تعتبر معظم المقاربات المهتمة بالقضاء العربي، ضمنياً وعملياً، وإن لم تقل ذلك صراحة، أن القضاة يشكلون جسماً موحداً له رؤية واحدة ورأي واحد وعلاقة واحدة مع السلطة ومصالح متشابهة إلخ. وتتجاهل هذه المقاربات التنوع الكبير الذي نجده على الأرض داخل المجتمع المهني القضائي على مختلف الأصعدة. فللقضاة مثلاً نظرات غير متشابهة على الإطلاق إلى طبيعة مهنتهم، وطبيعة الوظيفة القضائية، وطبيعة دور القاضي في مجتمعه. كما أن للقضاة المصريين والتونسيين وغيرهم مصالح وأفكار وميول سياسية وأيديولوجية مختلفة وأصول اجتماعية وثقافية متنوعة قد يكون لها تأثير كبير على نظرتهم وممارستهم لمهنتهم وعلى تحركاتهم واحتمال رفضهم لقوانين يعتبرونها جائرة أو احتمال انضمامهم إلى تحركات قضائية جماعية أو إلى تحالفات مع مهن وقوى أخرى في اختزال الدولة الاجتماعية المهتمة بالمهن القانونية والقضائية - لا سيما في العالم العربي حيث ما زلنا نعاني من قلة الدراسات - الإعتراف بأن القضاء لا يمكن اختزاله بفاعل قضائي واحد له نظرة واحدة إلى الأمور وعلاقة واحدة مع السلطة التنفيذية أو مع فاعلين آخرين. ولا يكفي الإعتراف المبدئي والصوري بهذه التعددية طبعاً إذ أن على الباحثين البناء على هذا الإعتراف والوصول إلى نتائجه المنطقية كافة على صعيد التحقيق الميداني والتحليل.

تم إعداد هذه الورقة البحثية تبعاً لأبحاث ميدانية قام بها الباحث في علم سوسيولوجيا القانون، سامر غمرون في تونس ومصر بين 2011 و2013، وهو رئيس الهيئة الإدارية للمفكرة القانونية. وشاركه في التحليل والصياغة المحامي والمدير التنفيذي للمفكرة القانونية نزار صاغية.