في مساء الخميس 29/12/2016 أعلنت الحكومة عن إحالة اتفاقية إعادة ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، والمترتب عليها التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير إلى البرلمان، وهي الاتفاقية التي تم توقيعها خلال زيارة العاهل السعودي للقاهرة في أبريل الماضي، ضمن عدد من الإتفاقات الثنائية، التي وقعت بين مصر والمملكة العربية السعودية. وكانت هذه الإتفاقيات أُرسلت جميعًا إلى البرلمان للتصديق عليها، باستثناء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وذلك بعدما طعن عليها فريق واسع من المحامين المصريين، وصدر بشأنها حكم من محكمة القضاء الإداري قضى بمصرية هاتين الجزيرتين. وقد غلّ هذا الحكم يد الحكومة عن إحالة الإتفاقية للبرلمان طبقا للمادة 100 من الدستور والتي تنص على أن "تصدر الأحكام وتنفَّذ باسم الشعب، وتكفل الدولة وسائل تنفيذها على النحو الذي ينظمه القانون، ويكون الإمتناع عن تنفيذها أو تعطيل تنفيذها، من جانب الموظفين العموميين المختصين، جريمة يعاقب عليها القانون. وللمحكوم له في هذه الحالة حقّ رفع الدعوى الجنائية مباشرة إلى المحكمة المختصة. وعلى النيابة العامة بناءً على طلب المحكوم له، تحريك الدعوى الجنائية ضد الموظف الممتنع عن تنفيذ الحكم أو المتسبب في تعطيله."

ومنذ اللحظة الأولى لصدور الحكم، اتخذت الحكومة كافة السبل الممكنة لوقف تنفيذه ونقضه[1]. وعلى الرغم من أن الاتفاقية ما زالت منظورة أمام القضاء، وكذلك رغماً عن صدور حكم واجب النفاذ ببطلان هذه الإتفاقية، إلا أن الحكومة ضربت بأحكام القضاء عرض الحائط وأحالت الإتفاقية للبرلمان.

البرلمان المصري مواقف مخيبة للآمال

أثار قرار الحكومة بالموافقة على اتفاقية التنازل على الجزيرتين وإحالته للبرلمان مخاوف القوى الوطنية المصرية المدافعة عن مصرية الجزيرتين، وذلك بسبب مواقف البرلمان المخيبة للآمال في عدد من القضايا. فعلى مدار العام الماضي وهو عمر البرلمان، استطاع إئتلاف دعم مصر وهو يمثل الأغلبية، مساندة السلطة التنفيذية في تمرير العديد من القرارات، بداية من اقراره لكافة القوانين التي صدرت خلال المرحلة الانتقالية وعددها كان قد يفوق 400 قانون في أقل من خمسة عشر يوما، لم يعترض فيها سوى على قانون واحد فقط. كما مرر المجلس عدداً من القوانين المقيدة للحريات أبرزها مشروع قانون الجمعيات الأهلية والذي ترتب عليه تصفية المجتمع المدني في مصر[2]. وكذلك المخالفة الدستورية الصريحة التي ارتكبها البرلمان بامتناعه عن تنفيذ حكم محكمة النقض ببطلان عضوية النائب أحمد مرتضي منصور وتصعيد النائب عمرو الشوبكي بدلا منه، بالمخالفة لنص المادة 107 التي قررت اختصاص محكمة النقض بالفصل في صحة عضوية أعضاء مجلس النواب، وفي حالة الحكم ببطلان العضوية، تبطل من تاريخ إبلاغ المجلس بالحكم. فرغما عن صدور حكم البطلان من قبل محكمة النقض في 20 يوليو 2016، ما يزال البرلمان ممتنعاً عن تنفيذه حتى الآن. كما يسجل قيام رئيس البرلمان بطرد كافة الأصوات المخالفة من جلسات مناقشة القوانين أو أحد أعضاء الحكومة، بحيث أصبح البرلمان بمثابة منصة للصوت الواحد. ففي عام واحد، تم طرد 8 نواب من جلسات المجلس[3].

