رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات السيد محمد شفيق صرصار مع قناة التاسعة – يوم الخميس 5 جانفي 2017.
[16]  الأستاذ عبد الرزاق بن خليفة : " السلطة المحلية دواء الجرعة الواحدة قد يؤذي " – مقال منشور بالعدد الثالث لمجلة المفكرة القانونية تونس.
[17]  معز بوراوي رئيس جمعية عتيد : " لا يعقل إجراء انتخابات بلدية دون المصادقة على القانون المنظم للجماعات المحلية " – جريدة البيان بتاريخ الاثنين 9 جانفي 2017.
[18]  مقال بعنوان : " خبراء ومختصون يؤكدون : تونس غير جاهزة لتكريس مبدأ " اللامركزية "  - جريدة الصباح الاثنين 2 جانفي 2017.
[19]  تسيّر البلديات مجالس بلدية منتخبة. بعد ثورة 14 جانفي، تم حلّ معظم المجالس البلدية التي تمّ انتخابها في 2010، وتمّ تعويضها بنيابات خصوصية تمارس نفس صلاحيات المجلس البلدي. تمّ تغيير العديد من النيابات الخصوصية عدة مرات منذ حلّ المجالس البلدية. تصدر هذه التغيرات في المجالس البلدية والنيابات الخصوصية عن طريق أمر حكومي يصدر في الرائد الرسمي.