أثار تحذير وزير العدل الموريتاني إبراهيم ولد داداه في مداخلته أمام مجلس الشيوخ الموريتاني [1]، للقضاة الموريتانيين من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا موقع الفايسبوك الأشهر بين شبكات التواصل الاجتماعي، ردة فعل رافضة من قبل القضاة الموريتانيين. كما تم تداول المداخلة المصورة في عديد المواقع والصحف الالكترونية. وبرّر الوزير تحذيره بوجوب التزام القضاة بواجب التحفظ قائلا أن "القضاة ليس لهم أن يكتبوا على الفايسبوك، لأنهم ملزمين بالتحفظ" معلنا نيته اقتراح إصدار نصوص لضبط واجب التحفظ مستقبلا.

يأتي هذا التحذير في الوقت الذي يستغل فيه عديد القضاة الموريتانيين الفايسبوك للكتابة والتعليق على القضايا المتعلقة بالشأن العام والقضائي الموريتاني الأمر الذي أزعج وزير العدل الذي يتقلد منصب نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء.وقد علق القاضي "مولاي اعل ولد مولاي اعل" على هذا التصريح في مقاله بعنوان "التحفظ على واجب التحفظ" بالقول أن واجب التحفظ يمنع القاضي من إبداء رأيه في الملفات المعروضة أمام المحاكم ولكنه لا يمنعه من إبداء رأيه في التشريعات القائمة والاختلالات التي تشوبها وإبداء رأيه حول مشاريع القوانين[2].

يعكس هذا الخلاف حول واجب التحفظ اختلافا في تأويل مفهوم التحفظ بين رؤية سياسية يمثلها وزير العدل ترى أن هذا الواجب "يجعل قلم القاضي أسير عدم الظهور والكتابة في أي شيء كما يمنعه من التعاطي عن طريق الكتابات والنشر" وبين رؤية القضاة الذين يعتبرون الكتابة والنشر في الفايسبوك ممارسة لحرية التعبير التي يضمنها الدستور وليس فيها تعارض مع واجب التحفظ [3]. وما يجعل الأمر قابلا للتصعيد هو نية وزير العدل في اقتراح نصوص قانونية لضبط واجب التحفظ مستقبلا في الوقت الذي يسعى فيها القضاة الموريتانيين للتخلص من تدخلات السلطة التنفيذية للقضاة بتقديمهم مقترحات لتعديل الدستور الموريتاني وتعديل النظام الأساسي للقضاة.

من بين هذه المقترحات ما تقدم به نادي القضاة الموريتانيين [4]  لتنقيح الدستور في بابه المتعلق بالسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة من أجل تكريس استقلالية السلطة القضائية وذلك في الوثيقة التي نشرها تحت عنوان "نحو عدالة مستقلة" [5]. والتي جاء فيها أن الباب السابع المتعلق بالسلطة القضائية في الدستور الموريتاني (المواد 89 – 90 – 91) تحتاج لإعادة صياغة بما يعزز استقلالية القضاء وتكريس مبدأ فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية. ووصفت الوثيقة إعطاء النظام الأساسي للقضاء، وزيرَ العدل صلاحية الـتأديب ضد القضاة الجالسين بالخرق لمبدأ فصل السلطات الذي من شأنه أن يمس باستقلالية السلطة القضائية، داعية إلى منح صلاحية تأديب القضاة للمجلس الأعلى للقضاء. وأكدت الوثيقة على ضرورة تعديل 8 مواد من النظام الأساسي للقضاء [6] هي: 3 و8 و9 و14 و32 و36 و38 و60، والتي تتعلق على التوالي بـ: الترقيات، وعدم قابلية قضاة الحكم للعزل، وعلاقة النيابة العامة بوزير العدل، وحظر تشكيل النقابات، والخطأ التأديبي، وحظر ممارسة الوظائف بشكل مؤقت، والإحالة على مجلس التأديب، ونظام التقاعد والمعاش.

يظهر إذن أن الخلاف الحالي بين وزير العدل والقضاة في موريتانيا حول واجب التحفظ يخفي معاناة مؤسسة القضاء من التبعية للسلطة التنفيذية ما يجعل العامل السياسي أحد العوامل الأساسية في الترقية أوالإبعاد في هذا البلد المغاربي.

 

[1]  مداخلة وزير العدل الموريتاني أمام مجلس الشيوخ الموريتاني أثناء النقاش حول مشروع القانون الإطار المتعلق بالعنف القائم – 26 ديسمبر 2016.
[2]  مقال بعنوان " التحفظ على واجب التحفظ " للقاضي الموريتاني مولاي اعل ولد مولاي اعل – نشر بموقع وكالة الأخبار الموريتانية – 29 ديسمبر 2016.
[3]  تتفق رؤية القضاة مع ما جاء مثلا في قرار صادر عن المجلس الأعلى للقضاء في فرنسا مؤرخ في 09 / 10 / 1987 أن واجب التحفظ لا يمنع مشاركة القاضي في صياغة النصوص كما لا يمنعه من اتخاذ مواقف جماعية عمومية لجمعيات القضاة المؤسسة وفق القانون.كما أن القاضي ليس ملزما بالصمت والتبعية، وأن مبدأ حريته في التفكير والرأي والتعبير هو نفس ما يؤسس لحقه في الإستقلالية الذي يميزه عن الموظف.
[4]  نادي القضاة الموريتانيين : جمعية مهنية مستقلة أنشئت في سنة 2014 تعنى بشأن القضاة في موريتانيا.أصبح نادي القضاة عضوا في الاتحاد الدولي للقضاة في 18 أكتوبر 2016
[5]  للاطلاع على الوثيقة المقدمة من قبل نادي القضاة الموريتانيين : http://cmrim.com/index.php/nhhg/2691-2016-09-30-09-27-02.html
[6]  القانون النظامي رقم 94.012 المعدل باﻷمر القانوني رقم 2006.016 بتاريخ 12 يوليو 2006، المتضمن النظام اﻷساسي للقضاء.