تيران وصنافير، وضع مختلف

جاءت إحالة اتفاقية تيران وصنافير للمجلس لتولّد حالة جديدة من المعارضة الحقيقية داخل ساحات البرلمان، فمنذ اللحظة الأولى، صرّح رئيس مجلس النواب، تعقيبًا على إحالة الحكومة إتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية للبرلمان، «لن نتعجل في مناقشة اتفاقية تيران وصنافير»، مشددا على أنه سيتم دراستها من كافة الزوايا[4]. وفي 4 يناير، أعلن 31 نائبًا برلمانيًا رفضهم موافقة الحكومة على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية وما ترتب عليها من التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، وأبدوا اعتراضهم على إرسال الاتفاقية للبرلمان رغم حكم محكمة القضاء الإداري ببطلانها، وعدم صدور حكم نهائي من المحكمة الإدارية العليا. وتباينت وسائل النواب لإظهار رفض الاتفاقية. فقد أدلى عدد منهم بتصريحات لوسائل إعلام مختلفة، فيما أصدر آخرون بيانات بأسباب الرفض، وكتب نواب موقفهم من الإتفاقية عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب إرسال البعض بيانات لرئيس المجلس الدكتور علي عبد العال لتوضيح موقفهم، ونشر آخرون صورهم مرتدين «بادج» حمل شعار «تيران وصنافير مصرية»[5]. وفي مساء نفس اليوم، أعلنت  حملة "مش من حقكم"[6]، عن زيادة عدد المنضمين لقائمة النواب الرافضين للاتفاقية لتصل إلى 61 نائبا. وتم سميت قائمة النواب الرافضين لتوقيع الحكومة على الاتفاقية والتنازل عن الجزيرتين قائمة الشرف. وقد شكل الإعلان عن قائمة الشرف واختيار هذا الاسم لها بداية صراع بين النواب الرافضين للاتفاقية "قائمة الشرف" والنواب المؤيدين لها والذين أطلقت عليهم بعض وسائل الإعلام لقب "قائمة العار"، لتشتعل حرب من التصريحات الإعلامية من كلا الفريقين ضدّ الآخر. فمن جهة، أعلن د. محمد عبد الغنى، عضو لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب، أن عدد النواب "الرافضين" بلغ أكثر من 120 عضواً حتى الآن. وفي رد عليه، رأى محمد أبو حامد، عضو إئتلاف دعم مصر، أن كل ما يفعله تكتل 25 -30 في قضية الجزيرتين هو نوع من المراهقة السياسية، وعدم النضج،[7] مؤكداً أنّ إئتلاف دعم مصر عندما ناقش قضية تيران وصنافير استعان بالخبراء والمختصين لمعرفة الاتفاقية وشرحها، مشيرا إلى أن ائتلاف دعم مصر سيحسم التصويت لصالح إقرار الإتفاقية.

وجدير بالذكر أن هذا الصراع السياسي لم يظهر طوال دور الإنعقاد الأول للبرلمان. وتعتبر تحركات النواب لرفض الاتفاقية أو تمريرها أول تحركات سياسية مؤيدة لرغبة المواطنين بشكل او بآخر، فضلا عن كونها تعيد الإعتبار للدستور والقانون، سواء لجهة التأكيد على وجوب احترام المادتين 1 و151 من الدستور، أو لجهة الدعوة إلى انتظار حكم المحكمة الإدرية العليا صاحبة القول الفصل في مدى قانونية تصرف الحكومة المصرية في التوقيع على الإتفاقية.

 

[1]  القصة الكاملة للنزاع القضائي حول مصرية تيران وصنافير http://legal-agenda.com/article.php?id=3368
[2]  http://www.legal-agenda.com/article.php?id=3330

[3]  http://tinyurl.com/zltf3xh  
[4]  http://tinyurl.com/jbjcx46  
[5]  http://albedaiah.com/news/2017/01/04/128008
[6]  حملة شعبية للضغط علي السلطة التنفيذية والتشريعية لرفض التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير .. فالدستور لا يعطيهم الحق بالتفريط في أرض مصر .. https://www.facebook.com/pg/meshmenhakekom/about/?ref=page_internal
[7]  http://tinyurl.com/jl5tq2y